ملف الصباح

يهود المغرب … خـســارة لــن تــعــوض

الباحث الكوهن قال إنه لم يكن في تاريخ المغرب تضييق منهجي على اليهود

يستعرض الباحث أمين الكوهن في هذا الحوار جوانب من تاريخ المكون اليهودي بالمغرب والقضايا المتصلة به، خاصة المتعلقة بأسباب انحساره والمحطات المفصلية التي مر منها إضافة إلى أشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي:

< ما هي طبيعة التحولات التي شملت بنيات المغرب حتى ساهمت في اندثار عدد كبير من الملاحات واجتثاث مجموعات يهودية عريقة عاشت بالمغرب منذ قرون طويلة؟
< أعتقد أنه وقت جيد لمناقشة هذا الموضوع، ويحتاج الأمر إلى عنصرين، العنصر الأول هو المعرفة، والثاني بيداغوجيا تقديمها، خاصة في ظل التهافت على الموضوع وكأنه بدون محاذير ومخاطر، إذ أصبح مستسهلا من قبل مجموعة ممن يعتبرونه أداة للارتقاء الاجتماعي و بناء شبكة علاقات …
لا يمكن للمرء إلا أن يتملكه إحساس بالغبن وهو يرى ما تحدثتم عنه من إفقاد أحياء اليهود، المسماة بالملاح، لدورها، نتيجة طبيعية للاجتثاث القسري الذي تعرضت له الجماعات اليهودية، فقد عاش اليهود بالمغرب لألفيتين متواصلتين، يكاد يكون عيشها مشتركا مع المسلمين، وشكلوا جزءا من صورة المغرب وسيرورته التاريخية.

< إذا كيف نحدد مراحل الاجتثاث؟
< يمكن العودة في سياق الاجتثاث إلى منتصف القرن التاسع عشر في ظل الاختراقات التي تعرض لها المغرب سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي والعسكري. في ظل هذه الوضعية بدأ تأسيس مدارس الأليانس “الاتحاد الإسرائيلي العالمي” وأولاها كانت بتطوان سنة 1862، وما تناسل منها بعد ذلك خاصة في مطلع القرن العشرين. لم يكن الأمر يتعلق بارتقاء اجتماعي وثقافي باليهود بقدر ما كان الهدف تكوين جيل آخر من اليهود لا علاقة له ببلد المولد والنشأة، سواء في استعمال اللغة أو العادات والتقاليد أو نمط العيش الذي أصبح أوربيا. كانت هذه المرحلة الأولى وهدفها الفصل التدريجي بين يهود المغرب أنفسهم، حيث أصبحنا أمام فئتين نسمي الأولى منهما بالمحافظين بينما الثانية العصريين، لتأتي المرحلة الموالية وهي مرحلة الدعاية الصهيونية في جانبها السياسي بعد مؤتمر بال بسويسرا في 1897 حيث بدأ تأسيس الروابط الصهيونية في مجموعة من الحواضر المغربية، وقد نجحت بفعل الدعم المالي الأجنبي وكذا الموفدين والمؤطرين إضافة إلى الجرائد، كما كانت بعض البيعات مركزا لنشر الصهيونية السياسية …، لتأتي بعدها مرحلة الترحيل انطلاقا من تأسيس الدولة الصهيونية بفلسطين في 1948، وقد مر هذا الترحيل القسري بعدة مراحل امتدت إلى أواسط السبعينات من القرن العشرين.
< هناك من يقول إن هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل جاءت رد فعل على التضييق على حريتهم في ممارسة عقيدتهم؟
< هذا وهم مرتبط بعدم الدراية بتاريخ المغاربة اليهود، كما أنه كان من مصلحة الدعاية الصهيونية وحلفائها من الغربيين تركيز هذه الفكرة، وساهم في ذلك أيضا تبسيط من بعض الباحثين لهذا الموضوع المعقد والتعامل معه بسطحية. فقضية اجتثاث يهود المغرب قضية سياسية بامتياز، واستغل الدين من قبل الصهيونية لتحقيق هذا الاجتثاث. فلم يكن يوما في تاريخ المغرب تضييق منهجي أو إيديولوجي على اليهود باعتبارهم يهودا، بل أهل ذمة كانوا يحظون بالحماية السلطانية ومن قبل المجتمع في كثير من اللحظات، إذا ما وقع تجاوز، دون أن ننسى بأنهم كانوا وزراء ومستشارين وسفراء ومحافظي الخزائن، وتجار السلطان … في مختلف المراحل التاريخية.
أما إذا انتقلنا إلى أواسط القرن العشرين نجد علال الفاسي (السلفي والمحافظ وخريج القرويين..) في كتابه “النقد الذاتي” يعتبرهم جزءا من الأمة المغربية. كما كانوا منخرطين في الأحزاب المغربية وحازوا على مواقع قيادية وحظوا باحترام الجميع سواء الذين كانوا محسوبين على المعارضة مثل الراحل شمعون ليفي أو أبراهام السرفاتي أو سيون أسيدون … أو الذين ظلوا قريبين من الدولة مثل أندري أزولاي وسيرج بيرديغو.

< لكن هناك تعابير مغربية دارجة في حياة المسلمين تحط من شأن اليهود وتحقّرهم؟
< بالطبع هناك الكثير من التعابير الدارجة التي تحقر اليهودي وتجعل منه غشاشا ومكتنزا للمال ومخادعا … لكن هل هناك مجهود لتجميع التعابير المغربية اليهودية التي تحقر المسلمين وتعيرهم وتحط من قدرهم … بل هناك أمثال يهودية تحقيرية في حق اليهودي ويمكنك مثلا أن تجد في كتاب صدر في 1939 تحت مسمى textes judeo-arabes de fez نصا ل”مضاربة د اليهوديات” بين مسعودة وسمحة تحمل الكثير من الكلام النابي.
إذا عدنا إلى هذه التعابير نجد أصلها بشكل عام يدور حول المنافسة الاقتصادية، وأغلبها خرج من السوق والمشاكل التي تقع بين التجار المسلمين واليهود، وبعضها من علاقات الجوار بين المسلمين واليهود، وهو أمر غير مستحدث بل إذا عدت إلى فتاوى الونشريسي ستجد قضايا مماثلة لكنها في أغلبها تثبت العيش المشترك بين المكونين … أكيد أنه كانت بعض مظاهر التحقير، لكنها لم تكن تخص اليهود فقط بل كانت مكونات أخرى عرضة لذلك، نظرا للتراتبية التي كانت تضع الشرفاء مثلا في قمة الهرم وبعدهم الفقهاء والعلماء لنصل إلى “الحراطين” في أسفل الهرم في بعض اللحظات.
هل تعرف حجم التعابير التحقيرية ذات البعد المرتبط باللون أو بالعرق أو حتى بالطول والشكل السائدة اليوم في مجتمعنا؟. إنها جزء من آلية الدفاع، لكنها في بعض الحالات تأخذ أكثر من حجمها أو يتم توظيفها في سياقات إيديولوجية كما فعلت الحركة الصهيونية عندما كشرت عن أنيابها من أجل تعميق الفرقة بين المغاربة المسلمين واليهود لجعلهم لقمة مستساغة لتحقيق أهدافها.

< كيف يمكن تقدير حجم خسارة المغرب بانحسار المكون اليهودي؟
< يحز في القلب أن يخسر المغرب أيا من أبنائه كأفراد سواء في قوارب الموت أو في طوابير انتظار الإحسان … فكيف بخسارة جزء أساسي من مكوناته، أي الجماعة اليهودية، في أكبر عملية نصب واحتيال تعرض لها المغرب مست عنصرا ديناميكيا في الاقتصاد والسياسة والفكر والفنون … أكيد أنها خسارة كبيرة وأفظع ما في الأمر أنها لن تعوض.

ما يجب فعله لصيانة الذاكرة
علينا النظر بشكل واقعي ونطرح سؤالا وهو لا يرتبط بالحد من النزيف الذي أخذ مسارا لا أعتقد انه سيتراجع. فكل من بقي من اليهود اليوم شيوخ، كل أبنائهم في الخارج… وحتى الذين عادوا إلى المغرب يعدون على رؤوس الأصابع بعد أن حصلوا على تقاعدهم، وربما عادوا ليدفنوا هنا فقط، تقديري ألا أمل في إعادة دورة التاريخ . لكن كيف نستفيد من هذا التراث وهذا العيش المشترك الذي يحتضر؟
أعتقد أن هناك عملا كبيرا تقوم به مؤسسة التراث الثقافي اليهودي والتي تقوم على حفظه، يتعلق الأمر بإعادة الاعتبار لكثير من البيعات التي تم ترميمها أو في الطريق، كما تم إعادة أسوار المقابر اليهودية، أو المجهود الذي بذل من أجل إعادة تأهيل ملاح مراكش، أو إنشاء المتحف اليهودي بالبيضاء … لكن هل يستطيع كل هذا المجهود أن يعيد الحياة إلى الجماعات اليهودية؟ من سيحافظ على هذه الأعمال بعد نهاية ما تبقى من الجماعة اليهودية؟.
المسألة الثانية هي أن يتم دمج اللحظات المشرقة من العيش المشترك في المنهاج الدراسي وتشجيع البحث العلمي فيه، فتلاميذنا وطلبتنا يجهلون كل شيء عن هذا التاريخ وقيمته رغم أنه منغرس فينا وفي كثير من عاداتنا وتقاليدنا، ومسألة أخرى تتعلق بإحداث مسارات سياحية تتضمن المعالم اليهودية الأساسية …
هذه بعض الأفكار التي أعتقد أنها تستعيد حياة المغربي اليهودي وتتجاوز سوء الفهم والإلغاء الذي تتعرض له جزء من ذاكرتنا الجماعية.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق