مجتمع

صفقة شاشات لاستقبال البيضاويين

عادة، يستفيق عبد العزيز عماري، عمدة البيضاء، باكرا، ثم ينهض من فراشه متجها إلى مكتبته، ويطالع كتابه المفضل “الأمثال الشعبية المغربية”، ويقسم أمام المرآة أن الأمثال درر تصلح لتسيير العاصمة الاقتصادية، دون حاجة إلى صداع “برنامج عمل”، ودورات المجلس الباردة التي تنتهي بالموافقة على كل نقط جدول الأعمال.
كل المجلدات بمكتبة العمدة عبارة عن “أمثال شعبية”، فهو عاشق للتراث الشعبي، ومتيم بالحكم المشهورة، وانتخابه مسؤولا عن المدينة فرصة نادرة للبيضاويين لاكتشاف موهبته في جعل الأقوال الشعبية برامج سياسية واقتصادية قادرة على انتشال المدينة من أزماتها.
آخر ما اطلع عليه العمدة وآمن بحكمته مثل شعبي يقول:”آش خاصك أ لعريان.. خاتم أ مولاي”، فهو بليغ، ويحمل دلالات قوية إلى درجة أنه أجبر كل الموظفين على وضعه شعارا في مكاتبهم، عله يمدهم بقوة العزيمة، ثم وقع، شخصيا، قرارا بإعلان صفقة تستمد كنهها من المثل نفسه، حتى يطمئن قلبه ويستريح.
“آش خاصك العريان… خاتم أ مولاي”… قرأها العمدة، وسارع إلى إعلان طلبات عروض لتجهيز مقاطعات البيضاء بشاشات معلومات بفضاءات الاستقبال، وحدد لها ميزانية قدرت بمليون وأربعمائة وأربعة آلاف درهم، ثم كشف أن فتح الأظرفة سيتم بقاعة الاجتماعات لجماعة البيضاء الثلاثاء المقبل، حتى يضمن تطبيقا حرفيا للمثل الشعبي بكل نزاهة وحياد. لا يهم العمدة انتشار النفايات التي تخنق البيضاويين، وتجعل التلوث “أسدا” يهابه السكان، فيضطرون إلى اقتناء كمامات طبية، والاستنجاد بالمبيدات لإبادة الحشرات في جل الأحياء، أو زحف الحفر على الشوارع، وتحولها مع تساقط الأمطار إلى مستنقعات وبرك تنعش الضفادع والإبط، فالأهم شاشة تلفزيونية في المقاطعات يتسلى بها المنتظرون.
اقتناء العمدة لـ “الخاتم” أولى من ضمان كسوة لـ “العريان”، فهناك مقاطعات يتسابق فيها الموظفون على الكراسي والطاولات القديمة، أما المراحيض فرائحتها النتنة تزكم الأنوف، والمهم وضع شاشات كبيرة في الفضاءات، ربما لا توجد أصلا، ثم إشعالها أسابيع قليلة، قبل أن تتعطل، وتصبح “خارج الخدمة”، في انتظار صفقة جديدة لإصلاحها وإعادة تشغيلها… وهكذا دواليك إلى حين انتهاء فترة تسييره للمدينة، ثم تُباع “خردة”.
ولأن العمدة قارئ نهم لكتب “الأمثال الشعبية”، فهو حريص على ترديدها، إذ يجد لذة في المثل الشعبي :”ما قدو فيل زادوه فيلة”، حتى فكر في استيراد قطيع من الأفيال، ومعجب بـ “لالا زينة وزادها نور الحمام”، فالشاشات تضيف جمالا على مدينة متسخة، وربما تسمح للمنتظرين بالمقاطعات بتتبع قصص “حديدان” وحكاياته مع الأغبياء.
خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق