خاص

فاجعة الصويرة … روايات الناجين

الحديدي اعتاد ممارسة نشاطه والسلطات المحلية والدرك تخلوا عن تنظيم جموع الحاضرين

أماط حادث وفاة 15 امرأة اللثام عن واقع اجتماعي موبوء بجماعات بإقليم الصويرة، إذ لم تستطع كل وصفات التنمية البشرية التي تنجزها عمالة الإقليم من تغيير الواقع البئيس، الذي استغله الفقيه عبد الكبير الحديدي، إمام مسجد بحي كاليفورنيا بالدار البيضاء، والذي دأب على توزيع مواد غذائية على سكان جماعة سيدي بولعلام منذ خمس سنوات.

الساعة تشير إلى الخامسة صباحا. العربات المجرورة وسيارات النقل وسيارات الأجرة، تقل المئات من النسوة اللواتي شكلن في الساعات الأولى من صباح أول أمس (الأحد) طابورا، في انتظار انطلاق عملية توزيع المواد الغذائية، المكونة من كيس دقيق يزن 25 كيلو غراما، وعلبتي شاي من فئة 200 غرام، وخمسة كيلو غرامات من السكر بالإضافة إلى لتر من زيت المائدة.

ساعات في انتظار الدقيق

بوجوه شاحبة، وعيون ذابلة، وقفت المئات من النسوة في انتظار دورهن، في حين كانت الساحة المخصصة لتوزيع المواد الغذائية خالية من عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة، وحدها خشبة انتصبت بمدخل توزيع المواد الغذائية، تتجمع حولها النسوة.
وراء كل امرأة قدمت إلى هناك، حكاية مع حياة الضياع على هامش المغرب المنسي، منهن فاطمة القادمة من دوار لفكيرات بجماعة سيدي بولعلام، حيث يتحدر الفقيه عبد الكبير الحديدي، تقول “لقد نجوت بصعوبة من موت محقق.. أنا أم لخمسة أبناء أصغرهم يبلغ من العمر خمس سنوات، زوجي عاطل عن العمل، ومورد زرقنا الاشتغال في أشجار الأركان”.
تتوقف فاطمة عن الحديث، وقد غالبتها الدموع، وتضيف “لا نتوفر على حفنة دقيق. زوجي منشغل بالبحث عن الماء، وإحضار برميل لا يكفي لحاجيات المنزل، وأنا منذ ثلاث سنوات، تعودت على الحصول على هذه الإعانة التي يوزعها ولد قدور. توجهت بعد أذان الفجر، رفقة مجموعة من النسوة مشيا، إذ قطعت مسافة ثلاثة كيلو مترات، قبل أن أعثر على عربة مجرورة متوجهةإلى مكان توزيع الإعانات.
بمجرد ما وصلت، وجدت عددا كبيرا من النساء، وعرفت في ما بعد أن بعضهن جاء في حدود الساعة الثانية صباحا.

شهود يروون ما وقع

تحكي فاطمة، أن التنظيم غاب عن عملية توزيع الإعانات، ما جعل الازدحام كبيرا، فضلا عن أدخنة يرجح أنها لبخور كانت تنبعث بالقرب من المنصة، جعلت العديد من النسوة يحاولن الرجوع إلى الوراء، نتيجة اختناقهن، ما جعل بعضهن يتساقط، في منظر مقزز.
بشرى شابة في عقدها الثالث، غادرت والدتها الدوار قاطعة ستة كيلو مترات بحثا عن “قفة ولد قدور”. انتظرت الابنة أن تعود الأم لكن القدر كان له رأي آخر. لقد غادرت إلى دار البقاء.
وصل الخبر في حدود الساعة الواحدة زوالا، إلى أفراد العائلة بأن نسوة توفين، لتسود حالة من الذعر والترقب، ليس في صفوف عائلة بشرى فحسب، إنما في كل دواوير تراب الجماعة، والجماعات المجاورة لها، وكانت الوجهة نحو مركز جماعة سيدي بولعلام ومنه إلى تفتاشت، لكن دون أن تتلقى الأسر أجوبة شافية، والسبب يفسره مصدر من عمالة الصويرة، عدم تحديد هوية بعض الضحايا.
ربيعة امرأة تبلغ من العمر حوالي 50 سنة، تتحدر من دوار أمرابط، متزوجة وأم لثلاثة أبناء، أكبرهن تحضر لحفل زفافها خلال الأسبوع المقبل، بالإضافة إلى ابنة تبلغ من العمر عشر سنوات وابن يبلغ من العمر سبع سنوات.
توجهت صباح أو ل أمس (الأحد)، إلى مركز سيدي بولعلام، شأنها في ذلك شأن مجموعة من النسوة الراغبات في الحصول على إعانة، قد تكفيهن لسد الرمق لبضعة أيام، لكنها ذهبت ولم تعد، بعدما لفظت أنفاسها الأخيرة هناك.
يقف زوجها أمام عتبة البيت، وقد حضن ابنيه، ويبكى بحرقة شديدة ويردد “قلت ليها جلسي مابغينا لا دقيق لا سكر، راه الله كيشوف فينا، ولكن هي مبغاتش، وقالت لي غاديا نمشي”.
لا يجد الأب جوابا لسؤال الابن، الذي يسأل والده بعفوية ودون إدراك “فين هي إما… واش مريضة، واش مشات عند خالي يعطيها الدوا”… أسئلة يتحاشى الأب الإجابة عنها، واختار أن يبكي حظه التعس.

نجاة من موت محقق

“إيجا”، امرأة في عقدها السابع، تتحدث بلهجة بالكاد تفهمها، جاءت من أحد الدواوير المحيطة بتفتاشت، لحضور عملية توزيع المواد الغذائية.
تعيش “إيجا” رفقة ابنتيها بعدما فقدت زوجها، قبل قرابة ست سنوات، ابنها البكر يقبع الآن في السجن، بعد إدانته في قضية جنائية بخمس سنوات سجنا نافذا، إذ كان هو المعيل الوحيد للأسرة.
تحكي “إيجا”، أنه لو كنت تتوفر على ما تسد به رمقها، لما حضرت إلى سيدي بولعلام”، لكن هذا قدر الله، لقد أنقذوني بصعوبة، رغم أني كانت في الصفوف الأخيرة، فإن انتشار خبر وفاة بعض النسوة، جعل الازدحام والتدافع كبيرين، وتدخل شباب من المنطقة لإنقاذي وحملوني بعيدا”.
تقول “إيجا”، “لو سيتم توزيع الإعانات اليوم، سأتوجه إلى هناك، لأنه ببساطة ليس لدينا ما نسد به رمقنا”.
انتقلت الأسر إلى الصويرة، وبالضبط بمستودع الأموات، وظلت مرابضة هناك، دون أن تتلقى الخبر اليقين، إلى حدود الساعة الرابعة عصرا، إذ تسربت بعض أسماء الضحايا.

في انتظار الجثث

“واش ما شي حشومة أخويا، وبغينا غير نعرفوا إما واش ماتت ولا حية، مشينا السبيطار، مكاينش معامن تدوي ليسولتيه تيقول الله أعلم… اهنا في مستودع الأموات، مكاين والو”، يقول شاب في عقده الثالث، الذي يقود رفقة شقيقته رحلة البحث عن والدته، التي توجهت إلى مركز سيدي بولعلام ولم تعد.
أسر بعض الضحايا ممن توفوا في الحادث، انتظرت إلى حدود الساعة السادسة ليتم إخبارها بأن إجراءات الدفن لن تتم في اليوم نفسه، وعليه الانتظار إلى الغد، وتكلف ممرض بقسم مستودع الأموات، الذي تكلف بنقل الخبر للأسر عوضا عن مسؤولي وزارة الصحة وعمالة الصويرة “كونوا هانيين، راه الدفن وسيارة الإسعاف والعشا على حساب سيدنا، بلا ما تهزو هم لشي حاجة”.
في تلك اللحظة، أغمي على شابة ابنة إحدى الضحايا، ليتم تقديم الإسعافات الأولية لها، من قبل جموع الحاضرين الذين ساد التضامن بينهم.

الحديدي في ضيافة الدرك

تلقت عناصر المركز الترابي للدرك الملكي بتفتاشت، تعليمات من قبل النيابة العامة، بإيقاف عبد الكبير الحديدي، ليتم ربط الاتصال به هاتفيا، تقول مصادر مطلعة، وتوجه على متن سيارته نحو مركز الدرك الملكي، ليتم إخضاعه لمسطرة البحث التمهيدي، ووضعه رهن الحراسة النظرية بتعليمات من النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بالصويرة.
واستنادا إلى معطيات حصلت عليها “الصباح”، فإن الحديدي أكد للمحققين، أنه اعتاد تنظيم هذا النشاط باسم الجمعية التي يرأسها، إذ تعتبر هذه العملية الخامسة من نوعها، إذ سبق تنظيم عمليات مشابهة، تزامنا مع تخليد ذكرى عيد الاستقلال. وأضافت المصادر، أن الحديدي بدا متشبثا بأحقية جمعيته في تنظيم هذا اللقاء، الذي يتم بعلم جميع السلطات بالمنطقة.وأشار إلى أن ما حصل هو نتيجة تدافع وقع بين مجموعة من النساء اللواتي حضرن إلى المكان، من مناطق مختلفة. وبخصوص الموارد المالية للجمعية ، والتي يتم توظيفها في هذه الأنشطة، فإنها تعود إلى تبرعه بمبلغ من ماله الخاص، فضلا عن دعم من العديد من المحسنين ومن أسماهم ذوي النيات الحسنة. وبخصوص عدم اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لتنظيم المستفيدين، أكد الحديدي أن الحادث وقع قبل انطلاق عملية التوزيع، علما أن منظمين تابعين لجمعيته يقومون بمجرد انطلاق عملية التوزيع بتنظيم المستفيدين. ونفى الحديدي، أن تكون لنشاطه أي خلفية سياسية، أو القيام بأدوار هي من اختصاص الجهات الحكومية، موضحا أن الأمر عمل إحساني صرف.

تهاون السلطة

تؤكد العديد من المصادر، أن ما وقع كان منتظرا، فالحديدي يقوم بحملة دعائية لنشاطه هذا في مختلف ربوع إقليم الصويرة، إذ يقول “الركراكي.ن”، منذ شهر تقريبا، والحديدي يخبر الناس بأنه سيقوم بتوزيع المواد الغذائية، كما جرت العادة على ذلك، كما أن أعوان السلطة المحلية يخبرون المواطنين، ويطالبونهم باصطحاب البطاقة الوطنية، إلى المكان للاستفادة.
وتضيف المصادر أن أعوان السلطة هم الذين يستفيدون في بادئ الأمر، وثم حفظة القرآن الذين يجمعهم الحديدي، ويفرض عليهم استظهار سور عديدة من القرآن الكريم للاستفادة من الإعانة التي يقدمها لهم.
وأشارت مصادر حقوقية، إلى أن الحديدي الذي يتوفر على شبكة علاقات واسعة مع مجموعة من الشخصيات النافذة في عالم السياسة والمال ورجال السلطة بإقليم الصويرة، كان يلقى كل الترحيب من طرف المسؤولين بالإقليم، ولا يرفض له طلب.
لكن مقابل ذلك، لم توفر السلطة المحلية الأعداد الكافية من القوات المساعدة لتنظيم جموع المواطنين، شأنها في ذلك شأن القائد الجهوي للدرك الملكي بالصويرة، الذي توصل بكتاب داخلي سري يفيد قيام عبد الكبير الحديدي، بالنشاط المذكور، والعدد الذي يحتمل أن يستفيد من هذه الإعانة يقارب 3000 ألف شخص.
وتشير المصادر ذاتها، إلى أن عدد الدركيين الذين كانوا يوجدون بالساحة التي كان يفترض أن يتم بها توزيع الإعانات، لم يتعد أربعة دركيين وستة عناصر من القوات المساعدة.
محمد العوال (آسفي)

“بيكوبات” أقلت ضحايا من مدن الجوار

الحديدي… مقرئ في واجهة الإحسان القاتل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض