fbpx
خاص

جناني وبنحالة… هكذا نجونا من الموت

ذاقا في أدغال نيجيريا ويلات الاختطاف واكتشفا خطورة امتلاك الإنسان البدائي للسلاح

أحمد جناني، ضابط ملاحة تجارية مغربي، غادر البلاد في 31 ماي الماضي، سعيا وراء فرصة مهنية أفضل في غرب إفريقيا، لكن مع أول رحلة يقوم بها بسفينة «أويا 1» البنمية، لإيصال شحنات من تجهيزات آبار البترول،
سيقع في قبضة قراصنة نيجيريين، اختطفوه، رفقة أربعة من زملائه، واحتجزوهم في ظروف بدائية، وسط أدغال «دلتا النيجر»، وساوموا حريتهم بـ5 ملايين أورو. هنا يستعيد جناني،
في لقاء حصري مع «الصباح»، تفاصيل عودته من الموت، وخلاصاته الشخصية حول تجربة مريرة وقاسية.

إنجاز: امحمد خيي

الثلاثاء 29 غشت 2017، في العاشرة صباحا، غادر أحمد جناني (50 سنة)، الحمام التقليدي، حيث استفاد من أول “تكميدة”لعظامه بعد عودته من الموت، ثم توجه إلى مقهى بشارع سقراط، ارتشف قهوته الصباحية فقال: “لقد كانت تجربة مريرة وقاسية، غامر أناس بدائيون جدا، بحياتنا وسط أدغال حقيقية، وساوموا في الملايين من العملة الصعبة مقابل أرواحنا، وعلى كل، اكتشفت خطورة توفر إنسان بدائي على كلاشينكوف، وحقيقة نعمة الاستقرار في وطني الذي غادرته غاضبا”.
كان ذلك الخلاصة التي خرج بها ضابط الملاحة التجارية من تجربة 20 يوما قضاها رهينة في غابة طافية على الماء بنيجيريا، رفقة مغربي آخر يدعى عبد القادر بنحالة، وثلاثة ضباط أوطانهم في فرنسا ومالي والسنغال، بعدما اختطافهم من فوق السفينة “أويا1″، التي يشكلون طاقمها، وكانت في رحلة لإيصال طرود كلها تجهيزات خاصة بآبار النفط، لكن داهمها قراصنة نيجيريون، في خليج غينيا الشاسع، في 31 يوليوز الماضي.

اختطاف

الخاطفون طالبوا بخمسة ملايين أورو فدية

يحكي الضابط أحمد جناني، خريج المعهد العالي لدراسات الصيد البحري بالبيضاء، أن رحلته نحو تجربته المريرة، انطلقت في 31 ماي الماضي، اليوم الذي قرر فيه مغادرة عمله في البر مديرا للاستغلال في إدارات شركات ملاحة تجارية بالبيضاء، والعودة إلى ركوب البحر وقيادة السفن، إذ وجد فرصة محفزة مع شركة “أوسيان إكسبريس”الموجود مقرها في الكونغو الديمقراطية، فشد الرحال إليها.
حط الضابط رحاله بمدينة “بوانت نوار”، وبمرور أسابيع، تسلم مهمة القائد الثاني لسفينة “أويا1″، ليبدأ في التناوب على الإبحار بها رفقة ضابط فرنسي، فـ”كانت الرحلة التي انتهت في الأدغال، أول رحلة لي في عملي الجديد، فبعدما انطلقنا من بوانت نوار بالكونغو، فمررنا بدوالا الكامرونية، ثم أبيدجان بكوت ديفوار، وبلدان أخرى، وفي رحلة العودة، كان القدر يخفي لنا ما لم أتوقعه يوما”.
ووقعت الكارثة، “لما كنا في المياه الإقليمية النيجيرية بخليج غينيا الشاسع، وتحديدا قبالة جزيرة بوني، إذ بعدما أنهيت مهمتي الليلية، خلدت للنوم، تاركا القيادة للضابط الفرنسي، وفي التاسعة صباحا، سيأتي عبد القادر بنحالة، الضابط الميكانيكي المغربي، إلى مرقدي مهرولا: سي أحمد، فيق، فيق، هناك قراصنة فوق السفينة. نهضت من مكاني بعينين مغمضتين، توجهت نحو الخارج”.
ويضيف أحمد جناني، بعد لحظة صمت طويلة حدق خلالها في الأرض مطولا، “وجدت رجالا سودا عراة شدادا غلاظا، بعيون حمراء من فرط التخدير، يصوبون أسلحة الكلاشينكوف إلينا، ويرددون في كل حين بالإنجليزية: سأقتلك أيها الأبيض، آي كيل يو وايت مان”، مشيرا إلى أنه يعتقد أن طاقم “أويا1″، أول صيد للقراصنة النجيريين خلال ذلك الأسبوع، إذ يبدأ الموسم عندهم في نهاية يوليوز من كل سنة، بوصفه أول أيام فصل الشتاء عندهم.
واستعمل القراصنة، الذين يبحرون على مراكب تقليدية طولها يقترب من 10 أمتار، مصنوعة من جذوع أشجار ضخمة، سلاليم ذاتية الصنع باستعمال الخشب وقضبان من الألومنيوم للوصول إلى السفينة، التي نهبوا فيها ما هو موجود من مال وتغذية، ثم أخذوا معهم الضابطين المغربيين، ومعهما الفرنسي والسنغالي والمالي، وتركوا الطباخ الكونغولي لمفرده، حتى يقوم بالتبليغ عن عملية القرصنة واختطاف رهائن، بما يمهد للاتصالات والمفاوضات.

في الأدغال

المختطفون أشهروا كلاشنيكوف في وجه جناني

كان عدد القراصنة سبعة عناصر، أربعة منهم صعدوا إلى السفينة، وثلاثة ظلوا فوق مركب العصابة، وبعد اختطاف الضباط الخمسة تحت التهديد بالسلاح الناري وترديد قاموس إنجليزي كله توعد بالقتل والعقاب، من قبيل “سأقتلك.. تحرك تحرك”، كانت الوجهة البرية الأولى، على مركب “البيروغ”الذي يسير بمحرك من نوع “ياماها” قوته 200 حصان، مدرسة مهجورة منذ 2012، وسط غابة تحيط بها المياه من كل جانب.
“حتى تعرف أين كنا ومع من، من اللازم أن أشير إلى أن سكان تلك البؤرة من العالم، يعيشون وسط المياه منذ الصغر في بيئة بدائية جدا، يقضون حاجتهم الطبيعية أمامك دون حرج، ويستغربون سلوكاتنا المحتشمة، ويعتبرون الابتعاد عن الأعين من أجل قضاء الحاجة تكلفا مضحكا، لذلك حينما طلبت اقتيادي إلى مرحاض، ساروا معي إلى الهواء الطلق، وظلوا يصوبون أسلحتهم إلي وأنا أتخلص من فضلاتي”.
وكان القراصنة واضحين منذ الليلة الأولى، إذ أخبروا الرهائن “نعلم جيدا أنكم مجرد مستخدمين، ولستم غايتنا الحقيقية، بل أنتم وسيلة فقط، هدفنا هو الشركات العالمية التي تعملون معها، فهي خربت ثرواتنا، ودمرت ممتلكاتنا، ولوثت مياهنا وبيئتنا، وحينما نحصل منها على الفدية سنطلق سراحكم”، وبعد ذلك، أخذ قائد المجموعة التي تسلمت الرهائن، ورقة وقلما، واستفسر الضباط عن نوعية الوجبات الغذائية التي ألفوها، والحاجيات التي يريدونها، على أساس إحضارها في الغد، أما الليلة، فما عليهم سوى الصبر للجوع.
ويحكي الضابط المغربي، أنه بعد الليلة الأولى، تم نقلهم فجرا، مرة أخرى، من قبل حراسهم، وعلى مركب خشبي مشابه، إلى عمق الأدغال، “إذ تخوفوا من أن تداهم عصابة أخرى المدرسة، وتقوم بسرقتنا منهم، أو تهجم مجموعة من الجيش النيجيري لتحريرنا، فكانت المحطة، بعد ثلاث ساعات، قرية وسط غابة، فيها براريك مهجورة، وهناك، مكنونا من بعض الفواكه، وعلب سردين مغربي مصبر، وعلب من معجنات (آندومي) الصينية، وفرشات لغسل الأسنان”.
وداخل تلك الغابة، ظهر مرة أخرى زعيم القراصنة، فطلب من الرهائن رقم الاتصال بالشركة الكونغولية، وباستعمال هاتف مرتبط مباشرة بـ”الساتليت”، أجرى أول مكالمة، وأخبر مسؤولي الشركة بأن مبلغ الفدية المطلوب هو 5 ملايين أورو، واشترط تسلمها بالعملة الصعبة، ثم وضع شرطا آخر بأن قال “أرفض التفاوض مع أي رجل أسود”، ثم قطع الاتصال، وبعد أن اطلع على وضع رهينتين أخريين، اختطفا من سفينة أخرى، غادر رفقة حراسه.
وداخل الغابة نفسها، قضى الرهائن أسبوعين، ينامون فوق سرير خشبي تقليدي، مع حراسهم البدائيين، وذاقوا مرارة العيش وسط القرود، وعانوا هجومات شديدة لأسراب من الحشرات والناموس المتعطشة للدم، وقلة التغذية والماء الصالح للشرب، حتى أنهم اكتشفوا في النهاية، أنهم فقدوا من الوزن ما بين 10 كيلوغرامات و15 كيلوغراما، أما أخطر المواقف، فهي أن الحراس مبتدئون في استعمال “الكلاشينكوف”ويتعاملون معه كأنه لعبة، ومن فرط افتخارهم بالسلاح إلى درجة التقديس، كثيرا ما اتخذوه وسيلة للمرح، فانطلقت من فوهته رصاصات عشوائية.

انفراج الأزمة

ويبدو أن المفاوضات تواصلت بعيدا عن موقع احتجاز الرهائن، إذ بعد مرور 12 يوما، سيأتي قادة القراصنة، ليبشروا رهائنهم أن موعد إطلاق سراحهم يقترب، إذ انتدبت الشركة مفاوضا نيجيريا متخصصا في تحرير الرهائن، وتتواصل المفاوضات معه حول المبلغ وموقع التسليم، ثم صدرت الأوامر للحراس، بوضع الرهائن في المركب، والبقاء فوق النهر، على أهبة الاستعداد الدائم للتحرك، وتغيير الموقع، حتى لا تداهمهم مجموعة من الجيش النيجيري أو عصابة أخرى.
وخلال فترة العيش فوق المركب أياما، تعاظمت المعاناة، إذ يحكي أحمد جناني، أنه قرر التوقف عن الأكل على سوئه، والاكتفاء بكمية قليلة جدا، “تفاديا مني لموقف محرج، يتمثل في أنه لقضاء الحاجة، عليك القفز والإمساك بغصن شجرة، كالقرد، ثم الشروع في التخلص من فضلاتك في المياه، تحت أنظار الآخرين، وهو ما لا أتقبله تحت سخريتهم واستغرابهم وضحكاتهم من تكلفنا نحن الرجال البيض”.
وبحلول اليوم الثامن عشر منذ الاختطاف، تقدمت المفاوضات أخيرا، وتمكن المفاوض النيجيري والشركة، وتم تحديد موقع التسليم والتبادل، فانطلق بنا الحراس في رحلة لا تنتهي وبدون مسار واضح، في إطار احتياطهم من مغبة تحديد موقع وجودنا من قبل الجيش النيجيري، ورافقوا ذلك بطقوس من السحر والشعوذة السوداء، إلى أن وصلنا ما يشبه نفقا نهريا تحت الأشجار، وقبل تسليمنا، إلى مركب تقليدي، بمثابة سيارة أجرة لديهم، جاء على متنه المفاوض النيجيري وممثلان للشركة، أصر قادة القراصنة الذين كانوا ملثمين على عد المبلغ المالي، رغم أنه كان كبيرا جدا، وتم شحنه في أكياس كبيرة.
“أتذكر أن زميلي الضابط الفرنسي، لم يتردد في القول: انظر يا أحمد، إننا نساوي ثروة حقيقية وضخمة جدا، هل رأيت الملايين داخل الأكياس؟ يا لسخرية القدر!”، وبعد انتهاء عملية التأكد من المبلغ، سلم القراصنة الرهائن إلى الوسيط، إذ قال زعيم القراصنة للرهائن “أعيدوا قراءة قصة كاسبير هيرو”، وهذا الأخير شخصية يقدسها القراصنة كثيرا، إذ يوصف بأنه ملكهم، دون أن يوجد إلى اليوم دليل، يؤكد أنه شخصية حقيقية عاشت قبل قرون.

معانقة الوطن

رحل القراصنة، وانطلق المركب “الطاكسي”بالرهائن ومحررهم في رحلة وسط الأدغال، مدتها أربع ساعات، مر خلالها على عشرات القرى والمداشر في أدغال وغابات “مونكروف”في دلتا النيجر، قبل الوصول إلى مدينة “بور هاركور”، حيث وجدوا في انتظارهم سيارات رباعية الدفع، ورجال أمن خاص، ودوريتين من الجيش النيجيري، “ونقلونا إلى بلدة (فيلاج) حديثة خاصة بشركة “طوطال”، وهناك وجدنا في استقبالنا القنصل العام الفرنسي، ومسؤولي الشركة التي نعمل فيها”.
في “فيلاج طوطال”، شركة النفط الفرنسية، تسلم خمسة أطباء متخصصين الرهائن، وأخضعوهم لفحوصات وتحاليل فورية، ولحسن الحظ، تبين أنهم لم يصابوا بأي أوبئة، لأن الحشرات التي كانت تقتات من دمهم ليل ونهار وسط الأدغال، كانت إناثا، ولأنهم خضعوا حديثا لتلقيح ضد مختلف الأوبئة التي تتربص بزوار إفريقيا، ثم مكنوهم من “الفيتامينات”وبعض الأدوية اللازمة.
ونقل الرهائن بعدها إلى فندق “نوفوتيل”، حيث حصلوا على ملابس جديدة، وأخذوا حماما، لأول مرة بعد 20 يوما في الأدغال، وحصلوا على هواتف للاتصال بأسرهم، كما تلقى المغربيان اتصالا من سفير المغرب بأبوجا، عاصمة نيجيريا، في هاتف القنصل العام الفرنسي، ثم استصدرت لهم تأشيرات للمرور، واستعادوا جوازات سفرهم وبعض حاجياتهم التي كانت في سفينة “أويا1″، فحل موعد العودة إلى المغرب، برحلة مبــاشرة للخطوط الملكية الجوية.
في البيضاء، وجد الضابطان المغربيان في استقبالهما زملاءهما في الملاحة التجارية بالمغرب، فتوجه عبد القادر بنحالة، الضابط الميكانيكي، إلى أحضان أسرته في طنجة، وتوجه أحمد جناني إلى بيته في وسط البيضاء، بعد أن استخلص دروسا وعبرا، أبرزها أن “المغرب بلد متقدم جدا على باقي الدول الإفريقية، التي تعيش، رغم ثرواتها الطبيعية، حروبا أهلية، ويمتلك فيها المدنيون أسلحة ثقيلة، والأخطر أن يتم تسليح شخص بدائي، الحياة والموت سيان بالنسبة إليه، بالكلاشينكوف”.

خليج غينيا… قلعة القراصنة

قراصنة يتصيدون ضحايا

يحكي أحمد جناني، أنه علاوة على انعدام الاستقرار والأمن في نيجيريا، إذ يستحيل على رجل أبيض التجول في مراكزها دون حراسة، صارت القرصنة واختطاف المستخدمين الأجانب، نشاطا عاديا ومألوفا فيها، وتعتبره العصابات انتقاما من الشركات العالمية، التي تستغل ثروات بلدان خليج غينيا، من نفط ومعادن وغاز طبيعي ومخزون سمكي.
وكشف تقرير حول القرصنة والسطو المسلح صادر عن المكتب الدولي للملاحة البحرية، أنه خلال الفترة من 2003 إلى 2011، سجلت السواحل في منطقة خليج غينيا حصة معتبرة من حالات الهجمات المسجلة في إفريقيا على السفن من قبل القراصنة، إذ بلغت 427 حالة قرصنة من أصل 1434 حالة مسجلة في المياه الإفريقية.
وأكد التقرير نفسه أن القراصنة في منطقة خليج غينيا، يتميزون عن نظرائهم في الصومال، بالعنف، إذ يستخدمون أسلحة متطورة مثل “الكلاشينكوف”، ويستعملون في هجماتهم زوارق سريعة لمهاجمة ونهب أطقم السفن والاستيلاء على نقودهم وبضائعهم ذات قيمة عالية، عندما تكون سفنهم في المرسى أو في الميناء أو قريبة من الشواطئ، أما أسوأ الحالات فهي اختطافهم واتخاذهم رهائن.
وأعلنت نيجيريا في 2014، أنها تخسر شهريا 250 مليار ليرة (حوالي مليار ونصف مليار دولار)، بسبب القرصنة والجرائم البحرية، التي يتم معظمها في خليج غينيا، حيث يتم اختطاف السفن والبحارة، وتتم سرقة البترول الخام الأمر الذي يكلف البلاد ملايير الدولارات سنويا، ما استدعى من البحرية النيجيرية الانخراط في اتفاقيات تعاون ومناورات بحرية مع الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوربية من بينها بلجيكا وفرنسا وإسبانيا للقضاء على القرصنة البحرية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق