ملف الصباح

العطب الموروث

حين غادر نظام الحماية الفرنسية المغرب منتصف الخمسينات، كان عدد أطر الإدارة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب المستقل يقدر بحوالي 130.500 إطار من مستوى جامعي. حيث وفرت لأطرها، بما في ذلك الشريحة غير الجامعية، ظروفا خولت لها صلاحيات الهيمنة على الإدارة المغربية.
واتسمت الإدارة المغربية بُعيد الاستقلال بالتعقيد، إذ مزجت بين نظام الإدارة العتيق الذي شكل لعدة قرون الذراع التنظيمي لمؤسسة المخزن وبين البيروقراطية المستمدة من النظام الفرنسي، وقد أفرز هذا الواقع هياكل ومؤسسات يشرف عليها ويديرها مجموعة من كبار الموظفين الحريصين على استمرارها على شكلها السائد، وذلك لارتباطها بمصالحهم الشخصية أو مصالح ذوي النفوذ، وقد وصل بهم الأمر إلى تشكيل لوبيات إدارية تصعب زعزعتها. كما انتشرت ظاهرة الرشوة باعتبارها عملية للاتجار في الخدمة التي يقدمها المرفق العمومي والتي هي في الأصل بدون مقابل، وبالتالي فقد تم المساس بمبدأ المجانية، إلا أن الغريب في الأمر أن هذه الممارسة أصبحت تجد لها قبولا وتبريرات داخل فئات عريضة من المجتمع باعتبارها اقتصادا موازيا يساهم في تسهيل التعامل مع الإدارة وتجاوز رتابة وتعقد مساطرها.
من بين أهم الاعطاب التي ورثتها الإدارة المغربية عن فترة الاستعمار الفرنسي، تبنيها للفلسفة الاستعمارية القائمة على أن المواطن في خدمة الإدارة ، وليس العكس. .المواطن كان على الدوام لا يحضر إلى الإدارة إلا والعصا فوق رأسه ،يأتي إليها ليسأل وليستفسر وغالبا ما ينجم عن هذا كله معاناة سواء جسدية أو نفسية .هذا التمثل ترك أثره غداة الاستقلال في دواليب إدارتنا ، وجعل المواطن لا يلجأ إلى الإدارة إلا مرغما .
وبعد أن حصل المغرب على الاستقلال كان العديد من الموظفين يرون في الإدارة أداة لمراكمة الثروة والانتقال اجتماعيا إلى مستوى الأعيان وذوي الجاه والمال .هذه القناعة جعلت باب الرشوة والمحسوبية يفتح على مصراعيه ،عوض أن تكون الإدارة قبل كل شيئ قاطرة للتنمية والدفع بالبلاد نحو جلب المزيد من الاستثمار من خلال تسهيل المساطر ، وجعل رأس المال الأجنبي يستقر بالبلاد بدل الهرب نحو جيراننا في شمال إفريقيا، لأن هذا الرأسمال لا يجد في هذه البلدان ما يجده في المغرب من عراقيل لا تنتهي .
من بين اعطاب الإدارة والتي ساهمت فيها الحكومات السابقة ، هو اللجوء إلى حل معضلة البطالة، بحشر المئات من حاملي الشهادات في دواليب الإدارة العمومية دون أن تؤهلهم للوظيفة. هذا التوظيف المباشر ترتب عنه ضعف الأداء، أي غياب الكفاءة .ظاهرة التوظيف بدون تكوين كانت ومازلت أكبر عائق أمام تقديم خدمات للمواطن، تعكس قدرة الإدارة على الانخراط في التنمية المستدامة.
عزيز المجدوب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق