خاص

جلوس محمد الخامس … وقوف المقيم العام

الحركة الوطنية لم تجد غير العرش لجمع كلمة المغاربة ضد مخططات الحماية

يقترب عيد العرش من ذكراه الذهبية الثانية، ولا تفصله عن بلوغ النسخة المائة إلا سنوات قليلة، إذ بدأت أولى مظاهر الاحتفال به بداية الثلاثينات من القرن الماضي، تزامنا مع ظهور طلائع المقاومة ضد المستعمر، مجسدة في انبثاق الحركة الوطنية بالتنسيق مع الجالس على العرش، الذي لم يكن حينها إلا الملك الشاب محمد الخامس.

وكان عيد الجلوس على العرش كما سمي في البداية إعلانا بانطلاق فعل سياسي حضري منظم تقوده نخبة سياسية جديدة بدأت تعلن عن نفسها في كبريات المدن، خرج أعضاؤها لتوهم من جلباب سلفية وطنية، متنورة عقلانية، لإطلاق أشكال نضالية سياسية سلمية، لكنها ستأخذ منعطفا حاسما بصدور ميثاق كتلة العمل الوطني سنة 1937، ثم مع توالي سنوات التأهب للمطالبة العلنية بالتحرير والاستقلال، أصبح العيد الوطني الأول فرصة لعودة السيادة المغربية والتعبير عن الحق في الحرية لمناسبة رسمية.

وفي 1952 حلت الذكرى الفضية لعيد العرش (الذكرى 25)، وتحولت الاحتفالات بالعيد إلى مواجهات مفتوحة قوية مع المستعمر، وبلغت مطالب التحرر ذروتها، واشتعل فتيل المقاومة من البيضاء، التي تجرأ المحتفلون بها على  رفع رايات شعوب المغرب العربي ومصر، وتم إحضار وفد صحفي من أمريكا اللاتينية بشكل سري لتسجيل مدى صلابة الموقف الشعبي المغربي المطالب بالاستقلال. 

والدليل على أن عيد العرش خرج من رحم المقاومة، أن الشهيد محمد الزرقطوني، مهندس الحفل المذكور، سيختفي عن الأنظار مباشرة بعد الذكرى الفضية إلى أن استشهد إثر اعتقاله من قبل سلطات الاحتلال في 18 يونيو 1954. 

لكن البيضاء لم تحتكر شرف احتضان ميلاد عيد العرش، على اعتبار أن الحركة الوطنية حرصت على تخليد سنواته الأولى بتطوان، للدلالة على رمزيتها الخاصة، وفي إشارة إلى أن المغرب واحد سواء في الشق الذي تحتله فرنسا أو في الشق الذي يوجد تحت السلطات الإسبانية، التي لم تتردد بدورها في قمع المحتفلين، لكنها لم تنجح في تجريد المناسبة من قوتها إذ كانت فرصة لتعزيز اصطفاف العرش مع الشعب في ما أصبح يحمل صفة «ثورة الملك والشعب». 

وحمل انبثاق عيد العرش من المدن وليس البوادي بوادر تحول في الوعي السياسي للمغاربة، وبروز حركة حضرية ستؤسس، في ما بعد  للفكرة الوطنية عند المغاربة، قبل أن يكون إعلانا بميلاد شكل جديد في معنى الدولة لدى النخبة، إذ لم ينتظر المغاربة زمن الاستقلال للعمل من أجل بداية التفكير في تأسيس دولة تتميز بوحدتها الجغرافية والسياسية من خلال السيادة التي يرمز إليها الجالس على العرش.

وتجمع مذكرات رجال الحركة الوطنية، في مقدمتهم عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول الأسبق للاتحاد الاشتراكي، أن الاحتفال العلني بعيد العرش قرار سياسي  جاء ردا على مخططات استعمارية فرنسية بالأساس، كانت تهدف إلى تقويض وجود معالم الدولة بالمغرب، وذلك بمحاولة فرض قوانين تنظيمية، تلحق المغربي بالفضاء السيادي الفرنسي، تماما مثلما كان عليه الحال بالجزائر.

وفي ذلك السياق ستصدر فرنسا، في 16 ماي 1930، الظهير المنظم لسير العدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية، أو كما سمته الحركة الوطنية «الظهير البربري»، على اعتبار أنه كان يهدف إلى جعل التقاضي مقسما إلى إطار قضائي عدلي مخزني في كبريات المدن وفي السهول، وإطار قضائي للعرف مستقل في المناطق الأمازيغية.

لكن الحركة الوطنية فطنت إلى أن الظهير البربري ليس إلا محاولة لترسيخ الفرقة بين أبناء البلد الواحد، من خلال ترسيم فعلي لما يعرف ببلاد السيبة وبلاد المخزن، وأن الغاية الحقيقية هي إشعال فتيل حرب أهلية في المغرب. بل هناك من ذهب إلى أن الهدف الأول هو «تنصير» جزء من المغاربة في أفق استيطاني فرنسي. 

وردت الحركة الوطنية على فكرة التقسيم بتخليد مناسبة تجمع المغاربة تحت رمز مشترك، فلم تجد غير الجلوس على العرش، وهو ما تحقق لها بعدما  توحدوا في رفض شعبي جارف للظهير المذكور، وبذلك ظهرت «الوطنية» في أوساط المجتمع وكان العيد مناسبة بداية تبلور مشروع سياسي وطني للحركة تقوده نخب شابة في البيضاء وفاس ومراكش والرباط وتطوان وطنجة ووجدة وغيرها.

ياسين قُطيب

بوكس1

ردا على الظهير البربري

ظهرت فكرة عيد العرش أشهرا قليلة على صدور الظهير البربري في نهاية 1932 وبداية 1933، ولضرب مخططات الحماية التي راهنت على تبني سياسة فرق تسد، لكن الحركة الوطنية أصرت على ترسيخ الوحدة الوطنية والحفاظ على نظام الحكم، أي الملكية لمنع دمج المغاربة في المنظومة الاستعمارية الفرنسية، كما وقع في الجزائر، وذلك بالخلفية التي تحددت ملامحها في مشروع فرنسي يهدف ضم كل الشمال الإفريقي الغربي، من بحيرة النيجر حتى نهر السينغال ومن السودان الغربية، أي مالي الحالية، حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

بوكس2

توقيع هنري بونصو

تقدمت لجنة وطنية، تضم أقطاب السلفية المتنورة، وفريق من الشباب الجدد الفاعلين سياسيا ووطنيا، بطلب رسمي، قدمه المؤرخ والفقيه عبد الرحمان بن محمد بن زيدان، إلى سلطات الحماية لإقرار عيد الجلوس (عيد العرش) عيدا قوميا وطنيا للمغاربة. 

وتمت الاستجابة للطلب يوم 31 أكتوبر 1934، بتوقيع مشترك لهنري بونصو، المقيم العام الفرنسي، ومحمد المقري، الصدر الأعظم للحكومة الشريفية، وصدر القرار رسميا في الجريدة الرسمية يوم 2 نونبر 1934، وحدد فيه أن يوم إحياء عيد العرش من قبل المغاربة، هو يوم 18 نونبر من كل عام، أي اليوم الذي اعتلى فيه محمد الخامس العرش بعد وفاة والده مولاي يوسف سنة 1927.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق