fbpx
خاص

محمد السادس تجاوز صخب الماضي

شراك عالم الاجتماع قال إن التعاقد القائم بين الملك والشعب أعمق من حفل الولاء

أكد أحمد شراك، كاتب وعالم اجتماع، أن تراجع طقوس عيد العرش في عهد محمد السادس يمثل جرعة جديدة في تطور النظام السياسي المغربي، خاصة على مستوى الاحتفالات والبهرجة، والصخب الإعلامي الذي كان يميز عهد الحسن الثاني، والذي كان الهدف منه ترسيخ الملكية في الأذهان عبر هذه الوسائل من التعبير. وأوضح أستاذ علم الاجتماع بجامعة سيدي محمد بنعبد الله بفاس أن الملك محمد السادس أبان عن استعداد للمزيد
من التطور والمزيد من الديمقراطية، بعيدا عما شهده عهد والده من استبداد وبطش بمعارضيه، فضلا عن أنه تجاوز كل ما يسميه الكاتب واتر بوري بالتملق. في ما يلي نص الحوار:

< ما هي ملامح تطور احتفالات عيد العرش بين الملوك الثلاثة منذ الاستقلال إلى اليوم؟
< لا شك أن هناك بعض الملامح للتطور سواء بين الملك محمد الخامس أو الحسن الثاني أو الملك محمد السادس، فالأول كانت الاحتفالات على عهده بإيعاز وتشجيع من الحركة الوطنية، على اعتبار أنه كان يعتبر رائد الاستقلال، بتوافق تام مع الحركة الوطنية التي لعبت دورا إستراتيجيا في التحالف مع الملك، في معركة استقلال الوطن، ومن ثم لم تكن ملامح الاحتفال مبالغا فيها، بطريقة معينة.
أما في عهد الحسن الثاني، فلا شك أن التوترات التي كانت بين الحركة الوطنية والقوى الديمقراطية في مرحلة من مراحل تربع المرحوم الحسن الثاني على العرش، أدت إلى نوع من، لا أقول التطرف، بل المبالغة في الاحتفالات، ولهذا كان الشعب يحتفل في 3 مارس، وكانت كل المؤسسات قبل هذا الموعد تحضر لبرامج للغناء والموسيقى، وأيضا كانت ترافق تلك الاحتفالات موجة واسعة من أغاني المدح والتهليل، إلى حد اختزال تطور المغرب وكل ما وصل إليه من إنجازات في شخص الملك، وكنا نسمع الرياضي الأول والفنان الأول وغيرهما من الألقاب.
< كيف كان رد فعل المغاربة على هذه الظاهرة؟
< هذا الأمر كان يثير نوعا من النقد والسؤال لدى فئات عريضة من المجتمع، خاصة في بداية عهد الحسن الثاني، أما في نهاية ولايته، فوقع توافق وإجماع، بل واقتناع المغاربة بالملكية نظاما سياسيا، حيث تجاوزت المعارضة ذلك الصخب الذي كان معروفا في السبعينات بتلك الانقلابات التي عرفتها مصر وليبيا، تحت مسمى الثورات، إذ كان ينظر إلى الملكية باعتبارها نظاما رجعيا، في مقابل الجمهورية باعتبارها تندرج ضمن الأنظمة التقدمية.
وقد جرى تجاوز هذه الثنائية مع شبه مصالحة داخل المجتمع، أدت إلى إجماع حول الملكية، توج بتشكيل حكومة التناوب التوافقي برئاسة المجاهد عبد الرحمن اليوسفي.

< لكن هذه المظاهر تراجعت مع عهد محمد السادس، ما هي في نظرك أسباب هذا التراجع؟
< في عهد محمد السادس، بدأ الابتعاد عن ذلك الصخب في المدح والغناء والتكسب، وبدا عيد العرش احتفالا عاديا دون الحاجة إلى كل تلك المظاهر من التعبئة وإقامة الاحتفالات لأيام في كل المؤسسات، كما كان على عهد الحسن الثاني، وأصبح الاحتفال يأخذ صيغة غير مباشرة من خلال إقامة مهرجانات في الأقاليم والمدن، وكأن المغرب في شبه احتفال، وهو أمر مشروع، إذ لم يعد الأمر يتخذ صبغة المباشرة والمدح التي تجاوزها الملك محمد السادس، وهي نقلة نوعية في المسار الاحتفالي بعيد العرش، مقارنة مع عهد والده.

< هل يمكن القول إن الاحتفالات تعكس مزاج كل ملك، أم أن لها بنية مؤسسية ثابتة؟
< في الحقيقة، الأمر يتعلق بطقوس وبنية ثابتة، لكن تتغير حسب أمزجة الملوك الثلاثة، فالمرحوم محمد الخامس كان له مزاج يقترب من نوع من النزاهة الفكرية والترفع عن التمدحات، إذ كان يعتبر نفسه محررا ومناضلا إلى جانب الحركة الوطنية من أجل الاستقلال ومواجهة الاستعمار. أما الحسن الثاني، فكان له أسلوب مغاير فيه مبالغة، لأن المرحلة كانت تعرف صراعا قويا حول السلطة كاد يعصف بعرشه في انقلابين عسكريين كبيرين.
وقد شاءت الأقدار أن ينتهيا بالفشل، لأنه لو نجحا، لشهد المشهد السياسي مسارا آخر شبيها بالمسارين الليبي والسوري أو المصري في أحسن الأحوال. وكان المغرب سينتقل إلى نظام الحزب الوحيد أو ما أسميه "الدكتاتورية المغلقة"، على عكس الدكتاتوريات الناعمة والمعتدلة والليبرالية.
< ماهي الظروف التي ساعدت على تجاوز المخلفات التي ورثها العهد الجديد؟
< أعتقد أن محمد السادس جاء في ظرفية مغايرة تماما في إطار توافق مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي، كما أن انتقال العرش بعد وفاة الحسن الثاني، كان سلسا وبدون مشاكل، ولذلك لم يكن العهد الجديد متهيبا من الظروف الموضوعية والسياسية التي انتقل فيها العرش.
وقد أبان الرجل عن استعداده للمزيد من التطور والمزيد من الديمقراطية والانفتاح على مكونات المشهد السياسي بعيدا عن ما شهده عهد والده من استبداد وبطش بمعارضيه، بل كان عهدا متفائلا، وقوبل بارتياح كبير، مع فتح ملف سنوات الرصاص، فضلا عن أنه تجاوز كل ما يسميه الكاتب واتر بوري بالتملق وخطابه الذي اعتمدته الكثير من الأنظمة، فقد كان محمد السادس أكثر قربا من الفئات الشعبية، إلى درجة لقب بملك الفقراء.

< شهدت طقوس الاحتفال بعيد العرش تطورا خلال حكم الملوك الثلاثة. كيف تقيم وضع هذه الاحتفالات اليوم مع محمد السادس؟
< أعتبر أن طقوس اليوم تمثل جرعة جديدة في تطور النظام السياسي المغربي، خاصة على مستوى الاحتفالات والبهرجة، والصخب الإعلامي الذي كان يميز عهد الحسن الثاني، والذي كان الهدف منه ترسيخ الملكية في الأذهان عبر هذه الوسائل من التعبير.
وقد لاحظنا كيف تجاوز عهد محمد السادس العديد من هذه الطقوس، وهو ما يعكس تقدما ولا أقول أكثر حداثية ولا أكثر عصرية من عهد الحسن الثاني، لأن عهد محمد السادس تميز بمناخ سياسي جديد يقوم على الإجماع والتوافق، بل حتى "البراديغم" السياسي القائم على اعتبار "الملكية رجعية والجمهورية تقدمية" أصبح متجاوزا، ليصبح النظر اليوم إلى جوهر النظام السياسي وما يقدمه من برامج، بعيدا عن شكل النظام هل هو جمهوري أو ملكي.
وحتى الأوضاع في العالم وفي المنطقة العربية تغيرت، ولم تعد تلك الثنائيات القطبية قائمة، إذ أصبح المطلوب لدى المجتمع هو تعميق الدرس الديمقراطي، من حيث رفع اليد عن صناديق الاقتراع، والمزيد من الشفافية، والمزيد من الالتفاف حول الخيار الحداثي، وحول التقدم المنشود والمرغوب فيه من قبل المغاربة جميعا.
تعاقد تاريخي

< ارتبط تخليد عيد العرش بحفل البيعة. كيف تقرأ استمرار ممارسة هذا الطقس في أكثر تجلياته التقليدية، ضمن بنية نظام سياسي حديث يقوم على التعاقد والمؤسسات الدستورية؟
< هناك بنية ثابتة وأشخاص متغايرون ومختلفون في التعاطي مع طقوس وتقاليد سواء في البروتوكول أو في نظام الاحتفالات. وللأسف الشديد، رغم الإنجازات التي قام به العهد الجديد وملامح التطور الملحوظ في هذا الصدد خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه مازال متشبثا بحفل الولاء، ربما ينبغي تجاوز هذا المفهوم، لأنه يعني أن هناك من يوالي، وهناك المولى، وهذه العلاقة فيها التباس كبير حان الوقت لتجاوزه، لأن هناك تعاقدا بين الملك والشعب، وهو تعاقد تاريخي، ولسنا في حاجة إلى هذا الحفل السنوي الذي يسمى حفل الولاء، أو على الأقل التخفيف من مظاهره، وتشذيبه من كل ما هو عتيق وتقليداني، من قبيل الانحناء وتقبيل الأيدي، فهذه بروتوكولات قد لا تخلو من رياء أكثر منه ولاء، وينبغي تجاوزها، تعبيرا عن ملمح حداثي للملكية المغربية، لأنها تسير في هذا الاتجاه. ونتمنى أن تتجاوز القوى المحافظة هذه الطقوس العتيقة، التي تعتبرها شرطا من شروط العزة والطاعة والهيبة وغيرها.
فهناك تعاقد مع الملك، والملك هو الساهر على أمن البلاد وسير المؤسسات، والمغرب يسير في إطار هذا الخيار، من أجل بناء دولة المؤسسات واستقلاليتها، ودورها كل في مجال اختصاصه، بعيدا عن سلطة الاحتكار والجمع بصيغة المفرد. وأعتقد أنه آن الأوان لتجاوز هذه المظاهر التقليدية، ولنا ثقة في المستقبل.
في سطور
– من مواليد 26 دجنبر 1954 بوجدة .
– حصل على الإجازة في علم الاجتماع من كلية الآداب والعلوم الانسانية ظهر المهراز – فاس في 1979.
– شهادة استكمال الدروس في علم الاجتماع في 1990.
– له أطروحة دكتوراه حول الخطاب الخربشي – تخصص سوسيولوجيا.
– تتوزع مجالات كتاباته بين الكتابة السوسيولوجية (سوسيولوجيا الخطاب، المسألة الثقافية، المسألة النسائية، الهامش والمسكوت عنه، البيبليوغرافيا) والكتابة النقدية (حول الشعر، والرواية).
– عضو المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب .
– عضو بمركز الدراسات والأبحاث النفسية والاجتماعية بكلية الآداب بفاس
– صدرت له العديد من الكتب (الخطاب النسائي في المغرب (نموذج فاطمة المرنيسي) السوسيولوجيا المغربية: بيبليوغرافيا، بالاشتراك مع عبد الفتاح الزين،
– الثقافة والسياسة – مسالك القراءة (مدخل إلى سوسيولوجيا الكتابة والنشر.

أجرى الحوار: برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى