شروط وإملاءات ومعايير الحداثة تكسر حواجز السن والجنس قوية الشخصية والبنية قدر المستطاع، تميل إلى السيطرة، لا مكان للعاطفة في حياتها العملية، لا ترفع الراية البيضاء حين يتعلق الأمر بحق من حقوقها، المعنى التقليدي للأنوثة تتجاوزه، لتعطيه طباعا عصريا، لا يعترف بمعايير الجمال البالية. هي خلاصة أجوبة عن سؤال "ماذا يعني أن تكوني امرأة في القرن الواحد والعشرين؟"، القرن الذي فرض على المرأة مجموعة من التغييرات الجذرية، بل كان حاسما في اختيار النوع الذي ستكونه هذه المرأة شاءت أم أبت. "وتيرة التغيير سريعة جدا، بل في الثمانينات كانت أقل سرعة مما عليه الآن"، تقول سعاد، حقوقية، قبل أن تضيف أن التغيير شمل حتى نظرة الحقوقيات إلى المرأة، "ليس على المرأة لتثبت نفسها وقوة شخصيتها ومساواتها بالرجل أن تتنكر لأنوثتها، بل بالعكس، لكن للأسف هناك من كن يعتقدن ذلك فيحاولن إخفاء كل ما يترجم أنوثتهن للقول ضمنيا إنهن بمثابة الند للرجل في رجولته وقوته، وهذا برأيي خطأ كبير".التصحيح لم يأت من رغبة النساء المسترجلات أنفسهن، بل من صالونات أرقى دور الموضة والأزياء التي اختارت أو أعادت المرأة قصرا إلى أنوثتها، "كل الأزياء الآن تسمح بإبراز الأنوثة، حتى ما كانت تغطيته تعتبر واجبا، ليس من الناحية الدينية فحسب، بل أيضا من حيث التقاليد والعادات التي تسطير على المجتمع"، تسجل نزهة، وهي تعرض قميصها، وبالضبط حيث تبرز فتحة الصدر، "هل كان ممكنا ارتداء قميص من هذا النوع قبل بضع سنوات؟ طبعا لا، اللهم إلا في بعض الأوساط الثرية على وجه الخصوص، والتي تسافر مرارا إلى الخارج، أما اليوم فأصبحت كل الشرائح الاجتماعية تتقبل مثل هذا القميص وتعتبره محترما رغم أنه يبرز جزءا من الصدر ولا تنظر إلى الفتاة التي ترتديه نظرة دونية، بل تعتبره حقها المشروع". هي الموضة إذن ما يفرض التحولات المجتمعية ويحفر القبور العميقة لعادات تندثر يوما بعد آخر لتحل محلها شروط ومعايير العصر. "أكثر من ذلك، لم يكن ممكنا ارتداء سروال جينز يبرز عند الجلوس جزءا من ملابسها الداخلية، بل فرضت الموضة هذا النوع من السراويل على الجميع، حتى اللواتي لا يفضلن ارتداء هذا النوع، لا يعثرن في الأسواق على سراويل جينز من النوع القديم، كلها "طاي باص"، وما على الفتاة التي ترتديه إذا لم تحبذ ظهور ملابسها الداخلية إلا ارتداء قميص طويل، لكن مع مرور الأيام حتى اللواتي كن يرتدين القمصان الطويلة تخلين عنها، واقتنين ملابس داخلية من النوع الذي يظهر جزء منه ومصمم لهذا الغرض بالذات" تضيف نزهة وهي تبتسم. فيما تعود رفيقتها سعاد لتقول "الاتجاه العام اليوم في الموضة لا يفرق بين الرجل والمرأة، بل الأكثر من ذلك لا يعترف بفارق السن، إذا رأيت بعض الأفلام ستجدين أن المرأة الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية أو غيرهن، يرتدين ملابس ترتديها فتيات في سن السادسة عشرة، وهذا بدأ يظهر أيضا حتى في بلادنا، حملته إلينا تيارات العولمة، وإن كان لا يظهر إلا في بعض الأوساط، لكن مع مرور الأيام لن يصبح هناك فرق بين ما يقع هناك وما يجري هنا، الموضة هي المسيطر وهي التي تمتلك كل المفاتيح، أما العادات التي تضع لكل سن محددات فإنها ستتلاشى، وشخصيا أحب أن أرتدي ملابس تظهرني بسن أقل على ارتداء أخرى تضيف إلى عمري سنوات"، تضحك.حطمت الموضة، إذن، فارق السن بين الجنس الواحد، فغدت المرأة في الأربعين مثل الفتاة في سن الثامنة عشرة، وكسرت الفوارق بين الجنسين فاصطف الفتيان والفتيات أمام النوادي والمقاهي الراقية بملابس لا تفرق بينهم لا من حيث اللون ولا الشكل، وحين تكون متأكدا أنك بصدد مصافحة فتاة تكتشف أنه شاب يضع حلقا في أذنه ويمشط شعره بلمسة مغرقة في الأنوثة، وملابس لا تقل أنوثة عن تلك التي ترتديه صديقتها، فيما تقف فتاة وقد أخفت شعرها ب"كابشون" رمادي، فيما علقت في عنقها سلسلة يتوسطها "دراكولا" وكأنها تقول "أنا فتاة القرن العشرين". لم تركز الموضة على إحداث تغيير في الشكل فحسب، بل في العقلية، لذلك قد يخطئ من يقول إن الموضة حولت المرأة من فاعل إلى جنس هامشي، أو مستهلك، وهذا ما تحدثت عنه خولة، مناضلة وحقوقية، انطلاقا من تجربتها مع ابنتيها، "اللباس كان من الثوابت بالنسبة إلي، وكنت أنظر إلى كل جديد من باب أنه تسويق لا أقل ولا أكثر، لكن لاحظت، وأنا التي لا أكبر ابنتي البكر إلا ب16 سنة، أن نوعية لباسها وشقيقتها تتحكم حتى في عقليتهما، وتعطيهما ثقة في النفس، بل تجعلهما تتساءلان عن ماهية الحداثة، هل لها علاقة باللباس نوعيته أو شكله أو رسائله أيضا، أم أنه فقط رسالة مزيفة من الحداثة المادية، وهذا نقاش طبعا بدأناه من نوعية لباس اقتنتاه، وطبعا حثهما على طرح مجموعة من الأسئلة". تعرض خولة صورها وهي في سن العشرين، "أبدو تقليدية فيها، ليس لأنها موضة متجاوزة، بل لأن هذه النوعية كانت تأخذ السن بعين الاعتبار، والفتاة في العشرين آنذاك ليست هي اليوم، هناك فرق كبير". مريم ليست على هذا الجانب أبدا، لأنها لا تتفق على أن الموضة تدخلت بشكل كبير في تشكيل عقلية امرأة القرن الواحد والعشرين، بل بالعكس حولتها إلى عارضة في الهواء الطلق، "إذا كانت النسويات ناهضن مسابقات ملكات الجمال بل رفضن حتى مهنة مضيفات الاستقبال التي تركز على الجسد فحسب، فإن هذه المعايير أصبحت مطلوبة بحكم الموضة، في كل الفتيات، وليست هناك امرأة جميلة إلا إذا كانت مشيأة، بل شغلت الموضة فتيات اليوم عن القضايا الأساسية للمرأة، واعتقدن أنه بمجرد ارتداء ملابس عارية بكل حرية فإنهن ربحن معركة المساواة، وهذا غير صحيح، بل هي مساواة مزيفة". ضحى زين الدين