fbpx
بانوراما

الفقـه المعاصـر غيـر معتـرف بـه

المعاصرون المشتغلون بمجالات الفقه لا يحظون بصفة «مجتهد»
نقد الفكر الفقهي
يعتبر أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية والفقيه القانوني، من بين المفكرين الذين جمعوا ما بين نظريات القانون الوضعي ومبادئه وأصول الفقه الشرعي، له سلسلة من وجهات النظر التي تناول فيها عددا من القضايا المعاصرة المطروحة على الفكر الفقهي. ويطرح المفكر المخضرم العديد من الأسئلة، المحرجة في بعض الأحيان، حول أسباب جمود الفقهي وتعليق الاجتهاد، ويتساءل في بعض وجهات نظره لماذا يشتغل الآلاف بدراسة أصول الفقه ولا ينتجون فقها، ولماذا لا يهتم دارسو الفقه الإسلامي والباحثون فيه بوقائع الحياة كما يعيشها الناس ويساهمون في تحليل عناصرها واقتراح الحلول الملائمة لها؟ تحاول “الصباح” في حوار مع المفكر أحمد الخمليشي، سينشر عبر حلقات، تقديم أهم ما جاء في نقده للفكر الفقهي.
أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي
10

< من خلال ما سبق يتضح أن هناك فقها معاصرا لكن غير معترف به، أليس كذلك؟
< في موروثنا لا يطلق "الفقه" إلا على الآراء الصادرة عن المجتهد، التي توصف في الوقت نفسه بـ"الأحكام الشرعية" الواجب على الأمة الامتثال لها. والمعاصرون المشتغلون بمجالات الفقه غير معترف لأي واحد منهم بصفة "مجتهد"، لذلك إذا أردنا أن نتحدث عن الفقه المعاصر يتعين أن نراجع مفهومنا للفقه بأن نقصد معناه اللغوي وهو الفهم مع قصر هذا الفهم على نصوص الشريعة مع التمييز بين فهم الأفراد لتلك النصوص وبين تقرير الأحكام التي تلزم المجتمع، إذ أن فهم النصوص يمكن أن يقوم به أي أحد، كل من آنس في نفسه القدرة على هذا التفسير يمكنه القيام بذلك. صحيح أنه قد يتقدم من لا تتوفر فيه الأهلية، لكن ذلك سيظهر جليا في آرائه. والواقع يفرض ذلك فلا وسيلة ممكنة يصنف بها الأشخاص فنقول هذا مجتهد والآخر غير مجتهد، كما لا يملك أي أحد السلطة ليمنع شخصا ما من إبداء رأيه في فهم آية من الآيات أو حديث من الأحاديث.

< ما العمل لتدارك ما نحن عليه؟
< وإذا أردنا أن نتدارك ما نحن عليه الآن، فيجب أن نأخذ الفقه بمفهومه اللغوي الأصلي، أي الفهم الشخصي والفردي لنصوص الشريعة، وأفهام الأفراد تختلف، وهذا أمر طبيعي وخلق الله الإنسان ليختلف، إنما تلي ذلك مرحلة ثانية تهم التقرير والإلزام، والأحكام التقريرية يملكها المجتمع وليس أي أحد بمفرده، والآية القرآنية تقول "وأمرهم شورى بينهم"، أي للذين يتأتى لهم هذا التشاور، بمعنى أن الأمر مرتبط بالمجتمع السياسي، لأنه هو الذي يملك فرض قواعد السلوك على مواطنيه. فالأفكار يمكن أن تكون عامة، أي أن كل فرد آنس في نفسه القدرة على الفهم فليقل ما شاء، ويمكن أن يكون رأيه سليما أو غير ذلك، ولكن يتعين، إذا أردنا أن نخرج من المأزق الذي نحن فيه، أن نميز بين الفقه بمعنى الفهم الفردي وبين التقرير والإلزام الذي تلزمه الجماعة عن طريق المؤسسات الدستورية التي انتشرت اليوم، وما تقرره هذه المؤسسات يجب أن يذعن له الجميع.

< كيف السبيل للتمييز بين آراء الأفراد وما تقرره المؤسسات؟
< هذا ما نفتقده، حاليا، وهو ما ندعو إليه، ولن يتأتى ذلك إلا بأن نترك الأفكار الفردية كما هي وكل الناس يمكنهم أن يدلوا بآرائهم وأكيد أن يكون ضمنها الشاذ وغير المقبول، وهو أمر طبيعي ولا يمكن أن نضع لائحة تحدد الأشخاص الذين يحق لهم التحدث في الدين والآخرين الذين يحجر عليهم ويمنعون من التعبير عن آرائهم، كما يجب ألا نعتبر الذي يقدم الخطاب الديني مبلغا ما عدا في حالة الاستناد إلى نص قطعي الثبوت والدلالة وهو أمر محدود إن لم يكن نادرا في مجالات المعاملات، بل مجرد شخص يعبر عن رأيه الشخصي أو رأي اجتهادي نقله. كل هذا يدفعنا إلى مراجعة ثقافتنا حول مفهوم الاجتهاد والفقه وإبداء الرأي والتقرير الملزم للجماعة، وإلا فسنظل نتخبط في هذه المسيرة المغتربة التي غرقنا فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى