fbpx
بانوراما

المسيرة الخضراء… بداية الحكاية

الهيني… رفعت الجلسة

ولد محمد في 1975 وتلقى تربية تقليدية عنوانها «القناعة كنز لا يفنى»

يقال إن عمر الإنسان لا يقاس بعدد السنين التي مضت منه بقدر ما يقاس، بما عاشه من تجارب، وما سطر في حياته من مراحل بعضها مضيء والآخر مظلم. بين الأمل والرغبة في التحدي، عاش محمد الهيني، القاضي السابق، تجارب مثيرة بصمت حياته، بدءا من الطفولة والبعد عن حضن الأم، والاستقرار بدار للأيتام، ثم العودة إلى حضن الأسرة ومواصلة المسيرة الدراسية التي توجت باعتلاء مقعد القاضي المدافع عن الحقوق والحريات، لكن القدر شاء مرة أخرى أن يخطف منه تلك الفرحة. هي قصة كفاح يحكيها محمد الهيني، كفاح من أجل البقاء في مجتمع لا يؤمن إلا بلغة القوي، تماما مثل قانون الغاب.

الحلقة الأؤلى

شاءت إرادة الله أن يولد ذلك الطفل من رحم أم ككل الأمهات اللائي يضعن آمالا عريضة على فلذات أكبادهن، عل وعسى ينصفهن التاريخ يوما.
أم محمد، كما كانت تحب أن تلقب به، هي من بنات الأحياء الشعبية حيث تؤثث قيم «تامغربيت» كل الزوايا والأركان، والحشمة والوقار اللذان ميزا المرأة المغربية، أما الأب فكان بدوره من الأبناء البررة للتربة المغربية المعطاء، تلقى تربية تقليدية عنوانها العريض «القناعة والرضى بالقليل، لأن القناعة كنز لا يفنى».
في 1975، حلت فرحة كبيرة بيت الأسرة بازدياد ابن ثان لها اختير له من الأسماء “سي محمد”، الذي أراد له الأب اسما يذكره باسم خير البرية.
لم يكن استقبال “سي محمد” عاديا، وإن كان الابن الثاني للأسرة فإن الزغاريد ملأت أجواء البيت المتواضع، الزغرودة هنا تحمل ألف دلالة ومعنى، الانتصار لذكر يراد له أن يكون رجلا لإنصاف آمال الأسرة التي تتوخى النصر على تقلبات الدنيا، وكما يقال للقدر كلمته، ففي العام الذي رأى فيه سي محمد، النور سيشهد المغرب حدثا تاريخيا عظيما، إنه إبداع المغفور له الحسن الثاني الذي وضع قواعد أهم حدث سلمي في تاريخ المغرب الحديث والمعاصر. لم يتردد الأب هنيهة، بالأحرى لقد ملأ اليقين قلبه بضرورة الانخراط في نداء قائد الأمة.
كان الحديث المؤثث لنقاشات الأسرة، وسي محمد رضيع لا يعلم شيئا عما يدور حوله، هو مشاركة الأب في المسيرة الخضراء، لم تتردد أم محمد في تحفيز بعلها للمشاركة تلبية لنداء الوطن، كحال كل المغاربة الذين يعشقون الوطن عشقا مقدسا، ولا يتوانون في الدفاع عن وحدته، ولعل اللحظة التي اختصرت فيها أسرة سي محمد الزمن في رمشة عين، هي لحظة خروج الأب من باب البيت مودعا الوالدة قائلا: «تهلاي ف الدراري.. مرحبا بنداء سيدنا».
اغرورقت عينا أم سي محمد بالدموع فأجابت بدفئ وقالت: « الله معك «. هكذا يكون المغاربة في اللحظات الحرجة من أجل الوطن، كان الوالد لا يخشى خطرا وليس لديه وجل. إن مشاركة كهذه في حدث المسيرة الحسنية الخضراء ستكون لها بعض التأثيرات على البناء النفسي للطفل سي محمد الذي رضع لبنا سائغا من الوطنية منذ نعومة أظافره. مرت أيام وشهور والأب يواصل مشوار الوطن، بعيدا عن فلذات كبده وهو في ربوع الوطن الغالي حيث رمال الصحراء المغربية تستقبل خطى المشاركين في الحدث العظيم.
في تلك الفترة وبالموازاة مع وجود الأب في الصحراء، كانت الأم تعمل ليل نهار لأجل الحفاظ على المسؤولية التي طوقها بها زوجها، تحملت كل المسؤوليات بلا كلل، وكانت دائمة الابتسامة في عز الأزمات التي يمكن أن تتعرض لها أسرة بسيطة، وفي كل مرة كانت تشعر بالتعب كانت تستحضر في مخيلتها لحظة وداع زوجها والوعد الذي قطعته على نفسها من أجل حماية الأسرة إلى حين عودته.
كريمة
مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى