fbpx
حوار

الناصري: لم نخفق ونحاول تنزيل إصلاح القضاء تدريجيا

وزير العدل قال في حوار مع “الصباح” إن وزارته تجاوزت 30 مشروع قانون ولا يمكن لأي قاض التخفي بعد اليوم

فضل محمد الطيب الناصري وزير العدل أن لا يكون اللقاء الإعلامي الذي جمعه ب”الصباح” الاثنين الماضي ، ثنائيا، بل ارتأى أن يشرك فيه أطر مختلف مديريات الوزارة، إذ كان في بعض الأحيان يبدأ الإجابة على أسئلة “الصباح” ممهدا الطريق لمدير المديرية المعنية لإتمام باقي الشروحات. وشدد وزير العدل على أن ما تحقق من إنجازات خلال سنة ونصف الماضية هو نتاج عمل

مشترك. تطرق الناصري إلى مختلف المواضيع ذات الارتباط  بإصلاح القضاء وما قطعته الوزارة
من أشواط في سبيل تحقيق محاوره الستة التي أعلنها جلالة الملك في خطاب 20 غشت. إضافة إلى مواضيع أخرى ذات صلة.

سنة ونصف مرت على تقلدكم منصب وزير العدل، في وقت كثر فيه الحراك وفتحت الوزارة أوراشا كبيرة بهدف إصلاح المنظومة القضائية، ترى ما هي المنجزات التي تحققت وما هي الإخفاقات؟
بفضل الله لم نخفق في مسارنا. واجهتنا صعوبات وعراقيل في الطريق، و بفضله تعالى تغلبنا على مجمل العوائق التي صادفناها، وهي طبيعية ، لأن كل عمل، يكون فيه نوع من التجديد يلاقي عوائق، وإلى حد الآن ، وأنا واثق مما أقول، لم نتعرض لأي إخفاق،  يوما بعد يوم نحقق المطلوب منا تدريجيا، إذ أن الخطة التي أمر جلالة الملك أن ننفذها،  وتضمنها خطاب 20 غشت 2009، بمحاورها الستة،  حاولنا ترجمتها على أرض الواقع، والشيء الوحيد الذي يحتاج مزيدا من الوقت هو التخليق، الذي ليس من السهل الوصول إليه، إذ يحتاج إلى وقت كبير، ويحتاج إلى تغيير العقليات ونحن سائرون في الطريق، بالاعتماد على الوسائل المادية والتقنيات الحديثة.

عندما نتحدث عن الإخفاق لا نقصد الفشل المطلق، وإنما عن الأخطاء التي ربما تعوق تحقيق الأهداف في الوقت المناسب، فالإخفاق هنا ليس مطلقا وهو يتعلق أولا وأخيرا باللوم الذي يوجهه المتقاضون عندما تعترضهم صعوبات في المحاكم؟
فعلا المواطن يطلب من القضاء المسائل الأساسية، أولا سهولة الولوج إليه، ثانيا سرعة البت في القضايا دون التسرع، وهي الأخرى لا تلقى ترحيبا من لدن جميع أطراف الدعوى، فالمدعي يرغب في البت بسرعة والمدعى عليه يبذل كل مجهوداته لكي يؤخر الملف ويربح أكبر وقت ممكن.
فيجب البت في القضايا في آجال معقولة، ولهذا وضعت الوزارة لكل صنف من القضايا المعروضة على المحاكم آجالا معقولة للبت، مثلا القضايا الاستعجالية التي لا يعقل أن تصل إلى ستة أشهر أو سنة، حددنا المعدل بين 15 يوما وشهر، ومع ذلك مازالت بعض الأحكام الاستعجالية تظل شهورا دون أن يتم البت فيها.

قلتم إن الخطابات الملكية هي المؤسس للإصلاح، ترى ماذا حققت وزارة العدل في ذلك؟
يمكن أن أتناول كل محور وما تحقق خلال 18 شهرا من هذه المحاور الستة، سيما على المستوى التشريعي، ووزارة العدل أعدت سابقا 27 مشروعا، الآن تجاوزنا 30 مشروع قانون، والإنتاج التشريعي لوزارة العدل كان أحسن إنتاج في الحكومة على الإطلاق، وليس فقط الإنتاج ولكن أيضا التتبع.

ما ذا تقصد بمشاريع قوانين، هل تغيير فصول أم تتميم أم تعديل أم إحداث قانون جديد؟
يمكن أن  يكون مشروع قانون هو نص جديد في مادة معينة أو تعديل نص قانوني، أي عندما قمنا بتعديل قانون المسطرة المدنية سمي المسطرة المدنية الجديدة، لأن التعديلات شكلت كل أجزائه، وقانون المسطرة الجنائية والحقوق العينية عبارة عن نص يضم 340 مادة صادق عليه مجلس النواب واشتغل عليه مدة طويلة. مع الأسف أنه لم يمر بمجلس المستشارين. هذا القانون هوعمل الوزارة لمدة عشر سنوات، وكان ينبغي تتبعه والدفاع عنه، ثم أخيرا إن النص التشريعي من أصعب ما يكون، إذ من خلال التجربة المتواضعة، فلكي يخرج نص تشريعي ينبغي أن يستغرق ذلك عاما ونصفا أو عامين، إذ هناك الإعداد الذي تتم فيه استشارة الفرقاء كلهم، (المحامون الباطرونا والنقابات…إلخ) بعد الاستشارة يتم تحرير النص الأخير من المشروع، ليرسل إلى الأمانة العامة للحكومة، التي تقوم بدورها في المراقبة، إذ أنه إذا كان المجلس الدستوري يقوم بالمراقبة البعدية للنصوص، فإن الأمانة العامة للحكومة تقوم بالمراقبة القبلية، إذ أنها تراقب مشروعية النصوص ومدى تطابقها مع النصوص الأخرى وصياغة تحريرها وغير ذلك.

نعود إلى المحاور الستة وبالأخص محور التشريع بالنسبة إلى التعديل الذي أدخل على التنظيم القضائي للمملكة في الشق المتعلق بالقضاء الفردي…
يجب أن نميز بين أمرين، القضاء الفردي وقضاء القرب، فالأول يهم المحاكم الابتدائية التي استعضنا فيها عن القضاء الجماعي بالقضاء الفردي، أي أنه بدلا من هيأة جماعية بثلاثة قضاة، بالنظر إلى نقص القضاة وأسباب أخرى سيأتي ذكرها، وبالنظر  إلى أنه في غالب الأحيان أن الهيأة القضائية الجماعية لا تكون فيها المداولة، إذ كل واحد يتكلف بأشغاله، أي أن العمل فردي وينسب إلى الجميع، الآن بعد ذلك التعديل نريد أن نبرز دور كل قاض من القضاة، فالقاضي المغمور سوف يظهر، فكل قاض يتحمل مسؤوليته، ما يرفع عدد الجلسات ويسرع البت في القضايا المعروضة عليه ويقضي على مشكل التأخيرات، وهذا عشته شخصيا، سواء في أيام القضاة الفرنسيين أو بعد ذلك،  ثم يوفر لنا عددا من القضاة، والآن برزت فوائد تنزيل هذا المقتضى بشكل واضح، فنحن اليوم لنا إمكانية ربح عدد من القضاة وبدل أن نجمع 100 ملف في هيأة جماعية، تكون ثلاث جلسات وكل هيأة لديها معدل ثلاثين ملفا، وهذا ليس شيئا جديدا، وأيام الفرنسيين، كان قاضي السدد أو محكمة الصلح/ هو قاض فردي يبت في جميع أنواع القضايا ، وكان معروفا بالسرعة في البت وبجودة الأحكام والاجتهادات القضائية موجودة وتؤرخ لذلك، ثم ليس هناك دائما إعمال لثلاثة آراء، إذ أن رأيا واحدا ينتصر، هنا يبرز دور القاضي ويتحمل مسؤوليته في الأحكام التي يصدرها، فلا يمكن اليوم لأي قاض أن يتخفى وراء القضاء الجماعي، فالقاضي يتحمل مسؤولية أحكامه، ويمكن من خلال هذه المسألة تتبع مساره، لأن القوانين معروفة والتأويلات كذلك والاجتهادات القضائية للمجلس الأعلى ومحاكم الاستئناف موجودة، ثم إن الأحكام لا يحررها ثلاثة قضاة، بل يحررها قاض واحد حتى في القضاء الجماعي.

بالنسبة إلى استئناف الأحكام الابتدائية داخل البناية نفسها وفي مكاتب متجاورة، ألا يشكل ذلك عائقا نفسيا وارتيابا في الاستقلالية لدى المتقاضي، على اعتبار أنه يخاصم في القضية أمام المحكمة نفسها، وما ذا عن الإحالة على محكمة النقض؟
إذا كان القضاة الذين سيبتون في الاستئنافات التي لا تتجاوز قيمتها 20 ألف درهم، ينتمون إلى المحكمة الابتدائية ذاتها مصدرة الحكم الابتدائي، فهذا لا يعني أنهم سيتعاطفون مع القضاة الذين أصدروا الحكم الابتدائي، وإلا سيتم إعمال القياس نفسه على قضاة محاكم الاستئناف والمجلس الأعلى. هناك ما يكفي من الاستقلال لدى القضاة، وهو شيء مفترض فيهم، ولا غرابة أن تنقل القضايا من المحاكم الابتدائية إلى المجلس الأعلى، هذا كان معمولا به ومازال موجودا في القضايا التي تبت فيها المحاكم الابتدائية ابتدائيا وانتهائيا، إذ تحال مباشرة على المجلس الأعلى.

ولكن هل تعتقدون أن قضاة الأمس هم قضاة اليوم؟
يضحك قبل أن يجيب: أحيل الإجابة على هذه النقطة إلى ابراهيم الأيسر مدير الشؤون المدنية بالوزارة.
إبراهيم الإيسر: أولا إن التمييز بين قضاة الأمس وقضاة اليوم مسألة نسبية، لأن  القضاء حرفة تكتسب بالممارسة، ومن يعتبر أن العلم وقف عنده هو خاطئ، لأن الخبرة تكتسب بالممارسة وأعتقد أن هذا الجيل الذي يمارس القضاء لديه مكونات لتطوير إمكانياته الفكرية والعملية والقضائية وليس في فقه النوازل فقط ، بل في عالم المال والاقتصاد والبورصة، فالدعوى هي وسيلة من وسائل الحق وليس الحق بذاته ، فهي تمثل مجرد طريق لتحقيق العدل. في مشروع قانون المسطرة الجنائية وقع التركيز أساسا على تبسيط المساطر القضائية، للتخفيف أكثر وعدم التقيد بالشكليات، لأن الغاية هي التركيز على أن تبت المحكمة في أقرب وقت ممكن.

محمد عبد النباوي: أعتقد أن القضاء صناعة وقضاة الأمس كانت لهم معرفة بالعلوم الشرعية والقانونية واستطاعوا أن يسلموا المشعل بشيء من الجودة وأعطى ذلك الاستمرارية في النقلة،  المشكل ليس مشكل التكوين، بل هناك وفرة في التكوين، ولكن المشكل في مدى تطبيق روح العدالة والإنصاف، ولكن في مجتمع بدأت القيم تتقلص فيه أصبح العثور على شهود لا يميلون إلى المحاباة من المستحيل. هناك نزاعات تعجز المحاكم عن حلها بسبب فقدان مؤشرات العدالة التي يتقاسمها الكل، لتصنع خلطة يثق بها القاضي فتحمله وحده وزر ذلك. لا نستطيع القول إن هناك تكوينا مثاليا للقضاة ولكن هناك تكوين جيد لهم، فإمكانية الدخول إلى المعهد العالي للقضاء ليست مفتوحة أمام جميع حاملي الإجازة، بل يتم ذلك وفق معايير محددة، يخضعون لتكوين علمي وعملي لمدة سنتين، ويتم تكوينهم داخل المحاكم. المشكل ليس مشكل تكوين بل مشكل أزمة مجتمعية ومشكل أزمة قيم تجعل القاضي يميل إلى الشكليات أكثر ما يميل إلى العمق، أي البحث عن روح العدالة وروح الإنصاف. هذا عمل مجتمعي يتحمل فيه الإعلام النصيب الأكبر لكي ينبه المجتمع إلى تحري روح العدالة والانصاف بدل الوقوف على الشكليات المسطرية التي تعصف بالقضايا وتؤدي إلى استمرار النزاعات.

نعود إلى سؤال قضاء القرب وما يعاب عليه أنه في التبليغ والتنفيذ أنيطت المهمة بأعوان السطة، وما يمكن أن يشكل من تراجع عن مهنة المفوضين القضائيين التي أحدثتها الوزارة لأجل التغلب على التنفيذ والتبليغ؟
محمد الطيب الناصري : قضاء القرب هو قضاء حل محل قضاء الجماعات والمقاطعات، وهو مطلب عدد من الجمعيات الحقوقية على اعتبار أن قضاء الجماعات والمقاطعات شكل قضاء استثنائيا، لأنه يمارس من قبل أشخاص لا ينتمون إلى الجهاز القضائي، فاستعيض عن هذا القضاء الاستثنائي بقضاء مهني يمارسه قضاة مهنيون. لابد من الإشارة إلى أن المبادرة ليست حكومية، بل يتعلق الأمر بمقترح قانون لثلاثة فرق برلمانية. الاقتراح الأول  كان للفريق الاشتراكي والفريق الاستقلالي لإلغاء محاكم الجماعات وتعويضها بقضاء آخر، واقتراح آخر للفريق الحركي بالإبقاء على قضاء الجماعات وإدخال تعديل عليه، هذه المقترحات تمت دراستها لأجل بلورة قضاء القرب. أما  في ما يتعلق بالتبليغ والتنفيذ لا أخفي أن الوزارة عملت على تفويض إمكانية التبليغ والتنفيذ للمفوضين القضائيين، إلا أن مجموعة من النواب رفضوا ذلك بعلة التكلفة المادية، وصادف الأمر إضرابات كتابة الضبط، ليتم التعديل والأخذ بعين الاعتبار مزايا قضاء الجماعات الذي كان يبت فيه بسرعة والتبليغات والتنفيذات تتم هي الأخرى كذلك بسرعة، ونسبة التنفيذ فيه أعلى نسبة موجودة، ومن تم فالأشياء المهمة لا تستوجب إزالتها، خصوصا أن الأمر يتعلق بالبوادي ودون نسيان أن المفوضين القضائيين يرفضون التبليغ في البوادي بعلة أن الثمن المحدد لتلك التبليغات في 3  أو 5 دراهم لا يمكن قبوله، ثم أخيرا فإن الإمكانية ممنوحة للأطراف إذ أن من يريد التبليغ أو التنفيذ بواسطة مفوض قضائي له الحق في  ذلك.

هل هناك عدد كاف من القضاة لتغطية جل أقسام القرب؟
هذا النوع من القضاء يشكل أقساما بالمحاكم الابتدائية، وكل محكمة ابتدائية تبعث إلى المراكز التي تتضمن قضاة القرب عدد القضاة الضروريين، بالإضافة إلى الجلسات التنقلية، إذ في حالة كثرة الملفات يتم بعث ثلاثة قضاة لترؤس جلسات تنقلية.

ولكن ماذا عن المقرات التي سيمارس فيها القضاة بالبوادي هل سيحتفظ بتلك التي كانت تابعة للسلطة المحلية؟
حسب الإمكانيات المتاحة فهناك مراكز ستزول وأخرى سيبقى عليها ويمكن توضيح ذلك من قبل مدير الشؤون المدنية.
إبراهيم الأيسر : كما قال وزير العدل إن قضاء القرب نص على أن القضاء يمارس بأقسام بالمحاكم الابتدائية وبمراكز القضاة المقيمين التابعين للمحاكم الابتدائية. في وقت سابق كانت هناك مجموعة من المراكز غير مشغلة، سيتم تفعيلها منها مراكز القاضي المقيم بالإضافة إلى الجلسات التنقلية داخل كل جماعة.

مؤسسة قاضي التحقيق في المحاكم الابتدائية أثارت نقاشا واسعا، وهناك من يعتبرها عقبة أمام تسريع البت في القضايا، إذ ليس هنالك معيار محدد بالنسبة إلى القضايا التي تعرض على قضاة التحقيق، ثم إن البعض يرون أنهم يستنسخون فقط محاضر الضابطة القضائية، هل ترون ضرورة للإبقاء على قاضي التحقيق في المحاكم الابتدائية؟
محمد الطيب الناصري : بالفعل لاحظنا أن قضاء التحقيق يتسبب في تأخير العديد من القضايا، وهذا لوحظ بصفة خاصة في القضايا التي تتعلق بجرائم الأموال، خاصة تلك التي ترد من المجلس الأعلى للحسابات، وغيرها من قضايا الفساد المالي، ما دفعنا إلى اللجوء إلى إحداث أقطاب مالية في أربع محاكم استئناف ، البيضاء والرباط وفاس ومراكش، لكي لا تبقى مثل هذه القضايا موزعة على جميع المحاكم بعد إلغاء محكمة العدل الخاصة، وهذه الأقطاب المالية ستكون متخصصة في جرائم الفساد المالي، تضم نيابة عامة متخصصة وقضاء تحقيق متخصصا وقضاء حكم متخصصا ابتدائيا واستئنافيا ، إذ سيتم انتقاء 50 قاضيا للخضوع إلى تكوين بالمعهد العالي بتنسيق مع جهات خارجية من ضمنها  المجلس الأعلى للحسابات الذي سيمدنا بمكونين في ما يتعلق بالتقنيات المتعلقة بالكشف عن الحساب المالي، والافتحاصات المتعلقة بالفساد المالي. ونعتقد بهذه الطريقة أننا سوف نتمكن من تسريع البت في مثل هذه القضايا، وتنجز بشكل لائق، فما يجب الانتباه إليه هو أن القاضي إذا لم يكن متخصصا في المسائل المالية يمكن أن يدين بريئ  أو يبرء مدانا،  وسبق في يوم من الأيام أن صدر بصحيفة تصدر بالبيضاء قول نسب إلي مضمونه أن 90 في المائة من القضاة  لا يجيدون قراءة  بيان حساب، ولو أنني لا أتفق مع ما كتب، إلا أنني أؤكد أن المسألة تتعلق بتقنيات خاصة وعمليات حسابية معقدة، وليس كل قاض أو محام له تلك الإمكانية، فهذا يرجع بالأساس إلى التكوين العلمي، فالمحاكم التجارية بعد أن خضع قضاتها إلى تكوين خاص، أعطت تجربتها قضاة متميزين، الشيء نفسه بالنسبة إلى المحاكم الإدارية . واليوم الكل واع بهذه المسألة، فالافتحاص تقنية تدرس، وفي هذا الصدد أنجزنا شراكة مع مكتب التكوين المهني من أجل تدريس تقنية الافتحاص. وأود أن أشير إلى أن المجلس الأعلى للحسابات يعتمد على قضاة متميزين في تكوينهم ولهم إمكانات غير متوفرة لدينا في وزارة العدل، وأوضاعهم أحسن من أوضاع القضاة الآخرين.

محمد عبد النباوي : قضاء التحقيق لايأتي بجديد
مؤسسة قاضي التحقيق أثارت بالفعل نقاشا واسع ومتشعبا، فحتى فرنسا بعد قضية دوترو، تمت مناقشة مسألة إلغاء قضاء التحقيق، وفي المغرب هذا النقاش قائم، إلا أن هناك رأيا آخر لمجموعة من الحقوقيين، يعتبر وجود قضاء التحقيق يشكل ضمانا واسعا لفائدة الأطراف. ومن الناحية العملية فقضاء التحقيق لا يأتي بجديد، بل في العديد منها ينسف التحقيق الأدلة إذ يتراجع المتهم عما وقع الاعتراف به في محاضر الشرطة القضائية، وهذا ما دفع المشرع إلى القول بإجبارية التحقيق في الجنايات التي تصل العقوبة فيها إلى السجن المؤبد واختياري في غيرها من الجنايات، أما في ما يخص سؤالكم فإن التحقيق أحدث بشأن الجنح التي تصل العقوبة فيها إلى خمس سنوات. هناك بعض الجرائم التي تتطلب تحقيقا خاصة منها ما يعرف بجرائم الأموال التي تتطلب خبرة وإجراء فحوصات أو غيرها ، إذ أن مدة الحراسة النظرية في مثل هذه الجرائم لا تمكن الشرطة القضائية من إنهاء البحث بشكل جدي سواء لإثبات الجريمة أو دحضها. ولا يوجد في النظام القضائي المغربي ما يوازي ما عليه الأمر في النظام القضائي المصري مثلا، إذ أن النيابة العامة تحقق بنفسها وتؤدي إلى تمديد اعتقال المعني بالأمر أياما إضافية أخرى من أجل إتمام البحث في تلك القضية .
لذلك لابد من ترك هذه النافذة مفتوحة، من أجل اللجوء إليها كلما اقتضت مصلحة الأبحاث ذلك، إلا أنه يلاحظ للأسف في بعض الأحيان اللجوء إلى المطالبة بالتحقيق في القضايا الجنحية، دون أن يكون المبرر موضوعيا يتعلق بالبحث في الجريمة، إذ يتم في بعض الجهات استعمال هذه الإمكانية بطريقة غير منطقية، ونحن نحاول أن نحسس المحاكم سواء في الاجتماعات أو بواسطة مناشير بأنه لا يلجأ في الجنح إلى التحقيق إلا إذا كانت ضرورة البحث تقتضي ذلك، فالتحقيق في الجنح موضوع لتعميق البحث وليس للتهرب من المسؤولية. وأعتقد أن هذا الوضع يشكل خللا يستلزم منا مزيدا من الجهد للقضاء عليه ، وسيكون من العبث الاستغناء عن التحقيق في الفترة الحالية التي نحن مقبلون فيها على محاربة الفساد المالي وجرائم غسل الأموال التي تتطلب تحقيق انتدابات قضائية، ما يتطلب وقتا أوسع من الوقت الذي تسمح به الفترة التي يكون فيها الشخص قيد الحراسة النظرية، وأنا متفق معكم لان الأمر يتطلب مجهودا مضاعفا من أجل ترسيخ ثقافة عدم اللجوء إلى التحقيق إلا إذا كان مجديا في القضية. وهو أمر منوط بالسلطة التقديرية لقضاة النيابة العامة.

أجرى الحوار : خالد الحري والمصطفى صفر وكريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى