ربورتاج

أفارقة غابة “بليونش”…سكان الكهوف

يقطنون داخل خيام وينتظرون أوامر “الأخ الأكبر” لاقتحام سياج سبتة المحتلة

عددهم 400 مهاجر إفريقي يختبئون داخل غابة «بليونش» بضواحي سبتة المحتلة، لكنهم يصلون  إلى ألفي إفريقي،  55 % منهم تقل أعمارهم عن 25 سنة، حين يخطط «قادتهم» للهجوم على سياج المدينة، يزحفون نحوه  على أمل العبور ، معتمدين على بنية أجسادهم القوية.

خالد العطاوي (موفد الصباح إلى غابة بليونش)

يتلعثمون في الحديث باللغة العربية، لكنهم يتحدثون الفرنسية بطلاقة، ف 50 % من المهاجرين من أصول سنغالية، و40 % منهم مستواهم التعليمي ثانوي، و 28 % مستواهم ابتدائي، ولا تخلو قصصهم من معاناة، فأسباب اختيارهم للهجرة متعددة، و75 % منهم غادروا موطنهم بعدما ضاقوا ذرعا بالفقر، مقابل 25 % هاجروا بسبب الاضطرابات السياسية والحروب.

 اختاروا العيش داخل الغابة، علما أن 65 % منهم يقيمون بالكهوف أو تحت الخيام البلاستيكية… أرقام صادمة عاينتها «الصباح»، وهي تتجول في محيط غابة شاسعة، لكنها تضيق بمعاناة الأفارقة.

الحلم…

تُلخص كلمة حلم حياة مئات الأفارقة، ومسار طويل من المعاناة، منذ مغادرة بلدانهم بجنوب الصحراء، وقطع آلاف الكيلومترات، ثم الوصول إلى نواحي سبتة المحتلة، وعجزهم عن اختراق سياجها الكهربائي، والاختباء في غابة «بليونش» المجاورة، في انتظار تحقيق أحلامهم بالعيش في «جنة الفردوس».

بين الفنيدق والقصر الصغير يقف أفارقة في مجموعات صغيرة جدا على قارعة الطريق… يتسولون أو يلوحون بأيديهم طلبا للأكل، فيما أعينهم تتحرك في كل الاتجاهات، تحسبا لقدوم دورية للدرك الملكي، حينها يطلقون سيقانهم للريح في اتجاه الغابة التي تحميهم من المطاردات، لكنها لا تضمن لهم الوقاية من البرد.

وحدهما الجوع والعطش يدفعان الأفارقة لمغادرة غابة «بليونش» قرب سبتة المحتلة، فأغلبهم شباب فقدوا الرغبة في الكلام، وأعياهم انتظار فرصة تسلق السياج الكهربائي.. يقول أحدهم باقتضاب كأنه فقد شهية الحديث المتواصل عن معاناته:» لم نأكل منذ مدة وأشعر بالعطش، وأحمل قنينات من أجل جلب الماء وإرواء ضمأ أصدقائي داخل الغابة»، وحين تتعدد الأسئلة يشك في الأمر، ويقرر الابتعاد، فقد فقدوا الثقة في الغرباء، خاصة الصحافيين، وتجربتهم علمتهم أن زيارة كاميرا لمخابئهم داخل الغابة تتبعها حملات أمنية لإيقافهم.

هم بؤساء، فقدوا الكثير من الأمل، وضجروا من الانتظار، فأسسوا مجموعات لا يتعدى عدد أفرادها العشرة، ويرأسها شخص قوي البنية يلقب ب»الأخ الكبير»، ومهمته تنظيم الحياة داخل الغابة، وتوزيع الأدوار بين المهاجرين، والحراسة وتحديد يوم الهجوم على سياج سبتة المحتلة، وأوامره تُنفذ ولا تناقش.

قصص وحكايات 

غابة «بليونش» فسيحة جدا، وهي عبارة عن مرتفعات، وما إن تختار مدخلا إليها، حتى تتأكد أنها أصبحت موطنا للأفارقة، ففي مسالكها تعثر على قارورات فارغة، وملابس قديمة متناثرة في كل الاتجاهات، ثم يظهر بعضهم ويختفي مثل الشبح.

يقول أحدهم، رافضا الكشف عن هويته، «يوجد بالغابة حوالي 200 مهاجر، فقد تقلص عددنا بشكل كبير لصعوبة العيش داخل الغابة، وفضل الأغلبية الاستقرار بالمدن المجاورة، خاصة طنجة»، ثم يكشف عن معاناته، فهم لا يأكلون، إلا الخبز ويشربون الحليب، فقط.

حكاياتهم داخل الغابة تثير الشفقة، لكن سرد رحلتهم من بلدانهم إلى سبتة المحتلة تجعل أشد القلوب قساوة ترأف لحالهم، فسليمان، سينغالي الجنسية، قطع آلاف الكيلومترات، مستعملا وسائل نقل عديدة، وتعرض لمحاولة تصفية جسدية في صحراء الجزائر، ولم ينج منها إلا بأعجوبة.

يختفي سليمان في قلب الغابة، فتشتم رائحة الخوف بين الأشجار، فهو وأصدقاؤه يواجهون الموت في انتظار تحقيق أحلامهم، فقد غامروا بكل شيء من أجل الوصول إلى سبتة، ولا أحد يعلم نهاية الرحلة الطويلة.

يروي سعيد ادكوج، منتخب جماعي، ل»الصباح» أن الفترة الحالية تشهد أكبر تدفق للمهاجرين على سبتة المحتلة منذ 2005، إذ وصل إلى المدينة، في أربعة أيام فقط، 850 مهاجرا من جنوب الصحراء، وآخر عملية اقتحام أسفرت عن وصول 359 مهاجرا سريا إلى المدينة المحتلة، رغم محاولات رجال الأمن المغاربة والإسبان وقف تدفقهم، وإصابة بعضهم بجروح متفاوتة الخطورة أدت إلى نقلهم إلى مستشفيات سبتة.. لكن لماذا يحرص الأفارقة على اجتياز السياج رغم المراقبة الشديدة؟

حسب فؤاد بنعيسى، عضو الحزب الاشتراكي الإسباني، فإن السبب وراء استمرار تدفق الأفارقة على سبتة يعود إلى التزام إسبانيا بإدماج كل من ينجح في اجتياز السياج، إذ يتم إيواؤه داخل المراكز، وتلقينه اللغة الإسبانية، ثم توفير العمل له ببعض مدنها، وهي حوافز لا تتوفر في باقي مسارات تهريب البشر، فالمفارقة الكبيرة أن الاتحاد الأوربي يضغط على المغرب من أجل تشديد المراقبة قرب سبتة المحتلة، وإسبانيا تشيد بمجهوداته الأمنية في وقف «زحف» الأفارقة وتكافؤ المهاجرين.

الإسبان اختاروا الحل السهل

أكد سعيد ادكوج، منتخب جماعي، أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي منحت المجالس المنتخبة والجمعيات فرصة الاهتمام بالأفارقة من جنوب الصحراء، بعدما ظل الملف طابو يصعب التطرق إليه، طيلة سنوات.

وكشف المتحدث نفسه أنه، في وقت سابق، كانت مساعدة المواطنين للأفارقة في الطريق الرابطة بين الفنيدق والقصر الصغير تعتبر «جريمة» تؤدي بصاحبها إلى السجن، في حالة إيقافه من طرف رجال الدرك الملكي، إذ يُتهم المحسنون بأنهم أعضاء في مافيا التهجير، مشيرا إلى أن الجمعيات والمجالس المنتخبة أولت، الآن، اهتماما كبيرا لموضوع الأفارقة، وعُقدت لقاءات، واستقبل المنتخبون بعض المهاجرين، مثل مبادرة مجلس المضيق الفنيدق الذي حلت بمقره مجموعة منهم بهدف التأكيد أن المغرب والدول الإفريقية تجمعهم علاقات أخوية.

 ولاحظ ادكوج أن الأفارقة القاطنين بالغابة لا علم لهم بالتوجهات الرسمية للدولة، خصوصا تسوية وضعيتهم وإدماجهم في المجتمع، وهو ما يفرض بذل مجهود إضافي، فهم يعيشون في الغابة، بعيدين عن العالم، علما أن عددا كبيرا منهم يفكر في الاستقرار في المغرب.

وأوضح ادكوج أن الجانب الإسباني اختار الحل السهل، ويتمثل في تشييد السياج المحيط بسبتة المحتلة، وتجهيزه بالتيار الكهربائي وكاميرات المراقبة، بل أكثر من ذلك فهجوم الأفارقة على المدينة المحتلة دفع الإسبان إلى تقليص عدد المغاربة الممتهنين للتهريب المعيشي وتضييق الخناق عليهم، فأصبح الدخول إلى سبتة لا يتم إلا عبر ولوجيات صغيرة جدا تشبه أبواب ملاعب كرة القدم، مما يؤزم الوضعية ويثير حزازات بين المغاربة والإسبان.

وأشار المتحدث نفسه إلى أن المهاجرين يحفظون القوانين الإسبانية عن ظهر قلب، فهم يعلمون أن السياج وحده ما يقف أمامهم، وحين تطأ أقدامهم المدينة توفر لهم السلطات مآوي قبل ترحيلهم إلى مدن الجنوب الإسباني، أي أن بوابة سبتة تغنيهم عن التشرد في أوربا، بحثا عن العمل كما يقع بالنسبة لأفارقة يفضلون الدخول من تونس أو ليبيا.

 الجمعيات الإسبانية تضغط لاستقبال الأفارقة بسبتة

أوضح فؤاد بنعيسى، عضو الحزب الاشتراكي الإسباني بسبتة، أن إسبانيا تحرص على استقبال المهاجرين الأفارقة الذين يلجون المدينة، فالسلطات تضمن لهم المأوى والتغذية، رغم ما يكلفها ذلك من إمكانيات كبيرة، فالجمعيات تضغط بقوة من أجل ضمان العيش الكريم لهم، سيما بعد حادث غرق عدد منهم، وهو ما أثار ردود فعل قوية بإسبانيا وجعلها ترضخ لاستقبالهم في المراكز تحت إشراف الصليب الأحمر.

وكشف بنعيسى أنه مقابل إيواء اسبانيا للمهاجرين حين يجتازون السياج، فإنها تسعى إلى الحد من عددهم من خلال تجهيزه بكاميرات المراقبة، وتشديد الحراسة ومراقبة أي محاولة لتسلل، ف»يجب ألا ننسى أن اقتصاد المدينة يعاني من ضغط العدد الكبير من المهاجرين السريين، ولعل التعاون المغربي الإسباني يساهم في التقليل من عددهم بشهادة الاتحاد الأوربي».

وذكر المتحدث ذاته أن الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء بسبتة محدودة جدا، وأن إسبانيا تسعى إلى إدماج هؤلاء المهاجرين، فأولا يتم عرضهم على الطبيب، ويمنح لهم مقر للاستقرار، ثم تأتي العملية الموالية المتمثلة في تعليمهم اللغة الإسبانية، وتلقينهم بعض الحرف والمهن، قبل ترحيلهم إلى إسبانيا من أجل العمل، وذلك باتفاق مع سياسة الدولة في إدماج المهاجرين.

محمد بنعيسى: ظروف لا إنسانية

< بصفتكم جمعية حقوقية كيف ترون الأوضاع التي يعيشها الأفارقة في الغابات؟

< الأوضاع التي يعيشها الأفارقة من دول جنوب الصحراء في غابات الشمال هي كارثية، وتفتقد إلى أدنى الشروط الإنسانية، إذ يعيش أزيد من 2000 مهاجر كمتوسط بين الغابات المحيطة بمدينتي سبتة أو مليلية المحتلتين داخل الكهوف والغابات والأحراش، ويشربون مياها غير صحية وأغلبهم مصاب بأمراض كداء السل والروماتيزيم وغيرهما.

< كيف ترون تعامل الجانب الإسباني مع المهاجرين الأفارقة؟

< الجانب الاسباني يتعامل بذكاء في ملف المهاجرين، إذ يطبق سياسة الاتحاد الأوروبي في هذا المجال بجعل دول جنوب المتوسط تتحمل التكلفة الحقوقية والإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، فهي دركي أوربا. وهو الأمر الذي انخرط فيه المغرب، وبالتالي يتحمل الانتقادات الدولية في هذا المجال، بينما تسوق صورة أوروبا وإسبانيا المدافعتين عن حقوق الإنسان وتحترمان حقوق المهاجرين واللاجئين.

< لاشك أن أوضاع المهاجرين الاجتماعية مقلقة، فما دور الجمعيات؟

< تلعب العديد من الجمعيات المحلية دورا كبيرا في فضح الخروقات والانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون بالمنطقة، سواء من طرف الجانب المغربي أو الاسباني، والكشف عن معاناتهم بهذه الغابات والأحراش. كما تقوم جمعيات أخرى بتقديم المساعدات الإنسانية، مثل الأغذية والتغطية وتنظيم قوافل صحية وطبية وتقديم الأدوية لمهاجرين.

 كما فتحت جمعية الأيادي المتضامنة ورشا يقوم على إدماج المهاجرين في المجتمع المحلي من خلال تمكينهم من تعلم اللغات ومهن كالحلاقة وغيرها.

<  هل تواجهون عراقيل في مساعدة الأفارقة؟

< بالطبع هناك عدة عراقيل تواجهنا عند التحرك بالمنطقة من قبيل أن يمنع علينا الاتصال بالمهاجرين بحجة أن المنطقة عسكرية، رغم أن مجال اشتغالنا يبعد كيلومترات عن السياج الحدودي، كما تمنع السلطة المحلية السكان من الاتصال بنا، فيما يقوم رجال القوات المساعدة والدرك بمطاردة المهاجرين لمنعهم أيضا من الاتصال بنا.

محمد بن عيسى،

مرصد الشمال لحقوق الإنسان

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق