خاص

بانوراما رمضان: الفتنة في الإسلام – الحلقة الرابعة –

مقتل عثمان وفتنة أبدًا

تتضمن “قصة الفتنة” سردا للأحداث التاريخية التي أدت إلى وقوع الفتنة بين المسلمين عقب استشهاد عثمان بن عفان، اعتمادا على وقائع وشهادات تضمنتها كتب يتمتع اصحابها بالصدق والوثوقية. إنها محطة هامة من تاريخ الإسلام تحولت فيها الخلافة بسبب الفتنة إلى دماء، إذ سيلي مقتل عثمان مقتل علي ثم قبله واقعة الجمل وواقعة صفين التي قسمت أهل

المسلمين آنذاك إلى شطرين، اهل الشام وأهل العراق، كما ساهمت في بروز فرق ونحل أخرى، مثل الخوارج والشيعة والسنة…

سارت الأحداث في الاتجاه الذي خطط له أهل الفتنة؛ فشدَّدوا الحصار على دار أمير المؤمنين، وقد جاء عدد من الصحابة وأبنائهم يدافعون عنه، ولكنه أمرهم بالانصراف وترك الدفاع عنه؛ فعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه. ثم قال: قم يابن عمر -وعلى ابن عمر سيفه متقلدًا- فأخبر به الناس. فخرج ابن عمر والحسن بن علي. وجاء زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله، مرتين. قال عثمان: لا حاجة بي في ذلك، كُفُّوا.
وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجَنَّ.
وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم وخروجهم، ولزوم بيوتهم.
فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا لا نبرح. ففتح عثمان الباب، ودخلوا عليه في أصح الأقوال؛ وذلك يوم الجمعة 18 من ذي الحجة سنة 35هـ.
قُتِل الشهيد عثمان بن عفان ، وكانت صدمة لم يتوقعها المسلمون، وطعنة غدر أُعِدَّت بدقة لتوجَّه إلى قلب الأمة الإسلامية؛ فأصابت المسلمين بالذهول حتى قيل: إن المدينة بقيت خمسة أيام بعد استشهاد عثمان بلا خليفة.
لم يكن في المسلمين أولى بالخلافة من علي ؛ لمكانته وفضله وإمكانياته، ولكن عليًّا وسائر الصحابة لم يكونوا يُقبِلون على الإمارة، أو يتشوفون إليها، بل كل واحد فيهم كان يعتبرها تكليفًا ثقيلاً يجدر به أن يبتعد عنه، وخاصةً أن من سيتحمل المسئولية سيكون عليه عبء مواجهة الفتنة وأهلها؛ لذا ظل أهل الفتنة هذه الأيام يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدههم وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرَّة بعد مرَّة؛ ويطلب الكوفيون الزّبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسلاً، فباعدهم وتبرّأ من مقالتهم؛ ويطلب البصريّون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرّأ من مقالتهم مرَّة بعد مرَّة؛ وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يَهْوَوْنَ، فلما لم يجدوا ممالئًا ولا مجيبًا، جمعهم الشرّ على أولّ من أجابهم، وقالوا: لا نولِّي أحدًا من هؤلاء الثلاثة. فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى؛ فرأيُنا فيك مجتمعٌ، فاقدمْ نبايعك. فبعث إليهم: إني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها على حال.
ثمّ إنهم أتوا ابن عمر عبدَ الله، فقالوا: أنت ابن عمر، فقم بهذا الأمر. فقال: إنَّ لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرّض له، فالتمسوا غيري. فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون، والأمر أمرهم.
خشي أهل الفتنة على أنفسهم إن لم يقبل أحد الصحابة الخلافة، وقالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بعد استشهاد عثمان، ودون أن يكون هناك خليفة فلن نسلم، لذا عزموا، وهم في أوج قوتهم، وسيطرتهم على الأوضاع بالمدينة، على أن يُوَلُّوا خليفة بأقصى سرعة، فجمعوا أهل المدينة، وقالوا لهم: يا أهل المدينة، أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبعٌ، وقد أجلناكم يومكم، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلَنَّ غدًا عليًّا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا! فغشي الناس عليًّا فقالوا: نبايعك؛ فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى. فقال علي: دعوني والتمسوا غيري؛ فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وله ألوان، لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول. فقالوا: ننشدك الله! ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الإسلام؟ ألا ترى الفتنة؟ ألا تخاف الله؟ فقال: قد أجبتكم، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، ألا إني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد.
ولما أصبحوا يوم البيعة، وهو يوم الجمعة، حضر الناس المسجد، وجاء علي فصعد المنبر وقال: أيها الناس، عن ملأٍ وإذن، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنتُ كارهًا لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألاَ وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي، وليس لي أن آخذ درهمًا دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد. فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس.
فلما أكَّد المسلمون رغبتهم في بيعته؛ قال: ففي المسجد، فإنَّ بيعتي لا تكون خفيًّا، ولا تكون إلاَّ عن رضا المسلمين. فلمّا دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس.

إعداد: رشيد باحة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق