خاص

بانوراما رمضان: أسرى حرب الصحراء… قصص تدمي القلب 4

جمال وديع…24 سنة في سجون جزائرية

اعتقل في أمغالا ودام استنطاقه أزيد من ثمانية أشهر وهم موضوع سلاح الجنود المغاربة

جلهم مروا من مركز الروبيني، الكائن فوق التراب الجزائري، ذاق أغلبهم مرارة التعذيب بمختلف صنوفه. إنهم جنود وعسكريون مغاربة، سقطوا في قبضة الأسر من قبل شرذمة من انفصاليي جبهة بوليساريو. هناك من قضى أزيد من ربع قرن في الأسر، سنوات كلها معاناة، لكن رغم القواسم المشتركة بين الجنود الأسرى المغاربة، إلا أن لكل حالة خصوصيتها. مازال هؤلاء يحملون

ذكريات فلم تنفع نعمة النسيان في إسقاطها من ذاكرتهم، وبقيت المشاهد
والصور واللقطات عالقة في الأذهان. “الصباح” التقت بمجموعة من الأسرى، جالستهم ساعات طوالا، وتقاسمت معهم صفحة أليمة من تاريخهم، إلا أن العودة لم تضع نقطة نهاية لهذه المآسي، بل فتحت صفحة
أخرى، إنها معركة مستمرة بحثا عن الكرامة، وعن سبل العيش الكريم.

يعرف جمال وديع جيدا منطقة أمغالا، التي قالت وزارة الداخلية، إنها عثرت فيها على أسلحة. فقد قضى وديع في هذه المنطقة وقتا طويلا، عندما كان جنديا، قبل أسره من قبل جبهة بوليساريو منتصف السبعينات.
كان جمال وديع من بين العسكريين المغاربة، الذين شاركوا في معركة تترسة في منطقة أمغالا، مباشرة بعد خروج الإسبان منها. يتذكر جيدا طبيعة الصراع الذي دار في المنطقة ومعركة أمغالا التي اعتقل على هامشها.
كان جمال وديع يحكي بحماس شديد عن تلك الفترة التي تميزت بأوج الصراع في الجنوب. ففي يوم 13 فبراير 1976، وجد جمال وديع نفسه أسيرا لدى شرذمة من الانفصاليين، الذين كانوا يرفضون رفضا قاطعا أن يكون لدى الجنود المغاربة غيرة كبيرة على بلدهم، يدافعون عنه باستماتة حتى لو كلفهم ذلك أرواحهم وحياتهم.
عندما دارت رحى معركة تترسة، سقط جمال وديع، رفقة 26 من الجنود المرابطين في منطقة أمغالا، في فخ الأسر، فوجد نفسه في تلك الفترة ضمن مجموعة من العسكريين، يتذكر أن أعلاهم رتبة مساعد أول.
في رمشة عين، نقلت المجموعة عبر شاحنات، كان الأمر عسيرا بالنسبة إلى جمال وديع ومن يرافقه من عسكريين مغاربة. فبعد ساعات طويلة من السير وسط الصحاري، فوجئ الجميع بالوصول إلى مخيمات تندوف، ففهموا أن “الإقامة” هناك ستطول، وأن  مفاجآت عديدة تنتظرهم خلال فترة “الضيافة”.
يتذكر جمال وديع جيدا الاستنطاق الذي أخضع له من قبل شرذمة بوليساريو. “لقد دام الاستنطاق أزيد من ثمانية أشهر، كانوا يستفسرون عن أمور دقيقة جدا، وتفصيلية”.
فمن بين القضايا التي كان هؤلاء الانفصاليون يحاولون تعميق البحث بشأنها، موضوع السلاح الموجود رهن إشارة الجنود المغاربة في منطقة أمغالا. يقول جمال “كانوا يبحثون عن أدق التفاصيل بشأن الأسلحة التي كانت بحوزتنا والتي كنا نستعملها في مواجهة العدو، ولحماية المناطق المغربية”. كما يتذكر جمال وديع طبيعة النقاشات التي كانت تدور بين الأسرى المغاربة وانفصاليي الجبهة، “كانوا يستفزوننا بالقول إن تلك الأرض ليست أرضنا، بل أرضهم”، يحكي جمال وديع الذي وصف الطريقة التي كان يواجه بها الجنود الأسرى هذه المزاعم، فعندما يحتد النقاش، يضطر بعض الانفصاليين إلى إطلاق النار على أسرى مغاربة، “فكم من الجنود المغاربة الذين فارقوا الحياة خلال فترة الاستنطاق، الذي يجرى من قبل الانفصاليين وأيضا من قبل عسكريين جزائريين يتكلفون بتعميق البحث”. مقابل ذلك، كان الجنود المغاربة الأسرى يرفضون الإدلاء بالمعلومات المبحوث عنها، “كنا نتحفظ عن الكشف عن ما يرغبون في معرفته منا باعتبارنا أناس ميدان، ولنا اطلاع واسع على ما يجري في منطقة أمغالا، لأننا من حاملي السلاح، وكان لنا الشرف بأننا ندافع عن وحدة الوطن”، يوضح وديع الذي يتذكر كم كانت مخيمات تندوف تعج بالأسرى من مختلف الجنسيات، فهناك كوبيون وإيرانيون وأفارقة وفيتناميون. بل إن جنرالا فيتناميا عمد إلى نقل “تقنيات التعذيب” التي كانت تمارسها بلاده ضد أسرى الحرب.
خلال حصص التعذيب، كان جميع الأسرى يتابعون مشاهد رهيبة. فلن ينسى وديع، ما حيي، طريقة تعذيب أسرى عسكريين انتهى بهم الأمر إلى القبر. هناك ضباط يتم جرهم بواسطة سيارات الدفع الرباعي تحت أنظار “متفرجين” ممن يشاركون في احتفالات مهرجان تأسيس الجمهورية الوهمية. امتعاض شديد يخالج الأسرى المغاربة، الذين كانوا ينتظرون دورهم ليذوقوا مختلف أشكال التعذيب. إنه استعراض كله إهانة واستفزاز للمشاعر الإنسانية. كما يتذكر وديع باقي أشكال الإهانة اليومية التي كان الجنود المغاربة يتعرضون لها، “كان الانفصاليون لا يتركون أي لحظة تمر دون أن يمارسوا في حقنا مختلف أشكال الإهانة والحط من كرامتنا، فهم لا يتوقفون عن البصق على وجوهنا، وسبنا وقذفنا، كما كانوا يرغموننا على ارتداء ألبسة رديئة جدا، ويفتخرون بذلك أمام أولئك المجرمين الذين يؤيدون أعمالهم الإجرامية”. بسبب تلك الممارسات الوحشية، سقط أمام أنظار جمال وديع مجموعة من الأسرى، فارقوا الحياة وتم التخلص من جثثهم بطرق لا إنسانية.
بعد أشهر من الأسر في مخيمات تندوف، نقل جمال وديع، ومعه مجموعة من الأسرى، إلى الجزائر. على متن شاحنات، بدأت الرحلة من المخيمات إلى غاية مطار تندوف، ومن تم كانت الوجهة إلى  مدينة المدية. أصفاد تكبل اليدين والرجلين، عصابات سوداء على العينين. ومن مدينة المدية، التي وصل إليها الأسرى في حدود الساعة الخامسة صباحا، تقرر نقل الجميع إلى قصر البخاري بوغاز، إنه مركز للتدريب، حيث كان انفصاليون يخضعون لتداريب من نوع خاص. يصف جمال وديع مركز بوغاز، ويقول إنه فضاء فسيح، يتسع لآلاف من الأسرى الذين تم جمعهم هنا. في مركز بوغاز، قضى جمال وديع أزيد من تسع سنوات، هناك تعرف على مجموعة من الأسرى الآخرين، من بينهم ميمون غدو.
كانت لغة عدم الاستقرار غالبة في التعامل مع الأسرى المغاربة. ففي كل مرة، ينزل خبر التنقل كالصاعقة على الجنود، يقول جمال وديع “تقرر نقلنا من مركز بوغاز إلى الجلفة، ومن تم عادوا بنا إلى بوغاز، كنا نشعر كأننا بضاعة علما أنه في جميع المراكز أو السجون التي مررنا منها، كان التعذيب سيد الموقف، والإهانة، المهم أنني قضيت أزيد من 19 سنة تعرفت على زنازين الجزائريين، ليتم بعد ذلك نقلي إلى مخيمات تندوف، حتى كانت الخاتمة”، يقول جمال بحسرة كبيرة.
عاد جمال وديع إلى مخيمات العار في بحر عام 1994، أي بعد أن قضى حوالي 20 سنة في سجون جزائرية، فبدأت معاناة من نوع آخر.
أرغم جمال وديع على مشاركة باقي الأسرى في عملية حفر الآبار، والقيام بأعمال البناء وأعمال شاقة أخرى.
كما أن آلة التعذيب لم تتوقف، ويتذكر جمال وديع جيدا اسم الكولونيل الجزائري عبد الله بولهوشات الذي كان مكلفا بإصدار أوامر تعذيب الأسرى المغاربة. كان هذا العسكري الجزائري يتلذذ، وهو يتابع حصص تعذيب الأسرى المغاربة، إنها القسوة بكل ما للكلمة من معنى.
قضى جمال وديع على هذا الحال حوالي سبع سنوات. كاد يفقد الأمل، إلا أن تدخل بعض الدول الصديقة، وكذا المنظمة الدولية للصليب الأحمر، وبحكم السنوات الطويلة التي قضاها جمال وديع، وما تعرض له من تعذيب جسدي ونفسي، اختير ليكون من الفوج المستفيد من الإفراج، في 14 دجنبر 2000، أي بعد أزيد من 24 سنة، وجد نفسه بين حضن عائلته التي لم تكن تعرف إن كان حيا أم ميتا. نفض جمال وديع غبار الأسر، لكنه وجد نفسه أمام دوامة البحث عن الحد الأدنى للعيش الكريم، لتستمر المعاناة.

نادية البوكيلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق