خاص

بانوراما رمضان: في رحاب الزوايا 1

الطريقة البودشيشية… أربعة ملايين مريد عبر العالم

تعاظم نفوذ الزوايا بالمغرب، رغم التحولات التي عرفها البلد  في اللحظة المعاصرة، ما يؤشر على مدى تجذرها في المجتمع، والارتباط القوي للعديد من الناس بها.
وانتشرت الطرق والزوايا على فترات متلاحقة في المغرب، إلى درجة أنه لا تكاد تخلو منطقة، قريبة أو نائية، من زاوية تأوي ضريح

ولي صالح، يشكل مزارا للعديد من الناس.
ولعبت الزوايا أدوارا معقدة، دينية(روحية)، ووطنية، (الجهاد ضد المستعمر)، ونفسية (البركة وطلب الاستشفاء من الأمراض).
ورغم التحولات التي عرفها المغرب، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، طيلة مراحله التاريخية المختلفة، فإن الزوايا شكلت مجالا لاستقطاب الزوار الباحثين عن الطمأنينة الروحية، من خلال التعبد، أو الراحة النفسية.
يقول «ميشو بيلير»، إن الطوائف الدينية اضطلعت بدور كبير في تاريخ الإسلام، خاصة في منطقة شمال إفريقيا، مشيرا، بهذا الخصوص، إلى تأسيس الدولتين المرابطين والموحدية، ومذكرا بوجود صعوبة في تحديد من كان وراء جلب المذاهب الصوفية إلى المغرب لأول مرة، انطلاقا من الشرق، مبرزا أن تلك المذاهب دخلت إلى المغرب ابتداء من القرن الرابع الهجري.
بمناسبة شهر رمضان ، تسلط « الصباح» الضوء على  أهم الزوايا المعروفة بالمغرب، والتي تستقطب أعدادا كبيرة من الناس، مع التركيز على سياقها التأسيسي، ومنهاجها التربوي والروحي…

تشكل الطريقة البودشيشية إحدى أهم الطرقية الموجودة في المغرب، ولها أتباع ومريديون كثر، إذ تذهب بعض التقديرات إلى وجود حوالي أربعة ملايين من أتباعها، منتشرين في القارات الخمس.
ويعزى توسع الطريقة، إلى  الدينامية التي تميز أتباعها،     إذ تضم عددا كبيرا من المثقفين والأطر العليا، مغاربة وأجانب، علما أنها تتوجه إلى كل الشرائح المجتمعية. وللطريقة مراكز متعددة  منتشرة في مختلف جهات المملكة،إلا أن مقرها الرئيسي يوجد بمداغ، بإقليم بركان شرق المغرب.
وتشكل الاحتفالات السنوية بعيد المولد النبوي، إحدى التظاهرات الأساسية للطريقة، وهي مناسبة لإحياء الليلة الكبرى التي تستقطب سنويا، حوالي 100 ألف من أتباع ومريدي الطريقة، الذين يحجون إلى مقر الزاوية لإحياء الليلة في أجواء روحانية. وما يميز احتفال الطريقة بعيد المولد النبوي تنظيمها للملتقى العالمي للتصوف، الذي وصل السنة الماضية، إلى نسخته الخامسة، والذي يختار كل سنة  موضوعا رئيسيا، يتم التوسع فيه،  من طرف أساتذة جامعيين وباحثين، من داخل وخارج المغرب. وكان موضوع النسخة الخامسة ” الأبعاد  الأخلاقية للتصوف… نحو حضارة للقيم”.   وقامت الطريقة، أخيرا، بإصدار جريدة أسبوعية تسمى” نفحات الطريق” أوكلت مهمة إدارتها إلى لحسن السباعي الإدريسي. وتتميز احتفالات الطريقة بعيد المولد النبوي، بختم أسلاك القرآن، وتلاوة الأذكار، والصلاة على النبي(ص)،وقراءة اللطيف، إضافة إلى الأمداح النبوية،والسماع الصوفي. وتعتبر هذه الاحتفالات من ضمن التظاهرات الأساسية التي تنظمها الطريقة القادرية البودشيشية، والتي تقام لاستحضار المكانة العظيمة للرسول(ص) في نفوس المغاربة.
وكان منير القادري بودشيش، حفيد شيخ الطريقة حمزة بن العباس، أكد لـ” لصباح”، في إحدى المناسبات المخصصة لاحتفالات المولد النبوي،  الدور المركزي للطريقة في تهذيب النفوس، بواسطة التربية الروحية، مبرزا أهمية التصوف في إصلاح الفرد، من خلال المساهمة في تخليق الحياة العامة، مشددا على محورية الإنسان في الكون والمجتمع، وفي كل مشروع.
وأكد منير أن  للإنسان بعدين، أحدهما روحي والثاني مادي، وأنه من أجل تحقيق التوازن، لابد من أن يلبي الإنسان، ليس فقط حاجياته المادية، بل كذلك حاجياته الروحية، باعتبار أن المدار على القلب في حقيقة الإنسان.
ورغم أن الزاوية تركز على الجانب الروحي في الإنسان، ولا تشتغل بالعمل السياسي المباشر، إلا أنها تتبنى مواقف تجاه عدد من القضايا المطروحة في الساحة الوطنية، أو الطارئة، إذ بادرت إلى الدفاع عن الوحدة الترابية، وثوابت المغرب، وخرجت، أخيرا، في تظاهرة حاشدة بالعاصمة الاقتصادية للمملكة، شارك فيها أزيد من 150 ألف شخص،  لحشد التعبئة حول الدستور الجديد.
وتنتسب الطريقة القادرية البودشيشية  إلى الشيخ مولاي عبد القادر الجيلاني، الذي ظهر في القرن الخامس الهجري.  أما لقب البودشيشية، فقد اكتسبته بواسطة الشيخ سيدي علي بن محمد الذي حمل لقب” سيدي علي بودشيش”، على اعتبار أنه كان يُطعم الناس، أيام المجاعة، طعام ” الدشيشة” بزاويته.
ومن بين شيوخ الطريقة في المغرب، الشيخ سيدي المختار بن محيي الدين، والشيخ سيدي أبو مدين بن المنور، الذي أخرج الطريقة من مرحلتها التبركية، إلى السلوك التربوي، وحصل على الإذن بالتربية بعد بحث ومجاهدة روحية شاقة.  وتابع هذه الوظيفة التربوية بعده، كل من سيدي الحاج العباس، ثم ابنه سيدي حمزة، الشيخ الحالي للطريقة، باعتبارهما الوارثين الروحيين لسيدي أبي مدين، وبفضل تجديدهما للطريقة، عرفت انتشارا متميزا.
وما يميز الطريقة أثر الجانب التربوي الخاص الذي يظهر على مريديها، والمناخ الروحي الذي يحيون فيه بتوجيهات الشيخ سيدي حمزة، ورعايته القلبية لهم. وبما أن كل شيخ مرب يختار من وسائل التربية ما يناسب عصره،وكان طابع هذا العصر هو اشتداد الغفلة وطغيان المادة، فقد نهج سيدي حمزة سبيل التحبيب والتيسير، بدل التشديد والتنفير. وفي هذا السياق، يقول سيدي حمزة” إن من أهل الله من يدعو إلى التخلي قبل التحلي، ومنهم من يدعو إلى التحلي قبل التخلي، ودعوتنا تبدأ بالتحلي ثم التخلي، ومعنى التحلي تذوق حلاوة كل عبادة، والنفوذ إلى أسرار كل قربة يتقرب بها إلى الله(…)، وتتفاضل الأعمال حسب أثرها في ذوق الإيمان، إلى أن يجد المدعو نفسه قد تخلى عن كل عمل قبيح، وتلبس بكل عملي مليح، عن طريق الذوق، والتجربة المعيشة،وليس بمجرد التخمين والتقلي”. وقال أيضا، “إن دعوتنا تبدأ من القلب، فإذا صح القلب هان ما يليه من الجوارح، وإذا بقي فساده، فلا عبرة بالمظاهر”.  
ويظهر من قول الشيخ أن إصلاح القلب يعتبر الركن الأساسي في المنهاج التربوي للطريقة القادرية البودشيشية، فالقلب أشبه بالغرفة المظلمة، لا يمكن ترتيب متاعها وتنظيفه، إلا بعد إضاءتها بإشعال النور أولا.
وتعتبر”المصافحة”، أول خطوة يقوم بها كل من يريد الدخول في الطريقة ليصبح مريدا فيها، وهي بمثابة الإعلان عن بداية السلوك إلى الله تعالى، وذلك بالتوبة والالتزام بمبادئ وشروط، وهي كذلك عهد يربط المريد بشيخه. أما مهمة الشيخ العارف بالله، فتتجلى في التربية الروحية لمريديه، دون أن يدعي شيئا لنفسه، لأن العبودية والتواضع من أخلاقه وشيمه. ويشترط على الواعد الجديد أن يتبع ما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية، والإكثار من ذكر الله، واتباع تعاليم الشيخ التي تهدف إلى جعل ما أمر به الله ورسوله سهل الإدراك والتطبيق. وينقسم الذكر إلى فردي وجماعي، أما الذكر الفردي أو ما يسمى بالورد، فهو مجموعة أدعية من القرآن الكريم والسنة النبوية يلتزم بها المريد مرة في الصباح وأخرى في المساء. وعموما، يشمل الورد تلاوة القرآن وذكر بعض أسماء الله الحسنى، وكلمة التوحيد، والصلاة على رسول الله.

جمال بورفيسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق