خاص

بانوراما رمضان: المدن في رمضان

رمضان في خنيفرة…إعادة الروح إلى الأطباق الأمازيغية

الخبز بالشحم وجبة من اختصاص الخنيفريين

تتنوع طقوس رمضان وتختلف تقاليد وعادات الأسر المغربية خلال هذه الشهر الفضيل، من شمال المغرب إلى جنوبه وتتباين بين شرقه وغربه، كل يحتفي بمائدة الإفطار والسحور على طريقته، يتفنن في إعداد ألذ وأشهى الأطباق ويتوحد الجميع على

«الحريرة» سيدة المائدة الرمضانية بامتياز، ووصيفتها الأولى «الشباكية»، قبل أن يحجوا إلى المساجد فرادى وجماعات، وينطلقوا في سمر تختلف طقوسه من منطقة إلى أخرى.

حتى لو كانت أغلب الأقاليم والمناطق أخذت طابع التوحد من حيث بعض العادات وطقوس إحياء شهر رمضان، وأفلحت البرامج التلفزيونية في جعلها تكتسب هذا الطابع الذي يكرس الهوية المغربية، فإن كل إقليم يتمسك بخصوصياته، ويجعل منها شأنه الخاص الذي لا يمكن لأي تقاليد وعادات أخرى أن تتدخل فيه، وأن تمحوه لتحل محله. هذا ينطبق على إقليم خنيفرة التي يتمسك فيها السكان بأغلب عاداتهم وتقاليدهم في إحياء الشهر المبارك، حتى لو تقاطعت مع بعضها في مناطق أخرى.
البدء من موائد الإفطار التي حتى وإن كانت أضافت إلى مساحتها بعض الأطباق الدخيلة، خاصة تلك التي حملتها المبدعة “شوميشة” إلى بيوت جميع المغاربة، فإن موائد الخنيفريين مازالت تضمن لأطباقها الخاصة مكانا رئيسيا.
وإذا كانت موائد الإفطار في بيوت الشماليين من “الحريرة”، فإن الخنيفريين لا يمكن أن يتنازلوا عن “أسكيف”، وهي “الحريرة” باللغة الأمازيغية، فلهذه الأخيرة مكانتها الخاصة عند السكان، ولا يمكن لأطباق السمك أو “البيتزا” أو حلويات “البريوات” أن تنافسها أو تعوضها، ولا حتى “ريافة” الذي يعتبر أهم من “الحريرة”.
“سلو” في بعض المدن الكبيرة هو “الزميطا” في خنيفرة، فهذه الأكلة ليست هي نفسها على موائد باقي المناطق، حتى لو اعتقد الجميع ذلك، سواء من ناحية طريقة الإعداد أو من حيث المكونات والمذاق الذي تتميز به، إذ أول شرط في إعداد “الزميطا” الأصيلة هو تحميص القمح في “فورنو” المنزل، خاصة أن أغلب منازل إقليم خنيفرة تتوفر على هذا الفرن التقليدي للتدفئة في الفصول المبادرة، خاصة عند التساقطات الثلجية، لذلك يستغل في تحميص القمح بطريقة تقليدية قبل طحنه أيضا بطريقة تقليدية عبر رحى، خاصة في البيوت الخنيفرية القديمة التي تتوارث فيها النساء هذا الجهاز الحجري التقليدي الذي لم تنجح المطاحن الإلكترونية في منافسته، وإن كان ذلك لا يعني أن جميع البيوت تستخدم الوسيلة نفسها، إذ يتعذر على البعض الحصول على رحى ليستخدم طريقة عصرية، لكن بالطبع كما يقول العارفون بهذه الطقوس في المنطقة، لن يكون ل”الزميطا” المذاق نفسه. بعد مرحلة التحميص والطحن تأتي مرحلة المكونات الغنية بالفواكه الجافة وغيرها من الأعشاب المعطرة لتعطي لأطباق “الزميطا” ماركتها المسجلة بخنيفرة، بالأحرى “أمازيغ”.
إعداد الخبز بالشحم هو أيضا وجبة من اختصاص الخنيفريين، وإن كانت العصرنة اليوم عوضت الشحم بالكفتة أو الكبد، فإن الوجبة كما هي في أصالتها تحتفظ بنكهة خاصة، خاصة بإضافة مقادير معينة من التوابل، وهي وجبة أمازيغية بامتياز، ينضاف إليها حساء الشعير وزيت الزيتون.
ليست الأطباق وحدها ما يميز عادات وطقوس إحياء رمضان في خنيفرة، بل تأخذ العلاقات الإنسانية نفسا جديدا لهذه المناسبة، فتنفخ الروح فيها وتجددها وتزيل عنها الجلد الميت بسبب مختلف التوترات اليومية، لتصبح جميع البيوت مفتوحة في وجه الجيران والأقارب والأصدقاء، إذ يكون رمضان الفرصة المناسبة للسهر وتبادل الأحاديث والعودة بالذاكرة إلى الأيام الخوالي، كما تصبح فرصة لأداء صلوات التراويح جماعة، أحيانا في البيت وأحيانا أخرى في المساجد، وتخلق فرصة الذهاب إليها جماعات مناسبة لتبادل الآراء، لحل مشاكل، والتواصل بصفة عامة بشكل أفضل وأطول وأوضح.
منتصف الشهر المبارك فرصة لتتقاسم العائلات وجبات الإفطار مع بعضها البعض، وتتسامر، وتكون تلك فرصة لتخضيب الأيادي بالحناء وإعداد وجبة عشاء متميزة عن باقي الليالي. ووحدها ليلة القدر تنافس منتصف شهر رمضان من حيث خصوصياتها، إذ تجتمع العائلات من جديد وتشرع الأبواب في وجه الجميع ليتناول وجبة “الكسكس”، إضافة إلى عقد جلسة نسائية خاصة لتكحيل العينين ووضع السواك في الفم، قبل استئناف التعبد لله.
لا يمكن لوجبة العشاء أن تحل محل وجبة السحور، إذ تكون الأم ملزمة بالاستيقاظ قبيل الفجر لإعداد خبز ساخن “بوشيار” مدهون بالزبدة والعسل، للمقبلين على الصوم من الأبناء والزوج، ومهما أبدعت هذه الأخيرة في وجبة الإفطار والعشاء، فإن للسحور مكانته الخاصة.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق