fbpx
ربورتاج

رجال من “قندهار”

CAMION
مشهد من عملية التطهير في غشت 2016 (خاص)

 

CU7P4080
أكثر من 190 سيارة وشاحنة تنتظر الإفراج عنها
Mouloud 5
“الشينوي” يمين ومولود يتذكران أيام زمان

 

 

Gargaraate bziouat58
المقبرة الجديدة لخردة قندهار على مشارف مركز الكركرات

تجار وسماسرة سيارات يعيدون تركيب حكاية أكبر تجمع تجاري خارج الشرعية الدولية طهره الجيش المغربي

إعداد: يوسف الساكت وعبد المجيد بزيوات (موفدا الصباح إلى الكركرات)

أصبحت المجمعات التجارية الخارجة عن الشرعية الدولية بقندهار (على بعد 460 كيلومترا جنوب الداخلة في اتجاه نواديبو)، مجرد ذكرى من الماضي، بعد عمليات تطهير شاملة شنتها عناصر من الدرك الملكي الحربي والهندسة العسكرية وطائرات الاستطلاع الجوي لفرض “القانون”، وإجبار حوالي 500 “تاجر” وزبون على مغادرة المنطقة، سواء في اتجاه المغرب، أم موريتانيا وبعض الدول الإفريقية القريبة، قبل أن تتدخل الجرافات لهدم عشرات “البراريك” العشوائية ومحلات لتجارة قطع الغيار و”الخردة”، ومواقف السيارات المسروقة، أو المزورة، القادمة من أوربا في اتجاه إفريقيا، أو العكس.

“الشينوي” يخاطبكم

“ما بقا والو”، يعلق “الشينوي”، هو اللقب الذي عرف به واحد من أهم تجار السيارات وسماسرتها بمنطقة “قندهار” منذ التحق بها حارسا “أمينا” على العربات التي يتركها أصحابها في عهدته إلى حين بيعها، أو إعادتها، من جديد، إلى المغرب بعد انقضاء فترة ستة أشهر.
يرفض “الشينوي” (حوالي 58 سنة ويتحدر من بني ملال)، لعبة “النوستالجيا” التي حاولت “الصباح” استدراجه إليها حين التقته جالسا يرتشف كأس شاي بمقهى “فندق” ولد السالك الشهير بباحة الكركرات، من فرط تكرراها على مدى سنوات، ملتمسا، بلكنة أمازيغية مدغمة بكلام حساني، تركه في حال سبيله، لتدبر مصروف يومه ورزق أبنائه من عمله “الجديد” (يشتغل وسيطا بين أصحاب سيارات الأجرة وبعض “الخطافة” والزبناء والتجار القادمين من الداخلة وبير كندوز والمناطق المجاورة).
بجهد، يبدأ “الشينوي” حديثا متقطعا، مؤكدا أنه يتذكر جيدا ذاك اليوم القائظ من صيف السنة الماضية، حين اقتحمت تشكيلات مغربية من الدرك الملكي والعسكر “باركينغات” قندهار، وأعطت للتجار والعاملين والمياومين والحمالين والميكانيكيين وأصحاب المطاعم الصغيرة ومحلات البقالة والجزارة والصيارفة….، و(عددهم يفوق تقريبا 400 شخص)، مهملة ثلاث أيام لإنهاء هذا الوضع وتفريق “السوق”، دون صدام أو مواجهة من أي نوع.
بعد انتهاء ثلاثة أيام، يقول “الشينوي”، تدخلت فرق من القوات العسكرية معززة بجرافات ورافعات وسيارات للقطر، وتكلفت بجمع ما تبقى من سيارات وقطع غيار وإطارات مطاطية وهياكل وأبواب وواقيات زجاجية، وجبال من “الخردة”، كانت موزعة على مسافة سبعة هكتارات على الأقل، في شكل أربعة “باركينغات” يتكلف هو بتسيير أحدها، بينما يسير مغربي متحدر من العيون الموقف الثاني، ويتكلف موريتانيان بالموقفين المتبقيين.

خارطة طريق

وحاول “الشينوي” رسم خارطة مقربة لمنطقة قندهار، إذ التقط عودا وشرع يخطط فوق التراب، ووضع موقف السيارات الذي كان يسيره “الصحراوي” في منطقة يمين البوابة الجنوبية لمركز الكركرات، في حين رسم الباركينغ الثاني الذي كان يحرسه في الجهة اليسرى، وبالضبط في المنطقة التي تعسكر فيها عناصر بوليساريو الآن (يسار الطريق المعبد)، أما الموقفان الخاصان بالتجارين الموريتانيين فوضعهما في مسافة أبعد، أقرب إلى المركز الحدودي لموريتانيا.
قال “الشينوي” إنه التحق بالمنطقة قبل 14 سنة في إطار بحثه المضني عن العمل، ثم يحكي أنه تعرف على المركز الحدودي الكركرات، حين كان يعبر بوابته في اتجاه موريتانيا، حيث كان يعمل في مجال التجارة.
الحديث عن موريتانيا يحمس “الشينوي” أكثر للحديث عن تجربته في ليبيا التي التحق بها في تسعينات القرن الماضي، قبل أن تدفعه ظروف الكساد الاقتصادي لمغادرتها في اتجاه مسقط رأسه ببني ملال، ومنها إلى نقاط التماس بين المغرب وبوليساريو.
بعــد فتــرة قضــاها فــي منطقة الكركرات، وجد “الشينــوي” نفسه بالصدفة، حارسا بإحدى مواقف السيارات بحــزام قندهار التي كان يصل إليها بعد ختم جواز سفره من قبل مصلحة الأمن الوطني بالمركز الحدودي.
يقــول “الشينوي” إنــه عــاش الفترة الــذهبية لهذه المنطقـــة، إذ كانت مداخيله لا تقل عن 5 آلاف درهم يوميا، تتأتى له أولا من حراسة سيارات المغاربة الذين ينتظرون انتهــاء فتــرة ستة أشهر المحــددة بالقــانون مـــن أجـــل إدخـــالها إلى المغـــرب، أو عبر إعــــادة بيـــع السيـــارات إلى الزبناء الذين تعج بهــم المنطقـــة، وأغلبهـم من المغاربة والموريتانيين والسنغــاليين والمــاليين والجزائريين، وأحيانا من عناصر من جبهة بوليساريو.
يتنهــد “الشينوي”، مؤكدا أن كل شيء انتهى ولم تعد غير الذكريات، وعــاد شبــح الجــوع والفــاقـة يخيم على الجميع في هذه المنطقــة، خصــوصا هــؤلاء الذين كانــوا يعملــون بالمنطقــة ويسترزقون منها. بعضهم آثر البقاء، بحثا عن عمل جديد ودائم صعب المنال، وكثير من التجار والسماسرة والصيارفة هاجروا المنطقة، مباشرة بعد تطهير المكان.

بامولود العلامة

غير بعيد عن مقهى ولد السالك، وعلى مقربة من البوابة الرسمية للمركز الحدودي، يجلس “مولود اداعى” خلف طاولته، (عبارة عن حاملة خشبية لآلة خياطة)، وينهمك في ملء استمارات العبور وجوازات المرور لدى المصالح الجمركية والأمنية التي يحتاجها سائقو الشاحنات والمسافرون.
في نهاية عقد الخامس، مازال مولود يحافظ على كثير من حيويته، وتحس أنه أضحى جزءا من المكان وصديق الجميع، والشخص الوحيد الذي تقضى حاجياتهم على يديه، حتى جلسات “أتاي” الصحراوي الأصيل يشرف عليها في مساءات الكركرات، حيث يتحلق حوله الأصدقاء وموظفون ورجال أمن وعسكريين وسائقون وعابرو سبيل يستمتعون بقفشاته ومستملحاته وخفة دمه، ويشجعونه على استدعاء ذاكرته للحديث عن تاريخ المنطقة.
لا يتردد “بامولود” في الحديث إذا طلب منه. يمد لك بيد كأس شاي صحراوي من الحجم الصغير يفيض “كشكوشة”، وباليد الأخرى يتفقد الإبريق الذي وضعه فوق النار حتى يستوي و”يتشحر”.
عاش مولود أزهى فترات “قندهار”، كما يقول مبتسما، ويعرف كثيرا من عملياتها وأنواع التجارة التي كانت تتم هناك، نافيا أن يكون سمع ورأى، طيلة وجوده بالمنطقة، تجارة في الأسلحة، أو احتضان متطرفين وجماعات إرهابية.
كنا نشتغل في بيع وشراء السيارات فقط، وهي التجارة التي عرفت بها “قندهار”، منذ تأسيسها من قبل تــاجـــر موريتاني اسمه “بلال”، إلى حين القضاء عليها نهائيا في غشت الماضي.
وقال مولود إن عمله كان يختزل في تسوية أوراق السيارات المرقمــة فـــي أوربا التي تعود ملكيتها إلى أشخاص متحدرين من خريبكة وبني ملال والفقيه بن صالح، ثم القيام بإجراء إدخالها قانونيا قندهار عبر المركز الحدودي “الكركرات”، حيث يكون في الانتظار الزبون المشتري.

نهاية حلم

وقال إن عملها كان مشروعا ويتعلق بالسمسرة في تجارة السيارات وتقاضي أجر على ذلك، سواء من البائع، أو المشتري، أو كلاهما معا، مؤكدا أن الفترة التي سبقت 14 غشت 2014 كانت من الفترات الذهبية وساهمت في تحسين الوضعية المالية والاجتماعية لعدد من التجار والسماسرة والصيارفة ومئات المشتغلين في هذه المنطقة العازلة.
ويتذكر مولود تاريخ 14 غشت 2014، بأسف شديد، مؤكدا أن هذا التاريخ شكل بداية انحدار حقيقي لهذه المنطقة، بعد قرار السلطات الجمركية الموريتانية توقيف العمل بالقوانين السابقة وإصدار قانون يلزم السيارات التي تدخل ترابها، أو تعبر حدودها ألا تتجاوز أقدميتها ثماني سنوات. وقال مولود إن هذا القرار فرض بقاء عدد كبير من السيارات التي تجاوز عمرها ثماني سنوات في المنطقة العازلة، علما أن المغرب منع أيضا السيارات التي يتجاوز عمرها خمس سنوات، وهكذا تحولت قندهار من منطقة حيوية للتجارة إلى محطة وقوف العربات المتخلى عنها. يضاف إلى ذلك، حسبه، تراجع عدد السيارات التي بدأ يصل النقطة الجمركية الكركرات، بسبب هذا القانون الموريتاني الذي دخل حيز التنفيذ بصرامة في الفترة نفسها، علما أن أغلب السيارات التي كانت رائجة آنذاك تتجاوز السن القانوني المنصوص عليه.
وخلص مولود إلى أن قندهار لم تنته في غشت 2016 مع دخول القوات المغربية من أجل تطهيرها، بل انتهت قبل ذلك في 2014، وقال إن عددا من التجار أحسوا بذلك وغادروا المنطقة مبكرا ولم يبق غير الخراب.

المرأة الحديدية

خديجة (اسم مستعار) أول تاجرة “محترفة” في بيع وشراء السيارات والسمسرة بالمركز الحدودي الكركرات ومنطقة “قندهار”. امرأة من فولاذ، أو امرأة بألف رجل، كما يلقبها باقي التجار وعدد من أصدقائها وصديقاتها بباحة الاستراحة، حيث حولت سياراتها إلى متجر متنقل لبيع الملابس الصينية والإماراتية القادمة من موريتانيا.
ابنه سطات، التي تعرف هذه المنطقة كما تعرف أصابع يديها، جاءت قبل 10 سنوات إلى الكركرات، بعد رحلات قادتها إلى نواكشوط ونواذيبو لجلب السلع وبيعها في الداخلة.
دخلت خديجة مجال بيع السيارات بالصدفة، وكونت فيها “ثروة محترمة” في فتراتها الذهبية، قبل أن ينهار كل شيء بعد العملية التطهيرية، وتعود إلى حرفتها الأولى، أي بيع الملابس، لكن بعد أن أصبحت مسؤولة عن أسرة صغيرة تنتظر ما سترسله لها نهاية كل شهر.
عرفت خديجة وسط التجار بعملها المضني، إذ لا يكاد الملل والتعب يجدان طريقا إليها، وقد كانت تقطع المسافة الطويلة بين خريبكة والكركرات مرتين في الأسبوع على متن سيارتها، من أجل شراء وجلب سيارات مرقمة بأوربا من أجل إدخالها إلى “قندهار”.
في كل مرة، كانت تعود المرأة الحديدية من سفرها وهي تقود قافلة من السيارات من مختلف الأنواع والماركات، وتطلب من أصحابها التوقف في منطقة غير بعيدة عن البوابة الرئيسية للمركز الحدودي في انتظار إنجاز الأوراق وتسوية جوازات المرور وأداء الرسوم المستحقة.
مرة، انبهر رجال الجمارك والأمن حين لمحوا خديجة تقود قافلة من 10 سيارات قادمة من أحد أسواق الفقيه بن صالح، وتستعد إلى إدخالها إلى منطقة “قندهار”. وتعد هذه أكبر عملية يقوم بها تاجر في المنطقة، فأدرك هؤلاء من أي طينة هذه المرأة السطاتية.
تتنهد خديجة، وتتذكر أيام العز بهذه المنطقة، حين كانت عائداتها الشهرية تتجاوز 50 ألف درهم، وكانت “الفلوس مثل التبن”، على حد تعبيرها، مؤكدة أن عملها كان يقتصر على تسهيل إجراءات دخول السيارات إلى منطقة قندهار والعودة إلى المغرب، دون أن تحاول أن تعرف ما يجري هناك بالضبط.

عملية التطهير

قرر المغرب التدخل لتنظيف واحدة من أهم بؤر التطرف والإرهاب وأنواع التجارة المحرمة دوليا التي كانت تنشط على بعد أمتار من المناطق العازلة ومناطق الحظر المحددة بموجب قرار وقف إطلاق النار مع بوليساريو في 1991 وما لحقه من اتفاقات عسكرية بين أطراف النزاع أهمها الاتفاق العسكري رقم 1 الذي اعتبر المنطقة الموجودة شرق جنوب الحزام الرملي منطقة عازلة.
لكن في مقابل، مبدأ “حسن النية” الذي التزم به المغرب في تنفيذ هذه الاتفاقات العسكرية الصادرة عن الأمم المتحدة، استغلت العصابات الانفصالية هذه الثغرة الجغرافية للتشجيع على إقامة ورعاية أسواق عشوائية يسيرها مغاربة متحدرون من مدن الداخل، وتجار من المناطق الجنوبية، إضافة إلى تجار يتحدرون من موريتانيا أقاموا “مواقفهم” الخاصة “باركينغات” على مساحة أربعة هكتارات تطل على المنطقة الحدودية القريبة جغرافيا من نواذيبو.
وشكلت هذه المنطقة، التي انطلق العمل غير القانوني بها بداية 2003 تقريبا، مصدر تخوف أمني وإستراتيجي متعاظم بالنسبة إلى المغرب الذي ظلت أجهزته الاستخباراتية العسكرية تراقب تحركات التجار وتترصد “نواياهم” ونوعية ” زوارهم” على مدى سنوات، دون قدرة على التدخل لتغيير وضع جغرافي شاذ، تفاديا لاصطدامات مع المنتظم الدولي، بتهمة خرق معاهدة وقف إطلاق النار والتدخل في منطقة منزوعة السلاح تمتد لنحو 2700 كيلومتر انطلاقا من المحيط الأطلسي غربا، إلى الحدود الجزائرية شرقا، وكلها مناطق شاسعة تمثل حوالي 20 في المائة من الصحراء المغربية.
ي. س

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى