fbpx
خاص

إصـلاح التقاعـد…العـودة إلـى نقطـة الصفـر

لجنة تقصي الحقائق شخصت المشكل ووضعت مجموعة من المعايير للإصلاح

CMR230610Bz0أوصت لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق المغربي للتقاعد بمجلس المستشارين، الدولة بأداء ما بذمتها من متأخرات مع احتساب الفوائد والتسبيقات المحولة للعسكريين، وتجميد الإصلاح المقياسي الحكومي وتعويضه بإصلاح شمولي، وضبط صدقية البيانات المتعلقة بانخراطات الموظفين مع الخزينة العامة، وإحداث نظام خاص بالتعويضات العائلية، ومراجعة نسبة مساهمة الدولة والمشغل والمنخرطين، الثلثين مقابل الثلث ومراجعة عقارات الصندوق.

استدعاء وزراء بمفوض قضائي

اصطدمت  لجنة تقصي الحقائق حول التقاعد بواقع حكومة تصريف الأعمال والجدل الذي رافقه بين البرلمان والحكومة، إذ امتنع عدد من المسؤولين السياسيين عن الحضور لجلسات الاستماع، وهو الأمر الذي اضطرت معه اللجنة إلى توجيه الاستدعاء عن طريق مفوض قضائي، وطبق على  محمد مبديع، وزير الوظيفة العمومية، ومحمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية.

 وتمثلت الصعوبات في رفض بعض المستوجبين الإجابة عن تساؤلات أعضاء اللجنة رغم أدائهم للقسم،  كما سرب عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة ، ورئيس المجلس الإداري للصندوق المغربي للتقاعد، معطيات أرخت بظلالها على عمل اللجنة .

عوامل أضعفت الصندوق

يرتبط هذا المؤشر أساسا بتزايد عدد المتقاعدين مقابل انخفاض عدد المنخرطين، وله تأثير في إفلاس الصندوق في 2021، إذ انتقل عدد المنخرطين من 12  نشيطا لكل متقاعد واحد في 1986، إلى 2.2 في 2016 وينتظر أن يصل المؤشر إلى 1.5 نشيط لكل متقاعد في 2024 ، وارتفاع أمد الحياة وتأخر الولوج إلى الوظيفة العمومية من 24 سنة في 1986 إلى 27 سنة في 2014 ما نتج عنه انخفاض متواصل في مدة الاقتطاعات والمساهمات.

ويساهم المؤشر المالي بدوره في إعطاء تفسير لتدهور وضعية نظام المعاشات المدنية من زاوية أخرى والمتعلقة بأداء معاشات المتقاعدين بناء على آخر أجر يتقاضاه الموظف، وأسهم في هذا التدهور نتيجة عدم التناسب بين المساهمات المحصلة من قبل النظام والمعاشات المستحقة، وكذا المنحنى التصاعدي الذي تعرفه الترقية في الدرجة بالإدارات العمومية مع اقتراب موعد الإحالة على التقاعد، والذي قد يتواصل مستقبلا إذ انتقلت نسبة الأطر من فئة المتقاعدين من 12 في المائة في 1990، إلى 38 في المائة في 2005، ثم إلى 42 في المائة في 2010 وأخيرا إلى 50 في المائة في 2015.

ويعزى ظهور هذا الاختلال أيضا لطبيعة نظام التقاعد المعمول به المبني على التوزيع الذي يعتمد على مبدأ التضامن بين الأجيال والفئات، وهذا ما يجعل من الصعوبة الحفاظ على التوازنات المالية للأنظمة التي يدبرها الصندوق المغربي للتقاعد .

خروقات تتحمل الدولة مسؤوليتها

رصدت لجنة تقصي الحقائق مجموعة من المخالفات القانونية في خرق سافر لنصوص صريحة وواضحة لا تقبل أي هامش للتأويل وذلك عبر تجميد الصندوق المغربي للتقاعد دون سند قانوني في 1957 إذ لم ينعقد مجلسه الإداري ولم يصدر أي إجراء قانوني إلى غاية 1996، و صرح محمد بندريس، المدير الأسبق بأن الصندوق كان قائما كتسمية فقط منذ 1958 بعد إقباره طيلة ما يناهز 40 سنة لتتم إعادة إحيائه  في 1996 .

 وسجلت لجنة تقصي الحقائق عدم التنصيص على مساهمة الدولة كمشغل في القانون المنظم لنظام المعاشات المدنية الصادر في 1971، إذ أن جل القوانين المنظمة لأنظمة التقاعد المساهماتية تنص على مساهمة مشتركة بين الهيأة المشغلة والمأجورين وهو ما كان مكرسا في السابق بمساهمة محددة في 12 في المائة، بالنسبة للدولة كمشغل و6 في المائة بالنسبة إلى المنخرطين بناء على القرار الوزاري الصادر بتاريخ 15 دجنبر 1951، ولم يتم تجاوز هذا الحيف تجاه المنخرطين إلا جزئيا بعد إصلاح بداية الثمانينيات في 1989 والمحدد في هذه المساهمة في 7 في المائة، بالنسبة للدولة و7 في المائة بالنسبة إلى الأجراء.

كما حصل خلط في الحسابات والأصول العقارية للأنظمة التي يدبرها الصندوق  إذ وقفت اللجنة على وجود خلط في حسابات الأنظمة التي يدبرها الصندوق المغربي للتقاعد وفي الأصول العقارية لهذه الأنظمة وذلك على مرحلتين، الأولى تمتد  من 1958 إلى غاية 1996، كانت فيها حسابات نظام المعاشات المدنية تدبر بشكل مندمج في الميزانية العامة للدولة وكان هناك حساب واحد، إذ تتولى تسيير هذه الأنظمة مصلحة بوزارة المالية كما صرح بذلك بندريس، والمرحلة الثانية ما بعد إعادة هيكلة الصندوق في 1996 التي استمر خلالها تسديد عجز نظام المعاشات العسكرية من فائض نظام المعاشات المدنية وهو ما يتعارض مع مقتضيات المادة 12 من القانون التي تنص على ضرورة الفصل التام بين حسابات الأنظمة المذكورة التي تتم مراقبتها على حدة من خلال البيانين المحاسبي والحسابي المعدين في نهاية كل سنة محاسبية

أما وضعية الأصول العقارية فقد وقفت اللجنة على حقيقة مفادها أن نظام المعاشات المدنية لا يتمتع بالشخصية المعنوية الأمر الذي لا يسمح له بتسجيل مقر العرعار باسمه  مع العلم أنه محاسباتيا يشكل النظام الوحيد  الذي كان يعرف فائضا من الأنظمة التي يدبرها الصندوق المغربي للتقاعد وهو ما دفع المجلس الإداري للصندوق خلال دورته المنعقدة بتاريخ 28 و29  يناير 2002،  إلى إصدار توصية بتسجيل هذا المقر ضمن الاستثمارات العقارية لفائدة نظام المعاشات المدنية ليتراجع عن هذه التوصية في اجتماعه المنعقد بتاريخ 27  يونيو 2011،  وأوصى بتسجيله باسم الصندوق للاعتبار السالف الذكر.

عدم قانونية أداء التعويضات العائلية

 سجلت اللجنة انطلاقا من تصريحات التهامي البركي، المدير السابق لمديرية التأمينات والاحتياط الاجتماعي بوزارة الاقتصاد والمالية، أن أداء هذه التعويضات يتم من حسابات نظام المعاشات المدنية، بطريقة غير قانونية وليس لإدارة الصندوق المغربي للتقاعد الحق في صرفها وأن الدولة هي من يتوجب عليها أداء هذه التعويضات، وهذا ما تم تأكيده في تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الصندوق المغربي للتقاعد الذي أكد على أن تحمل أداء التعويضات العائلية من قبل نظام المعاشات المدنية كان من بين العوامل التي ساهمت في اختلال النظام، إذ لا توجد احتياطات ولا اشتراكات خاصة بهذه التعويضات على عكس باقي أنظمة التقاعد الأخرى وكذا رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

تغطية عجز المعاشات العسكرية

من خلال جلسات الاستماع والوثائق التي توصلت بها اللجنة تبين أن الصندوق المغربي للتقاعد دأب على تغطية عجز نظام المعاشات العسكرية من فائض نظام المعاشات المدنية منذ 1993 إلى غاية 2004 ،  إذ أن التسبيقات التي تمنح لنظام المعاشات العسكرية من نظام المعاشات المدنية تعد خرقا للقانون، وهكذا صرح عبد الإله بنكيران، رئيس المجلس الإداري للصندوق” أن القرار المتعلق بهذه التسبيقات لم يتخذه لا هو ولا وزير الاقتصاد المالية ولو أن الأمر عرض عليه لم يكن ليخالف القانون بشأنه ولكنه سيسعى بالمقابل إلى تعديل المقتضيات القانونية في هذا الشأن بما يتيح إمكانية الاستمرار في منح هذه التسبيقات لنظام المعاشات العسكرية، ثم إن الجيش من اختصاصات الملك محمد السادس أولا وقبل كل شيء ولم يتم تحويل أي مبلغ بعد 2009، من المعاشات المدنية إلى المعاشات العسكرية.

وصرح محمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية، “أن عجز نظام المعاشات العسكرية أصبح يؤدى حاليا من ميزانية الدولة مباشرة ولم تعد هناك تسبيقات كما أكد انه لا يعلم من اتخذ القرار بخصوص تلك التسبيقات”.

متأخرات مساهمات الدولة

على خلفية إثارة عدم أداء الدولة لمساهمتها باعتبارها مشغلا طيلة الفترة الممتدة من 1957  إلى  1996 تم تشكيل لجنة تقنية مكلفة بفحص متأخرات الدولة اتجاه نظام المعاشات المدنية ، وصرح محمد بندريس، المدير الأسبق للصندوق المغربي للتقاعد، بان اللجنة التقنية حددت المتأخرات في 19 مليار درهم و بعد المفاوضات تم الاتفاق على 11 مليار درهم .

وصرح فتح الله ولعلو، وزير الاقتصاد الأسبق بأن السياق العام لاتخاذ قرار أداء الدولة للمتأخرات المستحقة عزاه إلى هشاشة المالية العمومية منذ 1971  إلى 2001، وكذا صدور بعض القرارات السيادية المهمة ذات الأثر المالي الكبير كبرنامج تحديث القوات المسلحة الملكية، ما جعل صانع القرار يعيش في إطار تدبير الندرة مشيرا إلى أن اختيار ذلك السيناريو من بين السيناريوهات الثلاثة أملته هذه الاعتبارات.

وقال حسن بوبريك، رئيس هيأة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، إن تسديد هذه المستحقات لم يأخذ بعين الاعتبار الفوائد المترتبة عن الفترة الممتدة من تاريخ استحقاقها إلى تاريخ تسديدها كما أكد انه بالإمكان احتساب الفوائد على هذه المتأخرات.

وخلصت لجنة تقصي الحقائق إلى أن عدم أداء مساهمات الدولة طيلة 40 سنة فوت على نظام المعاشات المدنية فرص استثمار الأرصدة الاحتياطية في الأسواق المالية .

  ضم التعويضات إلى الراتب الأساسي

يرتبط هذا الإشكال بضم التعويضات القارة والدائمة إلى جانب الراتب الأساسي في وعاء احتساب المعاش منذ 1990،  إذ صرح التهامي البركي، المدير السابق لمديرية التأمينات والاحتياط الاجتماعي، بأن ضم هذه التعويضات كان من بين أسباب اختلال التوازن المالي لنظام المعاشات المدنية وان شراء الاقتطاعات مقابل هذه التعويضات بين 1990 و1997 سواء بالنسبة لمساهمات الإجراء أو مساهمات الدولة مشغلا لم يتم بالطريقة العلمية الصحيحة.

و أكد أن الدولة لم يفرض عليها هذا الشراء كما فرض على الأجراء حسب تصريح محمد بندريس، المدير الأسبق للصندوق الذي استمعت إليه لجنة التقصي في وقت سابق، إذ لم يستطع تأكيد أونفي هذا الشراء وهل أدت الدولة أو لم تؤد المبالغ  المترتبة عنه كما لم يستطع تفسير الفرق بين مساهمات الدولة ومساهمات المنخرطين المسجل بين 1997 و2015، إذ كانت مساهمات المنخرطين دائما تفوق مساهمات الدولة بفارق بلغ 5 ملايير و330 مليونا.

تأخر الدولة في أداء أقساطها

 لاحظ أعضاء لجنة تقصي الحقائق تأخر الدولة في أداء مساهمتها بصفتها مشغلا بتزامن مع اقتطاعات المساهمين، وهو ما أثر بشكل سلبي على تدبير محفظة نظام المعاشات المدنية وبالتالي ضياع فرص توظيف أمواله، بل أكثر من ذلك اضطر في بعض الحالات لبيع جزء من سندات الخزينة التي يتوفر عليها حتى يتمكن من الوفاء بالتزاماته كما حدث في 2005، إذ اضطر الصندوق إلى بيع أكثر من 3 آلاف سند من سندات الخزينة بقيمة 456 مليون درهم من أجل معاشات متقاعديه، مع غياب فوترة للفوائد المترتبة عن التأخير في الأداء، التي تقدر على أساس متوسط سعر التوظيفات التي قام بها الصندوق المغربي للتقاعد خلال السنة المحاسبية السابقة، غير أن نسبة هذه الزيادات عن التأخير لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال اقل من متوسط سعر أذون الخزينة لاثنين وخمسين أسبوعا الصادرة عن طريق المنافسة خلال الفترة نفسها.

غموض في صرف المعاشات

صرح التهامي البركي، المدير السابق لمديرية التأمينات والاحتياط الاجتماعي، أنه في تقرير الافتحاص ل2002  تحفظ حول العديد من المعاشات التي تحوم حولها شبهات و نبه وزير الاقتصاد والمالية لخطورة الأمر، وجاء ذلك في تقرير المجلس الأعلى للحسابات ل 2006 بأن الصندوق المغربي للتقاعد كان يصرف معاشات غير مستحقة جراء عدم إجراء مراقبة حول وفيات المتقاعدين وأزواج الأرامل، إضافة إلى جمع عدد كبير من المتقاعدين بين رواتبهم المدفوعة من ميزانية الدولة ومعاشهم التي يتم أداؤها من قبل الصندوق في تجاوز صريح لمقتضيات القانون.

خسائر الأسهم

يعتبر الصندوق المغربي للتقاعد ثاني مستثمر مؤسساتي بعد النظام  الجماعي لمنح رواتب التقاعد برصيد احتياطي لنظام المعاشات المدنية بلغ عند نهاية 2005 ، 84.92 مليار درهم قيمة محاسبية، و94.68 مليار درهم بقيمة السوق المالي.

كما أن سندات الخزينة التي تشكل الحصة الأهم من هذا الرصيد، جعلت نظام المعاشات المدنية يملك بطريقة مباشرة حصة مهمة من الدين العمومي للخزينة ما بين 13 و20  في المائة خلال الفترة الممتدة ما بين 2009 و2016.

كما أن النصوص التنظيمية المتعلقة بتوظيف احتياطات الصندوق لا تمنح هامشا، وهذه الأخيرة أكثر ضمانا للأرباح رغم مردوديتها الضعيفة، إذ عزت الأسباب إلى قلة الكفاءات المتخصصة في السوق المالي وتقنيات البورصة، ومن بين أهم ملامح سوء تدبير المحفظة المالية لنظام المعاشات المدنية ما تم تسجيله من خسائر في تدبير الأسهم،  خاصة تلك المتعلقة بشركة مناجم، والبنك الوطني للإنماء الاقتصادي رغم تحفظ وزارة الاقتصاد والمالية على شراء هذه الأسهم ومؤاخذتها لإدارة الصندوق على ذلك إذ ناهزت هذه الخسائر ما مجموعه 92 مليون درهم.

العبء المالي للمغادرة الطوعية

نظمت الحكومة في 2005 عملية المغادرة الطوعية لموظفي الدولة، كان من بين أهدافها التحكم في كتلة الأجور وهمت 37 ألفا و763 موظفا تشكل فئة الأطر منهم 53 في المائة ، ما أثر سلبا على التوازن المالي لنظام المعاشات المدنية من خلال دفع فوري لمعاشات المستفيدين وتوقف مساهمات الدولة، ما أدى إلى رفع التزامات الصندوق تجاه شريحة المستفيدين.ودفعت الدولة 8 ملايير درهم للصندوق  وأداء 500 مليون درهم لتغطية الفوائد.

مساهمة الجماعات الترابية

أشارت مذكرة صادرة عن الصندوق المغربي للتقاعد إلى عدم وضوح الرؤية بالنسبة لمساهمات الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية قطاعات مشغلة، إذ سجل فارق في مساهماتها، وقال الشرقي اضريس، الوزير المنتدب في الداخلية” هناك تنسيق واتصالات جارية بين وزارة الداخلية والخزينة العامة للمملكة من أجل تصفية كل المستحقات العالقة بذمة الجماعات الترابية لصالح الصندوق المغربي للتقاعد”، وأكد محمد بندريس، المدير الاسبق للصندوق،  أن” هناك فوضى على مستوى مساهمات الجماعات المحلية، ولديها متأخرات كثيرة”.

إعداد : أحمد الأرقام

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى