ملف الصباح

بوفراشن: المشكل ليس في القوانين بل في جيوب المقاومة

حياة بوفراشن
أستاذة علم الاجتماع نبهت إلى أن العنف الجسدي يلقى اهتماما أكثر من العنف النفسي والاقتصادي

ترى حياة بوفراشن، أستاذة في علم الاجتماع، أن المرأة هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن استمرار ظاهرة العنف ضدها، ذلك أن سن القوانين وإصدار المراسيم التطبيقية ليس هو الحل، فيما المشكل الرئيسي يكمن في جيوب
المقاومة المجتمعية والثقافية التي تستنجد في أغلب الأحيان بالدين لإضفاء المشروعية على سلوكاتها. وفي الوقت الذي أقرت فيه بوفراشن بتنامي الاهتمام بظاهرة العنف ضد النساء
في الفترة الأخيرة، نبهت إلى أن هذا الاهتمام غالبا ما ينصب على مظاهر  تتعلق بالعنف الجسدي، فيما لا يلقى العنف النفسي والاقتصادي الاهتمام المطلوب.
تفاصيل أكثر في الحوار التالي:

في نظركم لماذا تستمر ظاهرة العنف ضد النساء، رغم مضي أزيد من خمس سنوات على صدور مدونة الأسرة وصدور قوانين تصب جلها في مجال محاربة الظاهرة؟
بالطبع المشكل ليس في سن القوانين وإصدار المراسيم التطبيقية التي قد لا تطبق في أغلب الأحيان. المشكل الرئيسي والأساسي يكمن في جيوب المقاومة المجتمعية والثقافية التي تستنجد في أغلب الأحيان بالدين -القرآن والسنة- لإضفاء المشروعية على الفتاوى الفردية والتأويلات التي تخدم المصالح الذاتية لأصحابها وسلوكات ومواقف غالبا ما تخلق وخز الضمير لدى مرتكبيها من جراء التناقض اليومي بين التشدق بالأفكار التقدمية الحداثية، وبين السلوكات البدائية المبنية على القوة البدنية والإرهاب النفسي والركوب على الشرع، إذ يلغى التفكير المتحضر والحوار الديمقراطي لإرضاء نرجسية غالبا ما تكون المرأة-الأم، وراء رعايتها وتضخيمها.
فالحكومة تتجه نحو مأسسة محاربة العنف ضد النساء، من أجل النهوض بحقوقهن الاقتصادية والاجتماعية، إذ حقق المغرب تقدما كبيرا في هذا المجال، بفضل إستراتجية ومخطط عمل تنخرط فيه كل المكونات الحكومية والمؤسسات العمومية والمجتمع المدني، إذ اعتمدت الوزارة الوصية إدماج مقاربة البعد الترابي في برنامج مناهضة العنف، إذ تم التركيز على ست جهات من خلال برنامج تمكين، خصوصا تلك التي ترتفع فيها نسبة الأمية لدى النساء، وذلك لمواكبة أهداف  المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة والنساء القرويات.
ألا تعتقدون أن العنف ضد النساء مسألة ثقافية أكثر منها سلوكية؟
مما لا مراء فيه  أن المسؤولية تتحملها وبشكل كبير أولا وأخيرا المرأة في دور الأم، فالشاب الذي يتعود على تقدير أمه وأخواته ويتمثل صورتهن بايجابية  واحترام في ذهنه، يصعب عليه احتقار -وهو زوج- المرأة الزوجة أو زميلة العمل، وتسخيرها فقط لتلبية رغباته البيولوجية، وجعلها وعاء لتفريغ عقده النفسية. وللإشارة، فما قلت كان أيضا حصيلة تقرير حول المرأة العربية والقيادة (2009/2008) الذي أطلقته مؤسسة دبي للإعلام وصدر أواخر دجنبر من العام الماضي، تحت عنوان: «مفهوم المرأة العربية في العالم العربي»، وشاركت فيه 94 قيادة نسائية من 14 دولة عربية، إذ تبين أن الأم هي صاحبة الأثر الإيجابي الأكبر في مسيرة النساء المهنية وكان تأثيرها بنسبة 67 في المائة، يليها الأب بنسبة 66 في المائة، ثم الزوج بنسبة 61 في المائة، ثم بعد ذلك الأهداف والتطلعات والثقافة والمعرفة، بالإضافة إلى القيم التي تتمتع بها المرأة العربية ومنها قيم عائلية وكرامة وقيم أنثوية وتواضع ونزاهة وسمعة واحترام الذات والثقة بوجود الخير في الآخرين.
فالأبوان هما مفتاح النجاح أو الفشل عندما نتوافق جميعا  حول المقولة  «إن وراء كل عظيم امرأة أو وراء كل عظيمة رجل»، من المحقق أن هذا صحيح، لكن العظمة لا تبنى في سن الثلاثين، أي مرحلة الزواج، وإنما هو بناء متواصل منذ الطفولة المبكرة، إذ تحدد ملامح الشخصية السوية المتزنة، وتتفتق المواهب وتصقل الشخصية في مرحلة الشباب، وكل هذا يكون الفرد ما يزال تحت وصاية أسرته لصيقا بأبويه، يتقمص شخصياتهما ويبحث عن القدوة في سلوكاتهما اليومية.
العنف الممارس ضد المرأة المغربية أنواع: جسدي ومعنوي، أسري، في العمل، في الشارع.. برأيكم، ما أكثر هذه الأنواع تأثيرا على المرأة؟
أعتقد أن ما يمارس من عنف بدني ونفسي داخل الأسرة المغربية أكبر من أن يتصور أو يعرف حجمه، فالبيوت أسرار، ولكل أسرة رحلتها مع العنف، كل ما في الأمر أن القيود والضغوط الاجتماعية تدفع كل واحد إلى إيجاد فلسفة خاصة به، وليبرر دوره في مسرحية الصمت الجماعي التوافقي، حفاظا على الشكل الاجتماعي أحيانا وعلى كرامة الأسرة واستمراريتها أحيانا أخرى.
ويأتي إلى جانب العنف الأسري والزوجي، العنف في بيئة العمل والعنف المعنوي والإداري والسياسي، حيث هيمنة الرجل على المناصب الإدارية العليا وانحياز السياسات الخاصة بشؤون الموظفين إلى الرجل وفقدان خيارات القيادة والتدريب واستثناء النساء من شبكات التواصل الرجالية خارج أماكن العمل وعدم إشراكهن في صناعة القرار.
هل العنف ضد المرأة يوجد أساسا في أسر وعائلات الطبقات الفقيرة دون الميسورة؟ أم أنه لا يوجد فرق؟
العنف لا يلتزم بمكان ولا زمان. كل ما في الأمر أنه يأخذ لون وحجم الطبقة السسيو-اقتصادية والسسيو-ثقافية التي ينتمي إليها. ربما الظروف المادية الصعبة  تهيئ أكثر الطبقات الضعيفة للعنف بسبب التوتر والضغط النفسي، وتعدد أوجه ومواقف الإحباط من جراء ضيق ذات اليد وقلة فرص العمل وتعدد الأطفال  وتزايد طلباتهم، علاوة على ازدحام فضاءات السكن والتعايش اليومي وصعوبة التنقل، وما إلى ذلك من مستلزمات الحياة اليومية.
في رأيكم، ما الذي يجب القيام به للحد من الظاهرة؟ أو بصيغة أخرى، ماذا ينقص القوانين الصادرة حتى تأتي أكلها ويتم التقليل من العنف ضد النساء؟
محاربة هذه الظاهرة هي مسؤولية تقع على عاتق الحكومات والمجتمع والأفراد، ولكن المسؤولية الأساسية تقع على الحكومات، ذلك أنها صاحبة السلطة التشريعية والتنفيذية وتملك الوسائل التقريرية والقانونية لرفع الحيف عن مواطنيها، فوضع  الرقم الأخضر الوطني للنساء والفتيات ضحايا العنف الذي يعد آلية تقنية مجانية للتواصل عن بعد، يهدف إلى تقديم خدمات كالتوجيه والإرشاد القانوني والصحي والنفسي لضحايا هذه الظاهرة،  خطوة جبارة ومن الأهمية بما كان، ولكن نتمنى أن تليها خطوات أخرى، من قبيل أن تسن أولا أحكام جزائية للمعاقبة والجبر في حالات الاعتداء على النساء والفتيات سواء في المنزل أو العمل أو المجتمع عموما وأثناء الحجز وتسهر على تطبيق القانون بين المواطنين بدون تمييز، وتسخير الإعلام بكل أنواعه للتنديد بالعنف والإصغاء إلى النساء وتصديقهن دون طلب إحضار شهود على عنف ولو في فراش الزوجية، مع نشر ثقافة وفكر بديل  يحترم المرأة كفرد كامل الإنسانية، بالإضافة إلى محاربة المواقف الاجتماعية والثقافية المنسوبة إلى الدين، ودحض الأفكار والمعتقدات الجامدة التي تحط من شأن المرأة وتنتقص من آدميتها وتختزلها في الجسد، وإعطاء المرأة الفرص التعليمية والوظيفية التي تساعدها للمساهمة في مختلف مجالات العمل المتاحة لتحسين وضعها المادي وتعزيز استقلاليتها، وإنشاء مراكز استشارية أسرية تساعد على تخفيف التوتر بين الزوجين، وإنشاء مراكز لإيواء النساء المعنفات والمتضررات لتقديم الدعم والعلاج وتدريب الكوادر اللازمة لها.
وعلى العموم يمكن القول إنه في السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام بظاهرة العنف ضد النساء، إلا أن الاهتمام غالبا ما يصب على مظاهر تتعلق بالعنف الجسدي كجرائم الشرف والاغتصاب، غير أن  الأنواع الأخرى من العنف وخاصة النفسي والاقتصادي لم تلق الاهتمام المطلوب، رغم أن ضحاياها هن الغالبية الساحقة من الحالات ..
أجرت الحوار: هجر المغلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق