fbpx
خاص

هكذا أخضعت القرآن للنقد الصوتي

العراقي قاسم البريسم يكشف نتائج تحليلاته للخطاب الأدبي

في هذا الحوار  يبسط الباحث العراقي قاسم البريسم منهج النقد الصوتي وتطبيقاته على الكلام والخطاب الأدبي، كما يتحدث الأستاذ بجامعة لندن سابقا، عن اشتغاله على النص القرآني ونماذج من الشعر الجاهلي وخطب بلغاء العرب وأشياء أخرى تجدونها في هذا الحوار الذي خص به “الصباح” على هامش معرض الكتاب.

< ما هي محددات اختيارك منهج النقد الصوتي لتحليل الكلام والخطاب الأدبي؟

< قادتني دراستي لعلم الأصوات بفروعه المتعددة (علم الأصوات الفيسيولوجي والفيزيائي والسمعي) في بريطانيا إلى هذا المنهج، فقد كشفت لي دراستي المعمقة أهمية هذا المنهج في تحليل الكلام سواء أكان نثرا أم شعرا، فقد وفرت لنا الدراسة معرفة هائلة حول طبيعة أصوات لغتنا العربية خصوصا من الناحية الفيزيائية والسمعية وتأثيراتها على المتلقي (القارئ أو السامع)، فأدركنا من خلال تحليل طبيعة الأصوات الفيزيائية في أجهزة «الرسم الطيفي» spectrophotometry، اختلاف وتباين أصوات لغتنا العربية من حيث تركيبها الفيزيائي، أي نوعية ذبذباتها، وطبيعة الجهر  والهمس فيها، وتأثير كل ذلك على القارئ والسامع للكلام عندما يوضع في جمل وعبارات أو نصوص، وبالتالي نستطيع أن نكشف قوة تشكيل الكلام وضعفه وسر جماليته وارتباطه بالدلالات والمضامين في النص، سواء أكان شعرا أو نثرا. وقد كان للتطور السريع في علم دراسة الأصوات، تأثير كبير في نشوء المنهج الصوتي في تحليل ونقد النص الأدبي والشعري، لذا وجدنا الكثير من نقاد الشعر الذين وظفوا هذا المنهج في تحليل ونقد الأعمال الشعرية المشهورة لشكسبير وإليوت وهوبكنس وغيرهم، وكشف نقاط القوة والضعف في أعمالهم من خلال التركيب الصوتي وبناء الجملة فيها، وبذلك عرفنا أسرار تألق الأعمال الشعرية ومواطن جماليتها.

وقد حاولت تقفي آثار النقاد الانجليزـ ودراستهم وتحليلهم لمشاهيرهم وفقا لهذا المنهج، بعد أن توفرت عندي مادة غزيرة حول طبيعة تشكيل الكلام، وأسرار قوته وضعفه وتأثير ذلك على جمالية النص الأدبي والشعري.

< ما هي ملامح النقد الصوتي وكيف يعمل داخل النص؟

< النقد الصوتي لا يحلق في الفضاء، ولا يستخدم وسائل غريبة وبعيدة عن النص، بل إنه يبدأ بالأصوات التي هي رحم الكلمات، وينتهي بها، فالأصوات ذرات الكلام المتجمعة في الكلمات، داخل محيط اللغة، والمنطلقة من قاموس الأفراد.

فهو يبدأ من أصوات الكلمة، ويكشف عن طبيعتها وقوتها وأهميتها في تشكيل الكلمة وموسيقاها، وأهمية كل هذا في التأثير على دلالتها في سياق الكلام، كما يكشف هذا النقد أنواع المقاطع الصوتية للكلمة، ويسلط الضوء على نوعيتها من حيث قوة وضوحها السمعي، وتأثير ذلك على موسيقى وإيقاع الكلمات في الشعر مثلا، وإبراز الدلالات والمضامين في النص والأبيات الشعرية، والشيء المهم من وراء ذلك كشف طبيعة الأصوات الفيزيائية ونوعية الوضوح السمعي في المقاطع الصوتية للكلمة، هو ربط كل هذا بالحالة النفسية للمبدع، وعلاقة قوة تركيب الكلام وضعفه بجمالية النص والدلالات الحاملة له.

والشيء الأهم الذي ينبغي أن ننتبه له أن النقد الصوتي الذي يسعى إلى كشف طبيعة تشكيل الكلام لا ينفصل مطلقا عن ربط تركيب الكلام بالمعنى والدلالة، فهو نقد يقوم بالأساس على العلاقة بين المعنى وتشكيله فالمعنى والتركيب مثل وجه الورقة وظهرها لا يمكن فصلهما مطلقا، فنحن لا يمكن أن نجد عملا عظيما قام على المعنى وحده دون أن يكون وراءه تركيب لغوي، خصوصا تركيبه الصوتي، فالتركيب الصوتي هو الذي ينهض بالمعنى ويبرزه ويعطي قيمة للدلالات والمعاني العظيمة فيه، وإلا بقيت مستورة ومخفية في الكلام.

هناك الكثير من الظواهر التركيبية التي يهتم النقد الصوتي بكشفها في النص الأدبي والشعري، لا يمكن تناولها في هذا الحوار، منها خارطة الهمس والجهر والتفخيم في الكلام والسمات فوق التركيبية وغيرها التي تلعب دورا في جمالية التركيب وتوضيح دلالته.

< ما هي مجالات تطبيق هذا المنهج؟

< النقد الصوتي يعمل على كل ما تنطبق عليه تسمية «الكلام» وهو التحقيق الفيزيائي والمادي للغة، فكل شيء ينطقه الإنسان أو يكتبه يمكن أن يصبح موضوعا لتحليل النقد الصوتي، لكن النقاد الإنجليز وظفوه في تحليل الأعمال الأدبية الشهيرة لشعرائهم، أمثال شكسبير وورزورث وهوبكنز وإليوت وغيرهم، ثم انتقلوا إلى توظيفه في تحليل النثر مثل الرواية، وكان السؤال الذي يوجههم هو لماذا تتميز بعض الأعمال الشعرية والأدبية؟ وما هو سر التميز فيها؟ وبعد تحليل هذه الأعمال والاعتماد على منجزات علم الصوت، في كشف طبيعة الأصوات الفيزيائية وتأثيرها على أذن السامع مباشرة أو القارئ وجدوا أن التركيب اللغوي والصوتي، على وجه الخصوص، هو السر وراء جمالية الإبداع الشعري العظيم، لذا تتميز بعض الأعمال الشعرية عن غيرها، ومن هنا أصبح بإمكاننا أن نحكم على أسباب تألق الكثير من الأعمال وسر قوة تركيبها الصوتي والدلالي، وفي الوقت نفسه أسباب ضعف الأعمال الشعرية الأخرى، ولا فرق بين الشعر الانجليزي والشعر العربي في هذا النقد والتحليل.

بالنسبة إلي طبقت هذا المنهج بداية على الشعر الجاهلي خاصة روائعه المتعلقة بشعر النذير  للحرب، خاصة من خلال قصيدة للشاعر الجاهلي لقيط بن يعمر الإيادي يقول فيها: «أَبْلِغْ   إِيَادًا   وَخَلِّلْ    فِي    سَرَاتِهُمُ   /  إِنِّي أَرَى الرَّأْيَ إِنْ لَمْ أُعْصَ قَدْ نَصَعَا»، وقد تمخض نقد القصيدة وتحليلها وفقا للمنهج الصوتي وكشف أسرار قوة بنائها اللغوي الصوتي والدلالي وعلاقة البناء الصوتي للقصيدة بالمسارات الدلالية والمعاني المختلفة وتأثيره في جمالية القصيدة، عن كتاب أصدرته بداية التسعينات بعنوان «شعر لقيط بن يعمر الإيادي: دراسة صوتية»..

كما اشتغلت على قصيدة «أنشودة المطر» للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وحاولت تحليلها وكشف مواطن القوة والإبداع في تركيبها الصوتي، وبراعة السياب في انتقاء المفردات التي تضم أصواتا محددة وذات طبيعة فيزيائية خاصة، تتناسب مع مضامين القصيدة ومسارها الدلالي، ولقي هذا التحليل إعجابا من قبل النقاد العراق والعرب في مهرجان المربد الشعري منتصف التسعينات، لما فيه من إمكانية في تحليل البنية الصوتية وطبيعة تركيبها الداخلي، والوقوف على أسرار قوة تشكيلها في القصيدة، كما أعقبها تحليل مجموعة أخرى من الأعمال الشعرية نشرت نتائجها في كتاب بعنوان «منهج النقد الصوتي في تحليل الخطاب الشعري».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى