خاص

بانوراما الصيف: القضاء في تاريخ المغرب – الحلقة 11 –

المجلس الأعلى

قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.
ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير

مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال.

بعد الاستقلال توج القضاء المغربي بإحداث المجلس الأعلى بظهير 27 شتنبر 1957، لمراقبة مدى سلامة تطبيق القوانين ومراقبة صحة القرارات القضائية وضمان وحدة الاجتهادات القضائية. هذه المؤسسة ساهمت في إعطاء تصور جديد عن النظام القضائي المغربي، إذ أسندت إليه مهمة سن اجتهادات للمحاكم العادية لملء الفراغ التشريعي الناجم عن عدم وجود قوانين مكتوبة تبت عمقا وشكلا في الميدانين المدني والتجاري، وتحدد المسطرة لدى القضاء الشرعي. وعمل المجلس على إعطاء دينامية جديدة لمجموعة قوانين 1953، التي كانت ما تزال تطبق جنائيا في حق المغاربة من خلال تأويلها تأويلا يحترم كرامة الإنسان.
ينظر المجلس الأعلى في الطعون المقدمة ضد الأحكام والقرارات الصادرة نهائيا في كل المجالات، كما يقرر نقض أو إبطال القرار وإحالة النازلة على محكمة أخرى مماثلة للمحكمة التي اتخذت القرار بانتمائها إلى الدرجة نفسها أو على المحكمة نفسها شريطة أن تكون مكونة من هيأة قضائية مخالفة، وتمتد صلاحيات المجلس الأعلى إلى القضايا التي تتعلق بخرق قانون الأحوال الشخصية وإن كان قانونا أجنبيا، وخرق قواعد جوهرية وخرق قواعد الاختصاص والشطط في استعمال السلطة، ونقصان أو انعدام التعليل وعدم الارتكاز على أساس قانوني. ولم تقتصر مهام المجلس الأعلى على تلك الاختصاصات فقط بل تعدتها إلى البت في الشطط في استعمال السلطة من طرف القضاة في حال اتخاذهم قرارا لم يطالب به الخصم أو ينتقد سلطة إدارية وفي تنازع الاختصاص الإيجابي والسلبي بين المحاكم، ومراجعة الأحكام في الميدانين الجنحي والجنائي عندما يتم  الكشف عن عنصر جديد أو تدليس بعض الشبهات على قرار اتخذ صبغة نهائية، ويمكن في مثل هذه الحالة أن يقرر منح تعويضات عن القرار المذكور.
وتدخل مخاصمة القضاة في المهام الإضافية للمجلس، وتقع عندما يطالب متقاضي التصريح بمسؤولية القاضي أو المحكمة عدا المجلس الأعلى عن الضرر الناتج عن تدليس أو ابتزاز أو وجود إنكار للعدالة، وبإمكان المجلس الأعلى تعيين محكمة أخرى حينما تتهم المحكمة المختصة بالتحيز أو سحب القضايا من أي محكمة من أجل المصلحة أو الأمن العامين كلما وجد تخوف من عدم توفر النزاهة لدى المحكمة واحتمال حدوث اضطرابات جراء ذلك.
كما يبت المجلس في جلسة تضم جميع الغرف، في قضايا الأشخاص الذين يتمتعون بامتيازات قضائية تم النص عليها في قانون المسطرة الجنائية.
وبالنظر إلى الفترة التي كان يمر منها المغرب قبيل الاستقلال فقد تحول المجلس إلى مثل مختبر حقيقي تتمخض عنه أفكار وتجارب قضائية وتطورت مهامه واتسعت لتشمل تحري مشاريع قوانين موحدة مهدت لتوحيد الأنظمة القضائية نفسها.
في سنة 1958 تقرر حذف المحكمة العهليا الشريفية التي كانت لها صلاحيات القيام بمهام النقض، واسند النظر في طلبات الاستئناف إلى محكمة الاستئناف بالرباط التي اشتملت على ثلاث غرف تابعة لنظام المحاكم العادية، استئنافات مدنية وجنحية وتهم الاتهامات التي عهد البت فيها إلى قضاة مغاربة كان أغلبهم ينتمي إلى المحكمة العليا الشريفية ويشتغل باللغة العربية. المصير نفسه عرفته محكمة الاستئناف بتطوان إذ تم حذفها وإدماجها بمحكمة الاستئناف بطنجة التي يشمل نفوذها المنطقة الشمالية بأكملها، فخضعت لسلطتها محاكم طنجة وتطوان والناظور الإقليمية.

كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق