خاص

بانوراما الصيف: تجارة النساء…الوجه الجديد للاسترقاق – الحلقة الرابعة –

كمبوديا…وكر  دعارة الأوربيين

تغوص الكاتبة والصحافية المكسيكية ليديا كاتشو، في كتابها، «تهريب النساء»، في العالم المظلم لتجارة الجنس، لتظهر أن القوانين والمواثيق العالمية لم تتمكن من الوقوف في وجه ظاهرة استرقاق البشر، في شكلها المتمثل في الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات الصغيرات، والتي أضحت تتخذ أشكالا أكثر تنظيما تشرف عليها «مافيات» منظمة، وتحظى، في

أحيان كثيرة، بحماية السلطات الرسمية.  ولأجل ذلك، جابت كاتشو ثلاث قارات في تحقيق دام خمس سنوات، استمعت خلاله إلى المهربين والضحايا اللواتي يتحول كثير منهن إلى مستغلات، والوسطاء والزبناء وأعضاء في المافيا والجسم العسكري والسلطات العامة، التي تتفشى في أوساطها الرشوة بشكل كبير، كما التقت أيضا ضحايا تمكن من الخروج من مستنقع الاستغلال الجنسي.
تورد «الصباح» في هذه الحلقات مقتطفات من رحلة كاتشو، التي قادتها إلى تركيا وفلسطين وإسرائيل واليابان وكمبوديا وبيرمانيا والفييتنام والأرجنتين والمكسيك، واستقت منها أزيد من مائة شهادة صادمة في بعض الأحيان، تؤكد العلاقة ما بين غنى وسلطة المستغلين، والفقر والفروق الاجتماعية التي يعانيها الضحايا.

في كمبوديا، يعتبر مشهد رجال أوربيين أو أمريكيين في الخمسين أو الستين من العمر يرافقون فتيات في الثانية عشرة من عمرهم مألوفا في شوارع المدن الكبرى. في المطار، توزع مصالح الهجرة مطويات على السياح الذين يصلون إلى البلد، تضم أهم القواعد الواجب احترامها، وتعتبر شراء خدمات مرتبطة بالسياحة الجنسية للأطفال جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن، لكن الحقيقة على أرض الواقع أمر آخر.
تفيد منظمات حقوق الإنسان في كمبوديا وجود حوالي 2000 ضحية سنويا، و1000 تستغل في التسول أو في الأشغال المنزلية. وكما هو الحال في تايلند، فإن 70 في المائة من مستهلكي جنس الأطفال والعاملين فيه هم من أبناء المنطقة، إذ تعمل شبكات المهربين تحت إمرة وحماية رؤساء المافيا، الذين يتعاونون مع نظرائهم الأجانب.
أسست جمعية «هغار» ملجأ للطفلات ضحايا الاستغلال الجنسي. يستقبل الملجأ، الذي يستفيد من تمويل غربي، فتيات تعرضن للاستغلال الجنسي في الماضي ويساعدهن على بدء حياة جديدة بمساعدة أخصائيين نفسيين. تأثير هذه التجارب الأليمة واضح على شخصية الطفلات الصغيرات، اللواتي لا تتجاوز أعمارهن عشر سنوات، وحركاتهن التي يحاولن من خلالها إغراء الغرباء. «يلقن المهربون الأطفال، الذين عادة ما يتم بيعهم من طرف أحد الأبوين، كيف يلفتون الانتباه، لأن الطفلة التي تنجح في ذلك تعلم أنها ستحظى بمعاملة أفضل وأجر أعلى كذلك»،  تقول الأخصائية النفسية للمركز، التي تؤكد صعوبة العمل مع نزيلات المركز الصغيرات من أجل تغيير طريقة تعاملهن التي يطغى عليها الجنس والإيروتيكية بكل أبعادها.
دا، فتاة كمبودية عانت الكثير جراء استغلالها جنسيا من طرف شبكات تهريب النساء. إذ اضطرتها ظروف الحياة لمغادرة  قريتها الصغيرة وهي في الثالثة عشرة من العمر بحثا عن مورد رزق، ليلم المرض بوالدتها وتضطر إلى الاستدانة من مدير مركز التدليك الذي تعمل فيه، الذي منحها 400 دولار، وهو المبلغ الذي جعلها رهينة له ودفعها لتلبية رغبته بإقامة علاقات جنسية مع زبناء المحل. تتذكر دا كيف كان الزبناء يسيؤون معاملتها، لكنها تتذكر أيضا فرنسيا حاول عتقها، إذ طلب «استئجارها» لشهر في غرفة الفندق الذي يقيم فيه مقابل 1500 دولارا، وقام بعد ذلك بعتقها وسافر إلى هولندا، كما ظل يبعث لها مبلغا شهريا بقيمة 150 دولارا يساعدها على تدبر أمورها بعيدا عن الدعارة، قبل أن تفقد دفتر التوفير في البنك، وتعود إلى الدعارة بعدما باعتها صديقتها إلى صاحب إحدى الحانات، تحت وعد العمل نادلة، فتنجب ابنة من أحد زبناء الحانة.
وتشكل المافيات الصينية المعروفة باسم «الثلاثيات»، اليد الأقوى في شبكات استغلال القاصرات في كمبوديا وشرق آسيا بشكل عام، وفي تجارة المخدرات. وتستفيد هذه المافيات من إرثها السياسي ونفوذها الكبير في المنطقة والعالم من أجل بسط سيطرتها على كل أنواع التجارة غير الشرعية في المنطقة.
« إنهم يملكون الكثير من المال والسلطة»، تقول زوجة سابقة لأحد مهربي المخدرات. «بدأ زوجي وعصابته في تجارة الفتيات الصغيرات، ثم اكتشفوا أن بإمكانهم مبادلتهن مع زملائهم في المنطقة. يتم استقطاب الفتيات من طرف مافيات متخصصة في العذراوات، ويتم تغييرهن بعد ذلك كل سنتين»، وتضيف «تعمل هذه المافيات في نشاطات مختلفة، ولها معامل لإنتاج مواد كيماوية ويضطلعون في تهريب أقراص «دي في دي» والموسيقى. ورغم التغييرات السياسية والإبادة الجماعية التي قام بها الخمير الحمر، فإن الشبكات التجارية ظلت قائمة وتم الاستيلاء عليها من طرف المافيات».
تتخصص بعض «المافيات الثلاثية» في تجارة الفتيات الصغيرات، إذ يتم تشغيلهن في معامل صناعية في ظروف مزرية أو يتم استغلالهن جنسيا في دور للدعارة أو مراكز للتدليك.  وتفجرت في المكسيك، قبل سنوات، قضية شابة صينية في كنكون فرت من قبضة المافيات الثلاثية الصينية. لم تتم متابعة أعضاء المافيا في المكسيك رغم الشهادات الصادمة التي أدلت بها الشابة الصينية حول كيف قاموا باستغلالها جنسيا وتابعوها إلى غاية وصولها إلى المكسيك، وهو الأمر الذي تفسره الشرطة بغياب الدلائل الملموسة ما عدا شهادات الضحية وعدم وجود اتفاقيات تعاون أمني بين المكسيك والصين، كما هو الحال بالنسبة إلى كل قضايا التهريب الجنسي، التي ينجو مرتكبوها بفعلتهم رغم تقديم الضحايا لمعلومات دقيقة حول الأماكن والأسماء والأشخاص، قد تكون مفيدة جدا للتحقيق في الموضوع واكتشاف المزيد من الخبايا في عالم تجارة الرقيق الأبيض.

صفاء النوينو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق