fbpx
خاص

بانوراما الصيف: القضاء في تاريخ المغرب – الحلقة العاشرة –

عودة الروح إلى القضاء بعد الاستقلال

قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.
ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير

مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال.

بعد الاستقلال لم يكن مستساغا استمرار المحاكم الفرنسية والإسبانية في العمل، وأضحى من الضروري إقامة إدارة وتنظيم قضائيين جديدين، كانت المهمة الأولى التي قامت بها وزارة العدل بعد الاستقلال هي تنظيم المصالح المركزية بما فيها إدارة السجون التي تم إلحاقها بالوزارة، وصياغة تنظيم قضائي يستجيب إلى متطلبات فصل السلط بإنشاء محاكم منظمة.
جاء ظهير 4 ابريل 1956  لتنظيم المحاكم العادية التي حلت محل المحاكم المخزنية، فتأسست محاكم الحكام المفوضين التي تبت في القضايا بقاض منفرد، والمحاكم الإقليمية والمحاكم العليا الشريفة التي تبت بهيأة جماعية مكونة من ثلاثة قضاة. ولتجديد التسلل القضائي تم الاقتداء بما كان معمولا به على مستوى المحاكم الفرنسية، (محاكم الصلح والمحاكم الابتدائية ومحكمة الاستئناف. وفي 8 أبريل من السنة نفسها تم تنصيب 8 حكام مفوضين، ثم 24 آخرين في 12 يوليوز و20 من القضاة الشرعيين في غشت، وتم إحداث 12 محكمة إقليمية بالمراكز الرئيسية، وكانت الاستئنافات ضد الأحكام الصادرة عن الحكام المفوضين، الذين تم تنصيبهم في الدوائر التي كانت تابعة من قبل إلى المحاكم العرفية، ترفع أمام المحكمتين الإقليميتين لبني ملال والراشدية قصر السوق سابق، وسمح لهاتين المحكمتين بالاستعانة، عند الضرورة بمستشارين  يختاران من ضمن لائحة يضعها وزير العدل للبت في قضايا سبق للمحاكم العرفية أن أصدرت أحكاما بشأنها، وهي وسيلة لم يكن يلجأ إليها إلا نادرا، واحتفظ البند الخامس من الظهير نفسه للمحاكم العصرية والشرعية والعبرية على صلاحياتها في مجالي العقار والأحوال الشخصية.
في حين أن منطقة طنجة التي كانت تتمتع بمحكمة خاصة فقد خصها ظهير 11 أبريل 1957، بنظام خاص يلغي المحكمة المختلطة ويقر بتوحيد القضاء، وذلك بإحداث محكمة استئناف ومحكمة ابتدائية ومحكمة الحاكم المفوض، تقوم جميعها بتطبيق التشريع الخاص. وكان الحكام المفوضون يبتون نهائيا في المجالين المدني والتجاري في حدود مبلغ 20.000 فرنك، وابتدائيا مع احتمال رفع الاستئناف إلى المحكمة الابتدائية، عندما يصل المبلغ المتنازع عليه إلى 90.000 فرنك، وتشمل صلاحياتهم مجال عقود الكراء مهما كان المبلغ المطالب به، وفي المجال الجنائي كانت هذه المحاكم ومحاكم الباشوات والقواد التي لم تنشأ بدائرتها محاكم جديدة تبت في المخالفات والجنح المعاقب عليها بجزاء أقل من سنتين حبسا، وكانت تبت نهائيا كلما كان الحكم هو شهر حبس و10.000 فرنك غرامة، شريطة أن لا يتعدى التعويض المطالب به20.000 فرنك.
أما المحاكم الإقليمية فكانت تنظر في الاستئنافات المرفوعة ضد القرارات الصادرة عن الحكام المفوضين في النزاعات المدنية والتجارية التي تفوق 90.000 فرنك وفي الميدان الجنحي في الجنح المعاقب عليها بجزاء منة سنتين إلى خمس سنوات حبسا، وكانت المحاكم الإقليمية تعقد دورات جنائية مرة كل فصل، وتنظر نهائيا في الجنايات التي تحال عليها بمقتضى قرار الإحالة تصدره غرفة الاتهام التي تقرر إنشاؤها بالمحكمة العليا الشريفة.
أما الجرائم المرتكبة من طرف أعضاء الحكومة ومديري وأعضاء الديوان الملكي والعمال والقضاة والباشوات والقواد الذين كانوا يتمتعون بامتياز قضائي فتحال على المحكمة العليا الشريفة التي تنظر أيضا في الاستئنافات المرفوعة ضد الأحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الإقليمية، وأنشئت غرفة خاصة بهذه المحكمة العليا للبت في طلبات مراجعة أو نقض القرارات التي نطقت بها نهائيا محاكم القانون العادي في الميادين الجنائية والمدنية والتجارية.

كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق