خاص

بانوراما الصيف: تجارة النساء…الوجه الجديد للاسترقاق – الحلقة الثالثة –

اليابان… مافيا “الغيشا”

تغوص الكاتبة والصحافية المكسيكية ليديا كاتشو، في كتابها، «تهريب النساء»، في العالم المظلم لتجارة الجنس، لتظهر أن القوانين والمواثيق العالمية لم تتمكن من الوقوف في وجه ظاهرة استرقاق البشر، في شكلها المتمثل في الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات الصغيرات، والتي أضحت تتخذ أشكالا أكثر تنظيما تشرف عليها «مافيات» منظمة، وتحظى، في

أحيان كثيرة، بحماية السلطات الرسمية.  ولأجل ذلك، جابت كاتشو ثلاث قارات في تحقيق دام خمس سنوات، استمعت خلاله إلى المهربين والضحايا اللواتي يتحول كثير منهن إلى مستغلات، والوسطاء والزبناء وأعضاء في المافيا والجسم العسكري والسلطات العامة، التي تتفشى في أوساطها الرشوة بشكل كبير، كما التقت أيضا ضحايا تمكن من الخروج من مستنقع الاستغلال الجنسي.
تورد «الصباح» في هذه الحلقات مقتطفات من رحلة كاتشو، التي قادتها إلى تركيا وفلسطين وإسرائيل واليابان وكمبوديا وبيرمانيا والفييتنام والأرجنتين والمكسيك، واستقت منها أزيد من مائة شهادة صادمة في بعض الأحيان، تؤكد العلاقة ما بين غنى وسلطة المستغلين، والفقر والفروق الاجتماعية التي يعانيها الضحايا.

كانت زيارة «رودا» إلى مكتب ليديا كاتشو في المكسيك سببا في وضع الكاتبة اليابان ضمن محطات جولتها التي قامت بها للتحقيق في الاسترقاق الجنسي للنساء حول العالم. أخذت رود، الفتاة الأمريكية الجميلة، ذات البشرة البيضاء والشعر الأحمر، تحكي عن تجربتها في اليابان، وكيف قادتها الظروف لتجد نفسها في قلب عالم «الغيشا» الغامض.
كانت رودا في الثامنة عشرة من العمر عندما قررت السفر إلى اليابان. واجهت في بداية الأمر معارضة قوية من عائلتها، التي خشيت ماسي الغربة على ابنتها الصغيرة التي تلقت تربية دينية صارمة رسمت لها الحياة عبارة عن خير، تمثله العائلة، وشر لم تتمكن إلى غاية ذلك الوقت من الاقتراب منه. لكن إصرارها على اكتشاف العالم الآخر دفع عائلتها إلى الموافقة أخيرا، بعد اطلاع والدها على عقد الغناء الذي أبرمته مع أحد الملاهي في اليابان. «عند وصولي إلى هناك، تحكي رودا، أخبرت أن علي الانتظار أياما كثيرة حتى أتمكن من الغناء. كنت أجالس الزبناء في الملهى الراقي، وفي أحد الأيام، تم إعلامي أنه تم بيعي إلى وكالة للتجارة في الرقيق». حرمت رودا من جميع وثائقها الشخصية لمنعها من السفر، والتقت رودا بعد ذلك «غيشا» تدعى ميكو، دعتها للرقص في ناد آخر، حيث أصبحت جزءا من عالم الغيشا (اللقب الذي يطلق على اليابانيات اللواتي يكرسن حياتهن لتعلم الفنون وخدمة الرجال وارتبط اسمهن أحيانا بالدعارة)، والياكوزا (شبكات المافيا اليابانية).
تضيف رودا «طلب مني أعضاء الياكوزا الغناء، وصفقوا لي طويلا، وقدموا لي مشروبا. بعد دقائق، بدأت أفقد الوعي شيئا فشيئا وتم حملي إلى سيارة مرسيدس كانت أمام المحل. بعد ذلك علمت أنه تم تخديري للمشاركة في حفل جنسي. فتحت عيني ووجدت نفسي في قاعة فخمة، أمام عدد من الياكوزا الذين لا يرتدون سوى مناديل ملفوفة حول الخصر. شعرت بالخوف وحاولت الهرب، فتم الإمساك بي ووضع عصابة على عيني حتى لا أتعرف على هوية مغتصبي».
رودا هي إحدى القلائل اللواتي تمكن من الهروب من قبضة الياكوزا، واللواتي تحدثن علنا عن قصتهن وساعدن السلطات بتقديم معلومات محددة وأوصاف دقيقة. عند زيارتها إلى اليابان، شاهدت ليديا كاتشو  في حي غينزا ثلاث فتيات غيشا يعبرن الشارع، يتبعهن رجلان يرتديان ملابس سوداء. حاولت تصويرهن لكن أحدهم منعها من ذلك، وحاول مصادرة كاميراتها.
تسترسل رودا في الحديث عن قصتها، إذ تعرضت للاغتصاب من طرف 40 رجلا خلال 24 ساعة. بعد ثلاثة أيام، وبينما كان الياكوزا نائمين، هرعت الشابة إلى الشارع طالبة النجدة، وساعدتها فتاة صغيرة فتحت لها الباب وطلبت الشرطة، وقدمت لها ثوب «كيمونو» لتستر به جسدها. معاملة الشرطة في اليابان مع الفتيات ضحايا الاستغلال الجنسي هي نفسها كما في المكسيك أو كولومبيا أو روسيا أو تايلاند، إذ تتصرف ببرودة معهن، ويتم إفهامهن أنهن مجرد عاهرات لا حقوق لهن.  طلبت الشرطة من رودا إعادة تمثيل ما تعرضت له وتم اقتيادها إلى الملهى الذي كانت تعمل فيه أول مرة، حيث واجهت أسئلة الصحافيين الذين ظلوا يسألونها حول ما تعرضت له. «كان الموقف صعبا جدا بالنسبة إلي، ولم أستطع الاتصال بعائلتي إلا بعد مرور أسبوعين، بسبب حالتي النفسية الصعبة وأيضا بسبب شعوري بالحرج مما تعرضت له… خلال كل تلك الفترة، لم يفكر أحد في إخباري بان هناك سفارة أمريكية حيث يوجد أشخاص يتحدثون لغتي يمكنهم مساعدتي»، تقول رودا، التي ساعدت شجاعتها فتيات أخريات يتعرضن للاستغلال الجنسي، ودفعت منظمات حقوقية عالمية للاهتمام بطريقة عمل الياكوزا، الذين يظل الاستغلال الجنسي نشاطهم الأول.  
ودعت ليديا كاتشو رودا، التي قدمت لها نصائح حول أماكن وجود الياكوزا في اليابان، وأغنية سجلتها لطرد شياطين» الياكوزا من عقلها، تحمل عنوان «تنينات».

صفاء النوينو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق