خاص

بانوراما الصيف: ربع قرن من التعذيب (الحلقة التاسعة)

صدور الكتاب وتقرير جمعية فرنسا الحريات ولماني مازال أسيرا

لماني : ساعدني طبيب العيون على نقل تقارير إلى الخارج

عبد الله لماني الكهربائي الذي اختطف من طرف عصابات بوليساريو أثناء سفره من البيضاء إلى طاطا هو من كشف وجود مدنيين مختطفين بالسجون الجزائرية، بعد أن سرب من داخل سجن الرابوني لائحة بأسماء وهوية 142 أسيرا مغربيا أعدموا من

طرف المخابرات الجزائرية وخريطة مقبرة جماعية ل45 مغربيا ضمنهم عشرة مجهولي الهوية، لجمعية فرنسا الحريات التي ترأسها دانييل ميتران زوجة الرئيس الفرنسي السابق، ويتساءل عن مصير التقرير الفرنسي الذي أعاد جمعية فرنسا الحريات إلى صوابها، وأبرز لها حقائق ما يجري بسجون تندوف، وعن مصير مندوبة الجمعية عفيفي كرموس الفرنسية ذات الأصول التونسية، والتي دمعت عيناها عند رؤيتها جحيم تندوف، فقررت دعم الأسرى المغاربة، لكن اسمها اختفى واختفى معه  التقرير الصادم للسلطات الجزائرية الذي سبق أن نشر على موقع الجمعية الالكتروني.

كيف حصلت على لائحة الأسرى المقتولين والرسم الخرائطي للمقبرة الجماعية للمغاربة؟
سبق أن قلت لك إنني كنت أسجل بطاقة معلومات عن كل أسير قتل، كما كنت أسجل كل الحوادث البارزة التي وقعت داخل سجن الرابوني وكذا في الجوار، وكنت أستقي معلومات من المغاربة الأسرى الذين عملوا في عدة أمكنة أو أتوا  من عدة سجون ومراكز وكتائب مختلفة، أما في ما يخص الرسم الخرائطي للمقبرة، فإنني تطوعت حينها لبناء الشواهد الخاصة بالقبور، بعد أن عزمت الجبهة على وضع مقبرة بمواصفات تقيها الانتقادات الدولية، وبعد أن شاع خبر دفن الجثث في أماكن مختلفة من التراب الجزائري. وأؤكد أنه لو قامت الأمم المتحدة بجرد لباطن التراب الجزائري، حيث معاقل بوليساريو، لعثرت على الآلاف من الجثث، ولو حاول الجزائريون وآلتهم بوليساريو إخفاء الجثث، فإنهم لن يستطيعوا بحكم جهلهم لأماكنها، وبحكم أن عمليات الدفن التي كان ينفذها المغاربة الأسرى تحت الحراسة الأمنية، كانت اعتباطية.
قلت إنني تطوعت لوضع الشواهد على القبور، وكنت أبحث بعلمهم عن معلومات عن الموتى، وكنت أدونها في أوراق أخفيها عن أنظارهم، لم يكن هناك اهتمام بما كنت أعمله، فالمسؤولون الأمنيون يوفرون لي الاسمنت والرمال وكل متطلبات البناء والصباغة، وكنت أعمل داخل المقبرة البعيدة عن السجن تحت مراقبة أحد الحراس الذي همه الوحيد هو منعي من الفرار ليس إلا.

بماذا وعدتك الناطقة الرسمية باسم الجمعية؟
لم أكن أتوقع أن الجمعية ستنجز تقريرا  تعتمد فيه على ما سربت لهم من معلومات، فالفرنسيتان أعطتاني وعودا بأن تعملا على فضح ما يروج داخل السجن، لكن وبصراحة كنت اعتبرهما مواليتين لبوليساريو بسبب تصريحات الجمعية التي بلغتني قبل مجيئهما، ولو كنت أعرف أن الجمعية ستعطي أهمية لمواطن مدني مغربي أسير لكنت جمعت معلومات إضافية، وخاطرت بنفسي أكثر لأفضح شبكة المرتزقة التي تخفيها الجزائر فوق أرضها.

صدر الكتاب ولماني مازال في المعتقل، كيف تعاملت مع المفاجأة وما ذا كان رد بوليساريو؟
كانت ليلة يوم 26 يونيو من سنة 2003، حين جاء صديقي التطواني، ونقل إلي خبر صدور كتاب يحكي عن واقع السجون الجزائرية، أشارت إليه القناتان التلفزيونيتان المغربيتان، وأكد له أن الكتاب يحكي باسمي عن معاناة الأسرى المغاربة، وأن غلافه يحمل صورة لي ورقم الصليب الأحمر الخاص بي. كان صديقي المريض لا يفارق الشاشة التي علقها بوليساريو داخل السجن، فأدركت أن طبيب العيون أوفى بوعده، خصوصا أنني أكدت له ضرورة أن تتصدر صورتي غلاف الكتاب، استفسرني صديقي، فواجهته بالعنف السابق، فتجنبني، وهو الذي يعرفني جيدا ظل يراقبني من بعيد خوفا على حياتي، في حدود الواحدة صباحا أطلق البوليساريو الصفارة، فتجمعنا كالعادة  من أجل إحصائنا وتعذيبنا، وعدنا إلى النوم، وعند الثانية صباحا، جاءني أحد الحراس، وكنت حينها مستيقظا أترقب المصير المظلم، واصطحبني إلى إدارة الأمن العسكري، حيث يتعرض كل الأسرى بمختلف جنسياتهم  لأقسى العذاب.
وعند مدخل الإدارة، رأيت أكبر مجرم سفاح لدى بوليساريو وهو المدعو أمبارك ولد خونا، متخصص في التحقيقات والتعذيب رفقة خمسة من أصحاب منهجيته، انتظرت وأنا أدخل أنني سأتذوق كل أنواع العذاب، قبل أن يتم استفساري عن الكتاب… خطوت … وجلست… وبدأ  يسألني… ولا أحد ضربني.. فتأكدت أن الكتاب الذي صدر بين أيدي الرأي العام الدولي أحرجهم، وأنهم لن يعذبونني.
سألني كيف أخرجت الكتاب، فأجبت باستغراب (عن أي كتاب تتكلمون  وكيف بإمكاني أن اكتب سطرا وسط الحراسة المشددة وكيف سأتمكن من تسريبه…. أنكرت وضحكت في بعض الفترات…
ألم تر ماذا أذاعات القناتان المغربيتان ؟ أنكرت…
وتابع السفاح: سأمهلك 24 ساعة، وبعد لن تعيش… ثم أطلقوا سراحي عند الفجر وتابعني بكلمة جزائرية (روح ).
حل اليوم الموالي ولم يقع شيء، ومرت الأيام بدون أن يحصلوا على أي شيء، وبعد أقنعتهم بأن لا يد لي في طبع الكتاب وأن (صورتي وضعت على الغلاف لكوني مدنيا من بين 14 آخرين، وأصحاب الكتاب هدفهم تشويه سمعتكم فقط. ولا أدري من أين حصلوا على الصورة).
الكتاب كان يحمل رقمي المكتوب بخط يدي، ولم ينتبهوا إليه  والخرائط المرسومة داخل الكتاب هي بخط يدي، كانت فرحة العمر هي فرحة صدور كتاب لي بالمغرب عن حياتي ومعاناتي، لم أشعر بها عند إطلاق سراحي، ولا عند ولادة ابني وابنتي.
خلال شهر يوليوز2002 ، جاءت الرسائل ووزعت على الأسرى، ولم أتوصل بأي رسالة، في الغد، نادى علي السفاح امبارك، وطلب مني بالاسم أن ادخل وقال لي: جاءتك رسالة،  فقلت إنني لم استلمها، فأمدني بها، فإذا هي من الطبيب الذي أعطيته الكتاب.
كان السفاح قرأ محتوى الرسالة، فضل يتابع حركات وجهي ورد فعلي وأنا اقرؤها، وجدت أن الطبيب الذي نبهني بعدم إعطائه صورتي لنشرها، وأنا من أصررت على وضعها على الغلاف فوعدني بذلك، وجدته يقول في رسالته: عزيزي عبد الله، من صديقك، أتمنى أن ألقاك في المغرب، وأخبرك أن كتابك تم طبعه، ووجدته رائعا جدا، وأنا معجب بشجاعتك، وأعجب بك العديد من الزملاء والأصدقاء. …
كنت خائفا من سؤاله بعد نهاية الرسالة، فحاولت إعادة قراءتها…فقال لي: خذ نظارتي واقرأ جيدا الرسالة.
هل انتهيت..نعم شكرا..أعطني إياها… ستبقى لدينا في الأرشيف… انصرف..
في الغد، جاءني بورقة وقلم وطلب مني كتابة: أنا الموقع أسفله لم يسبق لي أن كتبت أي كتاب أو سربت أي معلومات من داخل السجن ووقعت عليها… وعندما انتهيت أخذها بغضب فقطعها نصفين، فاضطررت إلى إعادة كتابتها على  ورقة أخرى.

أجرى الحوار: بوشعيب حمراوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق