خاص

بانوراما الصيف: القضاء في تاريخ المغرب -الحلقة الثامنة –

الصحراء في قلب القضاء المغربي

قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.
ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير

مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال.

لم يكن القضاء في المناطق الجنوبية يختلف كثيرا عن ما هو عليه في باقي المناطق، فقد سارت الأوضاع على المسطرة نفسها المطبقة في القضاء الشرعي، رغم توغل الاستعمار في المنطقة. وفي البوادي الصحراوية كان أهل الحل والعقد في القبيلة،  ينصبون قاضيا لحل مشاكلهم وعقد قران زيجاتهم، وكلمته في غالب الأحيان تكون مسموعة، ويعتبر من خالف حكم الفقيه مخالفا لحكم الشرع، مما يشكل إجماع الحي أو القبيلة ضده.
وكثيرا ما يكون القاضي لا يمت إلى الحي والقبيلة المنصب للقضاء فيها بصلة أو قرابة دموية، وعادة يتولى أفراد القبيلة أو أحد أغنيائها تأدية راتب الفقيه، الذي في غالب الأمر يكون مدرسا لمن يحب تعلم أمهات كتب الفقه من أهل الحي و القبيلة، ولعل عدم انتماء القاضي إلى سلالة القبيلة، وعدم ارتباطه معها بأي رباط قرابة، مكنه من التجرد في إصدار الحكم. فامتثال أوامر قاضي الجماعة حسب نظامها القبلي ينساق إليه الأفراد طواعية وهروبا من المخالفة الدينية، ومن خلال ترابط هذه المعطيات عندما ترفع النازلة إلى الفقيه ينظر فيها على ضوء النصوص الفقهية، متقيدا بالمذهب المالكي حسب مصادره المتبعة في الصحراء، وهي نفسها التي كانت مطبقة لدى جميع قضاة المملكة المغربية، فمن حيث الشكل ينطلق القضاء من الحديث المشهور «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» بما في ذلك تتبع مسطرة الشهادة اللفيفية، وعند عجز المدعي يلزم المدعى عليه باليمين، وفي كثير من الأوقات يتنازل بعض الأشخاص عن حقهم خوفا من اليمين. وليس للقاضي اختصاص محدود، إذ ينظر في جميع قضايا الأحوال الشخصية والمواريث، والقضايا المدنية، والدماءات بكل أنواعها، أي ما يعرف اليوم بالقضايا المدنية والجنائية.
أما في الحواضر  قبل 1912 فكان يتولاه إما قاض مقيم يختاره سكان المدينة بتفويض من السلطان، وإما يختاره القائد، على أن يخبر السلطان بذلك، فتقع التزكية، فيصبح القاضي مفوضا من طرف الملك ليتولى هذا الاختيار، كما يتم التعيين بالاستشارة مع الأعيان البلدة، وفي هذا السياق عرف الشرفاء الرقيبات عدة فقهاء قاموا بهذه المهمة، وكذلك قبائل تكنة والعرب أبناء دليم، ثم العروسيين، ثم الشرفاء أبناء أبي السباع، وآل محمد سالم، و تنذغه، وأبناء تيدرارين.
وعرفت السمارة عدة قضاة من بينهم الشيخ شبيهنا بن الشيخ ماء العينين، و محمد باب و الفقيه محمد بن عبد العزيز بن حامني في حياة الشيخ ماء العينين. بعد سنة 1912 أصبح القضاة يعينون بظهير خليفي من تطوان، ويساعد كل قاض عدلان وناسخ، وتصدر الأحكام بجميع الرقعة الصحراوية على المسطرة نفسها المطبقة داخل المملكة المغربية، وإذا استعصى على سكتن البوادي حل نزاع يرفعونه إلى القاضي المقيم بأقرب مدينة إليهم، وتستأنف على يد قاضي القضاة بطرفاية لينظر فيها مجلس التعقيب الشرعي بتطوان. ورغم أن الاستعمار الاسباني أنشأ محاكم شبه عصرية على غرار ما اتبعه الاستعمار الفرنسي داخل المغرب، فأسس بالصحراء محكمتين، إحداهما بالعيون والثانية بالداخلة، فإن الصحراويين قاطعوها ضمنيا من خلال عدم رفع شؤونهم القضائية إليها، لتحرجهم من استبدال القضاء الإسلامي بالقضاء النصراني، ما عدا في حالة الجريمة الكبرى، وعندما يبلغ أمرها للحكام الاسبانيين فإن أعيان القبائل يتدخلون، لكي يفرضون عليهم الالتزام بعلاج كل المشاكل وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
الأحكام التي يصدرها القضاة ليست هناك آجال محددة لقابليتها للاستئناف، بل عندما يصدر الحكم و لم يعترض المحكوم عليه فيه يصبح قابلا للتنفيذ، أما المراجع المعتمدة فهي تحفة الحكام لابن عاصم، و الباب من المختصر لخليل بن إسحاق، و قوانين الإمام ابن جزي وعندما يريد القاضي إصدار حكمه مكتوبا يجد نفسه ملزما بإعداد ذلك الحكم وفق مسطرة معينة يصف النازلة المعروضة عليه وصفا دقيقا مع تبيان حالة المتداعيين هل أصليان أم وكيلان، و هل هما بالغان، أم أحدهما محجور، و إن كان فيهما محجور يبين مصدر نيابة المتكلم عنه و درجة صحتها، ثم يشرح بتفصيل حالة النزاع، حتى يجعل القارئ يحس إحساسه نفسه تجاه كل مشمولات الدعوى.

كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق