خاص

بانوراما الصيف: تجارة النساء…الوجه الجديد للاسترقاق – الحلقة الأولى –

تركيا… و”المثلث الذهبي”

تغوص الكاتبة والصحافية المكسيكية ليديا كاتشو، في كتابها، «تهريب النساء»، في العالم المظلم لتجارة الجنس، لتظهر أن القوانين والمواثيق العالمية لم تتمكن من الوقوف في وجه ظاهرة استرقاق البشر، في شكلها المتمثل في الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات الصغيرات، والتي أضحت تتخذ أشكالا أكثر تنظيما تشرف عليها «مافيات» منظمة، وتحظى، في

أحيان كثيرة، بحماية السلطات الرسمية.
ولأجل ذلك، جابت كاتشو ثلاث قارات في تحقيق دام خمس سنوات، استمعت خلاله إلى المهربين والضحايا اللواتي يتحول كثير منهن إلى مستغلات، والوسطاء والزبناء وأعضاء في المافيا والجسم العسكري والسلطات العامة، التي تتفشى في أوساطها الرشوة بشكل كبير، كما التقت أيضا ضحايا تمكن من الخروج من مستنقع الاستغلال الجنسي.
تورد «الصباح» في هذه الحلقات مقتطفات من رحلة كاتشو، التي قادتها إلى تركيا وفلسطين وإسرائيل واليابان وكمبوديا وبيرمانيا والفييتنام والأرجنتين والمكسيك، واستقت منها أزيد من مائة شهادة صادمة في بعض الأحيان، تؤكد العلاقة ما بين غنى وسلطة المستغلين، والفقر والفروق الاجتماعية التي يعانيها الضحايا.

من تركيا، حيث مظاهر الحداثة صارخة في شوارع اسطنبول، التي تجسد الوجه المتفتح لتركيا العلمانية،  كانت بداية رحلة ليديا كاتشو لسبر خبايا عالم تجارة الرقيق الأبيض. نساء يرتدين ملابس كاشفة يرتشفن الجعة في حانة الحي، وأخريات يرتدين ملابس تستر أجسادهن ويضعن مناديل رأس حريرية ملونة يتجولن في الأزقة المجاورة. الحرية والمساواة بين الجنسين هي قاعدة أساسية في قوانين تركيا التي تسعى إلى ولوج منظمة الاتحاد الأوربي، لكن، على أرض الواقع، فإن للتقاليد وزنا كبيرا، كما لسلطة المال الذي يعتبر المحرك الرئيسي لحركات تهريب النساء للاستغلال الجنسي.
تعتبر تركيا، محطة أساسية في خارطة طريق تهريب النساء، وأيضا المخدرات والسلاح، بالنظر إلى موقعها الجغرافي بين آسيا وأوربا ودول البلقان. يؤكد محمود، ضابط تركي شاب، أن السلطات الرسمية في تركيا منخرطة بشكل كبير في هذه الحركة، «المسؤولون في الشرطة والجيش يرون الدعارة باعتبارها تجارة هم أحد زبنائها. إنهم يعتبرون أن الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية الشمالية يسمونها «استرقاقا جنسيا»، وأن هذه مشكلتهم وليس مشكلتنا. يأتي كثير من النرويجيين والسويديين إلى تركيا من أجل السياحة الجنسية. لا يفعلون ذلك في بلدانهم، لكن الأمر مرخص هنا»، يقول محمود في تصريح يمس الجدال الذي أطلقه دعاة محاربة الدعارة، والذين يعتبرون أنه طالما أنها مقننة فلا يمكن التفريق بين الضحايا و»محترفات الجنس».
تفيد المنظمة الدولية للهجرة أن 50 في المائة من المهاجرات اللواتي يذهبن إلى تركيا ينتهي بهن المطاف في العمل في الدعارة. ويوضح مختار كوكار، طبيب ورئيس منظمة «هيومن ريسورس ديفلوبمنت فاوندايشن»، أن أغلب الفتيات القادمات من مولدافيا وروسيا وبلدان أخرى مجاورة، يجبرن على ممارسة الدعارة في بلدانهن الأصلية، قبل أن يصلن إلى تركيا أملا في العثور على عمل بأجرة أكبر حسب ما وعدن به، لكنهن يجدن أنفسهن بدون عمل ولا مورد رزق، فيتجهن إلى ممارسة الدعارة، مستغلات سلاحهن الوحيد، المتمثل في انجذاب الأتراك إلى ذوات البشرة البيضاء والشعر الأشقر، بالإضافة إلى عدم وجود منافسة كبيرة من التركيات، اللواتي تحول غالبا تربيتهن المحافظة دون بيعهن أجسادهن، كما أن القانون التركي الجاري به العمل منذ 1930 يمنع على المشتغلات بالدعارة الزواج والإنجاب.
حسب كوكار، تضم تركيا حوالي 3000 عاملة بالجنس مصرح بها وحوالي 100 ألف تعمل بشكل غير قانوني. واستقبلت منظمته سنة 2005 حوالي 400 امرأة ضحية تجارة الجنس، لم يتم تسجيل أي حالة عنف جسدي خطير من بينها، حسب كوكار، الذي يؤكد أن مهربي النساء يقومون كل شهر بحقن ممتهنات الدعارة بمضادات حيوية لحماية زبنائهن الذين يرفضون غالبا استعمال الواقي الذكري، مما يجعل أجسادهن تقاوم أقوى الأدوية، فيصبن بأمراض خطيرة. تعرف تركيا ازدواجية في القيم الأخلاقية. فالبلد المشهور بمخنثيه والمتحولين جنسيا العاملين في الجنس، يجذبون فئة خاصة من السياح، لكنهم يعتبرون في الآن نفسه «آثمين» في نظر الدولة. وإذا كان ممنوعا إظهار الشخص لمثليته الجنسية في الأماكن العامة، فإن المؤسسات المتخصصة في تجارة الجنس تضم حوالي ألفي متحول جنسيا يعرضون خدماتهم بطريقة منظمة، ويقبلون حتى التعامل بالبطاقات البنكية.
علا، فتاة سورية في التاسعة والثلاثين من العمر، تقيم في لندن، كانت تعمل في منزلين للدعارة في تركيا، عندما كان عمرها ما بين 16 و20 عاما. تمكنت علا من الخروج من نفق الدعارة المظلم وتزوجت ، لكنها ما زالت تتذكر مأساة فترة عملها في الجنس، «كنا نعتقد أننا نحظى بمعاملة جيدة. كانوا يحكون لنا أن فتيات أخريات يعشن إماء حقيقيات، وأن الرجال يسيئون معاملتهن ولا يدفعون سوى القليل من المال. كان تتم معاقبتنا، لكننا كنا نعتبر ذلك جزءا من العمل. عندما بلغت العشرين من العمر، وكنت أعتبر حينها عجوزا، تم بيعي إلى زبون في لندن، وساعدتني بعض النساء على تغيير حياتي».
كانت علا تعمل في منزل دعارة تملكه ماتيلد مانوكيان، المرأة الأرمينية المولودة في تركيا سنة 1914 وسط أسرة أرستقراطية، التي ارتبط اسمها بتجارة الجنس في تركيا وكانت تسير 32 مؤسسة وتملك 14 بناية مخصصة لنشاطات مرتبطة بالدعارة المقننة. ورغم أنه تم اتهامها مرات عديدة بالاستغلال الجنسي للقاصرات، إلا أن علاقاتها مع السلطات كانت دائما ما تشكل درع حماية لها، بل إنه تم إعلانها المواطنة الأكثر دفعا للضرائب ما بين 1990 و1995 من قبل الدولة التركية. وعندما اكتشفت نشاطاتها غير القانونية، أعلنت ماتيلد اعتناقها الإسلام، وبنت بعد  ذلك مسجدا جميلا من الأموال التي جنتها من استغلال الفتيات جنسيا، وهو الأمر الذي اعتبره كثيرون غير لائق، وتمكنت ماتيلد، إلى غاية 2001، سنة وفاتها، من الحفاظ على علاقات جيدة مع السلطة حمتها من العقاب. ورغم أن اسم ماتيلد ذهب في غياهب النسيان، إلا أن علا، وزميلات كثر لها، ما زلن يذكرن سنوات عملهن تحت «رحمة» ماتيلد.

صفاء النوينو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق