خاص

بانوراما الصيف: أرقام لها مغزى 1

دهشة المجتمع والدولة

16 ماي يوم ليس كباقي الأيام. فهو يوم مغربي بامتياز. رغم أننا نشترك مع كل أهل الدنيا في مداه الزمني لكن نختلف معهم في موقعه من حركة التاريخ. يلتقي الناس في العالم في هذا اليوم في المقهى وفي العمل ويتبادلون تحية الصباح. لكن في المغرب هناك عائلات مكلومة تقف عند حلول هذا اليوم لتضع أكاليل الزهور على قبور ضحايا وشهداء الغدر. قبور كان أصحابها يصنعون الحياة فالتقطهم الموت الملفع بأثواب الدين بين أنيابه. أرامل ويتامى يتذكرون أن من كان بالأمس قريبهم دخل التاريخ من باب القتل الهمجي. ودخل القاتل التاريخ من باب بول الأعرابي في بئر زمزم أيام الحج.
يحكى أن أعرابيا قدم إلى مكة أيام الحج وبينما الناس تؤدي مناسكها وشعائرها بال هو في بئر زمزم. فلما أخذوه عند الوالي قال له: ويحك أخا العرب فعلت فعلتك الشنيعة هذه وأيام الحج، فرد عليه الأعرابي: كي أشتهر وأدخل التاريخ. فهناك متنطعون يريدون أن يدخلوا التاريخ ويدخلوا الجنة من باب بول الأعرابي أو من باب القتل الهمجي.
عندما أعلن التلفزيون الرسمي أن هناك خبرا عاجلا سيتم بثه بعد قليل وضع الجميع يده على قلبه. ماذا يكون الحدث؟ لم أذهب بعيدا في مخيالي لأتصور أن المغرب البلد المنفتح والبلد الصانع للرؤية الدينية المتجددة والبلد له خصوصيات في التعاطي مع النص المقدس يمكن أن تمتد إليه يد الإرهاب.
بعد سماع الخبر أصابتني الدهشة وما كان ينبغي لي أن أفعل. لكن لم نعرف عملا من هذا النوع. حتى العملية الإرهابية التي كان فندق أطلس أسني مسرحا لها تدخل في نطاق الإرهاب التقليدي عبر استعمال المسدسات. لكن هذه المرة فيالق الموت تهجم علينا بالأحزمة الناسفة.
جراحات هذا اليوم لم تسعفنا في التواضع على أن الإرهاب ملة واحدة. رغم ما أحدثه هذا اليوم من تحولات في تاريخينا فإنه كان مثار جدل واسع.
وكان الملك محمد السادس واضحا في حواره مع «ليكسبريس» عندما قال إنه وقعت بعض التجاوزات أثناء الاعتقال. لكن التجاوزات لم تكن سوى نتيجة الدهشة التي أصيب بها المغرب.
لكن أطراف أخرى لعبت على كل الحبال. حزب العدالة والتنمية أدان الإرهاب وصوت على قانون لمكافحته. انحنى للعاصفة. حيث توجهت جهات بالتهمة المعنوية للاسلاميين البرلمانيين. وسكت دهرا إلى أن مرت سبع سنوات. عاد أمينه العام في المجلس الوطني ما قبل الأخير ليشكك في أحداث 16 ماي.
ووجه عبد الإله بنكيران نداءا لجلالة الملك يطلب من خلاله فتح  تحقيق في أحداث 16 ماي، وقال أخيرا  لقد تبين في مصر أن وزير الداخلية السابق هو من يقف وراء تفجير كنيسة القديسين لإثارة الفتنة وتبرير القمع ، ونحن إلى حد الآن لا نعرف من يقف وراء 16 ماي، التي بررت بها الاعتقالات والتضييقات.
وأضاف « ماذا يفعل أبو حفص والشيخ الكتاني الآن في السجن، في وقت يحتاج إليهم المجتمع المغربي ، كيفما كان الحال فهؤلاء أبناؤنا، إن اختاروا إطالة اللحية ووضع الرزة فهذا شغلهم، لكن المجتمع في حاجة إليهم لأنهم يحاربون البدع ويحفظون القرآن والحديث أفضل منا.
قبل أن يقول بنكيران كلامه ردت وزارة الداخلية عليه ببيان ناري حارق يحذر من التشكيك في الفاعل، خصوصا أن القضاء قال كلمته وأصدر أحكاما في الموضوع.
إذا كان بنكيران قام في العالمين مشككا في هذه الأحداث ومطالبا بفتح تحقيق فإن جماعة العدل والإحسان «طلعت إلى الجبل» وقالت في بيانها الأخير إن الدولة هي التي فعلتها.
اليوم دخل محمد الصبار، المناضل اليساري والمعتقل السياسي السابق والأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، على الخط في محاولة لحسم الجدل. ورفع ملتمسا للملك فكان العفو عن مجموعة من المعتقلين. الصبار بحسه السياسي ودهائه يفهم أن بعض الاعتقالات جاءت نتيجة الدهشة التي عاشها المغرب شعبا وسلطة.
الجدل يبقى جدلا. والحقيقة ثاوية في قلب التفاصيل. وفي التفاصيل، يكمن الشيطان. وشيطان الفتنة أيقظه الإرهابيون. والانتهازيون يقولون «الله يسامح»، لكن لا أحد من حقه أن يسمح مهما كان موقعه. لأن الذي بيده حق التنازل عن معاقبة المجرم هم ذوي الدم. الأهالي والأهل والأقارب والأرامل واليتامى.
16 ماي رقم ليس كباقي الأرقام. رقم صعب على التجاوز. رقم صعب على الاستغلال السياسي. رقم في ذاكرة العائلات. حادثة سير صعبة في مسار بناء الدولة الحديثة. ومن يعرف الأرقام ينبغي أن يحسبها جيدا.

عبدالله الكوزي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق