مجتمع

رئة المحمدية في طريقها إلى الاختناق

شواطئ ملوثة وسحب من الأدخنة وروائح كريهة أزكمت أنوف السكان والمصطافين

قد يغريك معمارها وأزهارها الفاتنة، وأنت تلج بعض ساحاتها وشوارعها، زائرا راكبا أو راجلا، خصوصا  بساحة المدن المتوأمة، قبالة مقر العمالة.. وقد يستهويك لقبها مدينة للزهور وإصرار بعض روادها على الافتتان بشواطئها الملغومة.. حدائق هنا وهناك، وأشجار النخيل والليمون تسدل ظلالها على المارة وتؤمن تجوالهم في كل لحظة وحين.. مدينة المحمدية التي احتفظت

بذاكرتها، رغم ما لحقها من استنزاف بشري، في سافلتها قصبة تعود إلى عصور خلت، وشريط ساحلي يوفر خمسة شواطئ على امتداد 15 كيلومترا، فقبل أن تستفيق من ولع مدينة الزهور، يسحبك دفء المحيط الأطلسي ليلقي بك على شواطئ المدينة، ويضعك رهن الاعتقال الطوعي، قد تلغي معه كل مواعدك وتطلب الاستعجال في صرف راتبك لضمان تغطية مصاريف الاستجمام بهذه المدينة الجميلة.

ما إن تستمر في استنشاق هوائها، والسباحة في مياهها، حتى يطلق جلدك وجهازك التنفسي إنذارا بتلوث الهواء، صعوبة في التنفس و(الحكة) وبقع غريبة تبرز في مناطق من جسدك. وما إن تحاول اكتشاف باقي أزقة وشوارع المدينة حتى  تنتبه إلى أن المدينة تغوص في الأزبال والحفر والأزقة والشوارع المتدهورة  وإشارات المرور المعطلة والمكسرة، وتكتشف أنه تم رميك في مستنقع ملوث الهواء والمياه، وأنك أصبحت عرضة لأمراض تنفسية وجلدية، فتحاول جاهدا تدبير الخروج سريعا من المدينة، ناسيا كل مفاتنها. سرعان ما تكتشف جرائم التلوث التي ترتكب في حق مدينة فضالة، وتعلم أن كل تلك الواجهة السياحية التي ألهمتك، ليست سوى “فيترينا” للتغطية على السموم التي يتغذى بها قاطنو المدينة وزوارها في يقظتهم وسباتهم. وأن الطبيعة والسكان  تحتضر بتجرعها السموم التي انتشرت داخل المدينة وبضواحيها.. بقايا ضيعات الخضر والفواكه التي قاوم (المجدبة والزناتيون) من أجل الحفاظ عليها، ضيعات بالجماعات القروية سيدي موسى بن علي والمجذوب وبني يخلف… اعتبرت إحدى رموز فضالة الأمس، تعفنت وتحولت إلى نقط سوداء للبناء العشوائي والمخازن السرية.

تقارير غامضة عن جودة مياه الأطلسي
انطلق صيف مدينة المحمدية وسط أجواء مشحونة بحذر المصطافين من طبيعة وجودة المياه المالحة والهواء الذي يغطي فضاء المدينة. خمسة شواطئ، ثلاثة منها داخل مدينة الزهور، وهي شواطئ الرمال(1000 متر) والمركز(3000 متر)  ومانيسمان(1200 متر)، واثنين بمنطقة عين حرودة وهما بالوما(2100 متر) وزناتة الكبرى(3140 مترا)، تحت رحمة ما تقذفه بعض الشركات الملوثة من سيول وأتربة وأدخنة، خصوصا شركة تكرير البترول التي غطت سماء المنطقة بكتل من الأدخنة، مساحات شاطئية واسعة لم يكتب لسكانها وزوارها الاستمتاع بمياهها وهوائها وشمسها. فيما بدأت شواطئ  أخرى غير محروسة تستقبل المصطافين دون أدنى تدخل من الجهات المعنية، فيما تبقى تقارير الجهات المعنية بخصوص مستوى جودة المياه غامضة، وتنتهي بجملة (يسمح بالسباحة)، وتتضمن معطيات تؤكد أن جودة المياه بلغت الحد الأدنى المسموح به، فيما نزلت عند البعض الآخر إلى مستويات أدنى (حرفي “ب” و”سي”)، وهما حرفان يؤكدان تلوث مياه شواطئ المحمدية.
مدينة المحمدية التي يتضاعف عدد سكانها كل صيف، يظل الضيوف يعانون فيها انعدام فنادق وإقامات سياحية ومراكز الإيواء، ويعمد معظمهم إلى قضاء النهار وجزء من الليل داخل المدينة، والعودة  إلى منازلهم من أجل المبيت، فيما يختار آخرون ولوج الإقامات السكنية التي تزايدت بكثرة خلال السنوات الأخيرة. إشكالية السياحة استفحلت بالمدينة التي تمتاز كذلك بالمساحات الغابوية بمنطقة الشلالات، والحوض المائي للوادي المالح، والشلال، وضواحي سد حصار، وساحة المدن المتوأمة والمنطقة الرطبة التي تم تهميشها إلى درجة أنها تعفنت بمياه الوادي الحار ومطرح الأزبال، والفضاءات الرياضية المتمثلة في الغولف الملكي، وملاعب التنس، والرياضات البحرية… حوالي أربعين ألف مصطاف يعانون يوميا التلوث وخطر الدراجات النارية البحرية وصعوبة الولوج وتلاعب حراس محطات الوقوف على طول شواطئ المحمدية، وهو الرقم الذي يتضاعف خلال يومي السبت والأحد، إلى الحد الذي تصبح فيه مداخل ومخارج المدينة شبه مغلقة. كما أن مدينة الزهور تفتقر إلى مرافق سياحية في مستوى مؤهلاتها السياحية، من فنادق ومراكز الإيواء، مما يحرم العديد من زوارها ممن يرغبون في الإقامة الطويلة.

المطالبة بلجنة لتقصي حقيقة التلوث بالمدينة
أرغم سكان مدينة المحمدية على استنشاق مواد كيماوية سامة أثرت على صحة الأطفال والشيوخ وأدخلت العديد منهم إلى المستشفيات العمومية والخاصة، بعد أن أصيبوا بأمراض الربو والحساسية والأمراض الجلدية وأمراض أخرى لم تتمكن الأجهزة والموارد البشرية الطبية من تشخيصها. وتساءل السكان عن صمت الجهات المعنية بحمايتهم، وعن سبب تزوير التقارير الخاصة بالتلوث البيئي الذي بات واضحا للعيان، وبات أول انتقاد يوجهه الضيوف وعابرو المدينة بمجرد ولوجهم المدينة، حيث يتم استنشاق الهواء الملوث. وسبق للمجتمع المدني بالمحمدية والضواحي أن وجه عدة نداءات استغاثة، وعبر المتضررون عن استنكارهم  للاحتضار البطيء الذي يطول سكان مدينة الزهور من جراء التلوث البيئي وغياب أية مبادرات لإنقاذ السكان وجبر الضرر، وطالبوا بحقهم في العيش الكريم في محيط سليم وبيئة متوازنة وظروف حياتية ملائمة تكفل لهم صحة جيدة، وتساءل بعضهم (إلى متى سنظل الرئة المستنشقة للغازات الملوثة لهواء المحمدية؟).  ويطالب السكان وزوار المدينة بإرسال لجن وطنية ودولية متخصصة في الشؤون البيئية وجودة الهواء للتحقق من مدى الخطر الذي يهدد الإنسان والطبيعة بعمالة المحمدية، مشيرين إلى أن المنطقة، التي كانت ضيعة فلاحية للخضر والحبوب، تحولت إلى إسمنت مسلح لا يحترم أدنى شروط السلامة، مخازن سرية لسلع وبضائع مجهولة بضواحي المدينة، وشركات بالمنطقة الصناعية لا تحترم أدنى شروط احترام البيئة، كما طالبوا بتسريع  إغلاق مطرح الأزبال الذي به حرائق لا تنطفئ،  وتوجد بجواره حديقة المصباحيات المتعفنة  والتي صرفت عليها البلدية 900 مليون سنتيم وأهملتها، وسوق الجملة العشوائي والمتعفن والذي لا يحترم أدنى شروط التجارة والنظافة.

بوشعيب حمراوي (المحمدية)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق