خاص

بانوراما الصيف: ساحات التحرير (الحلقة الثالثة)

مطار قرطاج.. ليلة هروب الرئيس

بنعلي جنب بهروبه إلى السعودية سفك دفاء جديدة

لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة «ثورية» بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا  واليمن وسوريا .. ومن منطقة

سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة  وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان  الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب.

طوت تونس صفحة زين العابدين بن علي بإقلاع طائرته دون عودة من مطار قرطاج، وترك لرئيس وزرائه محمد الغنوشي مهمة تولي الرئاسة المؤقتة، في حين أُطلقت على الفور شكوك بدستوريتها. كما ترك بن علي تونس أيضا في عهدة حال الطوارئ التي يستلم الجيش فيها عادة المسؤوليات الفعلية في البلاد.
وكان سيناريو صعود الرئيس إلى رحلة المنفى نضج في الساعات الأخيرة، وتسارع تطبيقه في ساعات الظهيرة عندما سقط ما لايقل عن ستة عشر قتيلا في العاصمة تونس. وتعاقبت الأحداث بسرعة، ولم يكن قد جف بعد حبر التعليمات التي قال بن علي إنه أصدرها بالكف عن إطلاق الرصاص الحي على المحتجين، خلال الخطاب الذي أدلى به ووعد فيه أيضا بتفعيل التعددية وإحياء الديمقراطية والاستجابة إلى معظم المطالب المرفوعة.
لقد أطاح سفك الدماء في قلب العاصمة تونس بالفرص  الأخيرة لاستعادة الثقة بالوعود الرئاسية، إذ سقط العدد الأكبر من الضحايا خلال معركة دامية دارت قرب مقر وزارة الداخلية، ولجأت خلالها القوى الأمنية فجأة إلى القنابل المسيلة للدموع لتفريق ومطاردة تظاهرة بدأت سلمية عند الصباح، وتدهورت الأمور أكثر لتصل إلى إطلاق الرصاص على بعض المحتجين.
بالمقابل تعرضت بعض منازل العائلة الحاكمة إلى الهجوم وعمليات تدمير جزئي من قبل المتظاهرين. وقام الجيش ليلا بإقفال المجال الجوي للبلاد وسد الطرق المؤدية إلى مطار العاصمة. وروى الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي تفاصيل الساعات الأخيرة له في قصر قرطاج، الذي اضطر إلى مغادرته بـ»خدعة» عمدت إلى تصوير رحيله من تونس كأنه هروب.
وفي البيان الذي أصدره عنه محاميه اللبناني أكرم عازوري، كشف بن علي تسلسل الأحداث التي أوصلته إلى المملكة العربية السعودية. ويقول إنه، في صباح 14 يناير الماضي حضر إلى مكتبه المدير العام المكلف بأمن الرئيس، علي السرياطي، ليعلمه أن أجهزة مخابرات صديقة أكدت أن أحد أفراد الحرس الجمهوري مكلف باغتيال الرئيس، وأن الوضع في العاصمة التونسية خطر وخارج عن السيطرة، وأن القصر الرئاسي في قرطاج والمنزل في سيدي بوسعيد محاصران.
كما أشار إلى وجود طائرة هليكوبتر تحوم فوق المنطقة، وأن خافرتي سواحل تجوبان البحر بين القصر الرئاسي ومنزل بن علي الخاص. ورجاه السرياطي أن يسمح لزوجته ليلى الطرابلسي وأولاده بالمغادرة في طائرة جاهزة للإقلاع إلى جدة. بعدها، أصرّ السرياطي على أن يرافق بن علي عائلته إلى جدة، لبضع ساعات، كي تتمكن الأجهزة من كشف المؤامرة، وضمان أمن الرئيس. وعلى هذا الأساس، يقول بن علي، إنه وافق على صعود الطائرة، بعد أن أمر قائدها بانتظاره في مطار جدة ليعود معه إلى تونس. لكن بعد الوصول عادت الطائرة إلى تونس من دون بن علي، خلافا لأوامره الصريحة، ليتم لاحقا الإعلان عن هربه وتطبيق المادة 57 من الدستور، التي يتولى رئيس مجلس النواب، بموجبها، منصب الرئيس بالوكالة. ولتأكيد روايته يُشهد بن علي كلا من المدير العام المكلف بأمن الرئيس، ومدير التشريفات، وقائد الطائرة، والمدير العام للخطوط الجوية التونسية.
ويتابع الرئيس التونسي المخلوع روايته لأحداث الساعات الأخيرة من حكمه، ليؤكد أنه لم يترك منصبه في رئاسة الجمهورية، كما لم يأمر بإطلاق النار على المتظاهرين، وذلك ثابت بكافة الاتصالات من وإلى رئاسة الجمهورية ووزارة الداخلية ووزارة الاتصالات ووزارة الدفاع الوطني، وهي جميعها مسجلة.
ومهما يكن من تبريرات فإن الرئيس المخلوع جنب البلاد بسفره إلى السعودية سفك دماء جديدة، فقد وصلت الثورة التونسية إلى نقطة اللارجعة، والتحقت كل الفئات بالثوار الذين سرعان ما نشبت خلافات بينهم حول المؤسسات الدستورية.

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق