ملف الصباح

“تيليلا”…ملاذ النساء المعنفات

مديرة المركز: على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها وتضع مراكز الإيواء في قائمة مشاريع التنمية البشرية

مـركـز تـيـلـيـلا
“تيليلا” أو الحرية بالأمازيغية، ليس مركزا للاستجمام، ليس جدرانا يحتمي وراءها الفقراء من شر البرد والجوع والتشرد، وليس أيضا سجنا ولا مؤسسة عادية كيفما كانت مهمتها، هو فقط مخبأ وملاذ للهاربات من العنف، من القتل، هو آخر مطاف بالنسبة إلى نساء يضعن تحت أجنحتهن أطفالهن، ويلذن بهم إلى حيث يعشن بضعة أيام بأمان وبدون عنف.

قبل مدونة الأسرة لم يكن ممكنا البوح بهذا الملاذ الذي يؤمن للنساء المهددات بالقتل وفي سلامتهن البدنية والنفسية لأنه وإن كان يقوم بدور لطالما عجزت الحكومات المتعاقبة على القيام به، لكنها، ظل يستقبل النساء ويحميهن ويوفر لهن ليس فقط الإيواء والأكل والشرب والحماية الجسدية، بل أيضا يقدم لهن الأمل من خلال الاستماع إليهن أولا وإرشادهن ومؤازرتهن قانونيا ودعمهن نفسيا، ومتابعة ملفاتهن القضائية أمام المحاكم، ومساعدتهن أيضا على البحث عن سكن، وتعليمهن حرفا ومهنا يمكنهن من خلالها الاستقلال عن معنفهن وحضانة أطفالهن.
لكن هل تأخذ الحكومة حجم هذا الثقل، الذي تتحمله جمعيات نسائية وحدها، بعين الاعتبار؟ وهل تفكر في تحمل مسؤوليتها التي طالما تحملتها عنها جمعيات بمجهوداتها الخاصة؟ منها التي لم تستطع أن تتحمل فاضطرت إلى إغلاق باب الأمان الوحيد المتوفر لنساء يهربن من التهديد اليومي بالقتل، بل بعضهن واجهن الموت في بيوتهن الزوجية، وحين لذن بالشرطة واجهن اللامبالاة وعدن إلى عرين الأسد مستسلمات. “على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها، فلو لم يكن الطلب على الإيواء يتزايد يوما عن آخر، لما اضطررنا إلى رفع هذا المطلب، لكن طاقتنا الاستيعابية محدودة، لذلك نرغم أحيانا على أن نرد عشرات النساء المحتاجات إلى إيواء وحماية، وهنا لابد أن تتدخل الدولة لدعم مراكز إيواء النساء المعنفات واعتبارها واحدا من المشاريع الاجتماعية التي يجب أن توضع على قائمة مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، تسجل مونة الشماخ، مديرة مركز “تيليلا” التابع إلى فيدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، مضيفة أن مركز الإيواء الذي يستقبل نساء المعنفات من مختلف المدن، “أغلبهن يبقين فيه لمدة تتراوح ما بين 3 و6 أشهر، وهي المدة التي تستغرقها المساطر القانونية، وهناك حالات بقيت في المأوى حوالي سنة، وهي قليلة، أستحضر منها حالات زوجات تزوجن وهن قاصرات وخرجن من بيوتهن الزوجية وهن لا يتوفرن حتى على البطاقة الوطنية لذلك يبقين في المأوى إلى غاية إعداد بطائقهن وكافة الوثائق الرسمية التي تتطلبها المتابعة القضائية لملفاتهن، وهنا نواجه مشكل العنوان، واستخراج شهادة السكنى، لكن في عنواننا الحالي بهذا الدوار تتعاون معنا السلطات المحلية وتحدد لنا في الشهادة عنوان الدوار فقط، وليس المركز لسبب أمني، إذ كلما ظل عنوان المركز مجهولا صعب على بعض الأزواج الوصول إلى زوجاتهن ومحاولة إيذائهم من جديد”.
يستقبل المركز أيضا أطفال الأمهات المعنفات، شرط أن يكون سنهم أقل من سن التمدرس، إلا أن هذا الشرط لا يمنع قبول حالات خاصة لأبناء في سن التمدرس، تستفيد أغلبها من تسريع المسطرة القضائية والإدماج المهني حتى يعود أبناؤها إلى مقاعدهم الدراسية، “أغلب هؤلاء النساء يفضلن العودة إلى بيوتهن بمبرر الخوف على السنة الدراسية لأبنائهن المتمدرسين، لذلك نحاول أن نساعدهم بإدماجهن مهنيا ومحاولة إيجاد مسكن حتى يستقللن بأنفسهن ويعود أبناؤهن إلى مدارسهم” تضيف الشماخ.
يصعب تحديد المناطق التي تفد منها النساء المعنفات بكثرة، إلا أن مديرة المركز تؤكد أن أغلب الحالات التي استقبلها مركز الإيواء “تيليلا” خلال سنة 2007 جئن من فاس وضواحيها، فيما كانت أغلبية النساء اللواتي استفدن من الإيواء سنة 2008 ب”تيليلا” من مدن الجنوب، “عموما هناك تنوع، ونحن الآن بصدد إعداد دراسة من شأنها تحديد المناطق التي تفد منها هؤلاء النساء بكثرة”.
حين تضيق بهن الحياة في بيوت الزوجية، ويطاردهن العنف حتى في بيوت آهاليهن ، ويصبح هؤلاء أيضا مهددين، كما هو حال زوجات أكدن أن والديهن المسنين ذاقوا نصيبهم من العنف على يد أزواج البنات، وحين تغلق في وجوههن المدد التي تستغرقها المساطر القانونية باب الحماية، لا يجد هؤلاء غير أبواب الجمعيات النسائية في انتظارهن، فيلذن بمراكز الإرشاد والاستماع ويضعن على طاولاتها مشاكلهن وأهمها التهديد بالقتل، وهنا تتحرك هواتف التنسيق بين أعضاء وعضوات الجمعيات بحثا عن سرير لهذه الزوجة ولتلك الأم وأطفالها، بعضهن يحالفهن الحظ فيكون لهن في المركز مكان، وبعضهن يعدن، بسبب الطاقة الاستيعابية المحدودة، خائبات إلى بيوتهن الزوجية وفي قلوبهن رعب كبير. لذلك تجدد مونة الشماخ، مديرة مركز الإيواء “تيليلا” النداء إلى الحكومة لتتحمل مسؤوليتها، وإلى العمالات لتخصص جزءا من الميزانية المرصودة للتنمية البشرية إلى مراكز الإيواء “الجمعية لا تملك المركز بل تكتريه، وطاقته الاستيعابية كما قلت سابقا محدودة، كما أن هناك معايير يجب احترامها في كل مركز قبل استقبال النساء المعنفات، لذلك نطالب بمنحنا مقرا أو عقارا يمكن أن نستغله لهذا الغرض الإنساني”.
سبق لمسؤولات المركز، حين كان في تراب مديونة بالدار البيضاء، أن دعون عامل المنطقة إلى زيارة المؤسسة، “بالفعل لبى الدعوة وعاين بنفسه كل الخدمات المقدمة إلى النساء المعنفات وأطفالهن، وشجعنا على العمل الذي نقوم به، ليطلب منا في نهاية الزيارة مده بملف كامل عن المشروع الذي نطمح إليه، وبذلك فتح باب حلم كبير، إذ بالفعل كنا قد أعددنا الملف وقدمنا فيه عدة مقترحات بما فيها أنه في حال تحقق ستسفيد منه ليس فقط النساء المعنفات، بل ايضا نساء الحي الذي سيحتضن المشروع بتعليمهن حرفا ومهنا يمكنهن من خلالها البحث عن فرص عمل، لكن بعد توصله بالملف لم نتلق منه أي رد”.
بعد نقله إلى أحد دواوير إقليم سطات ، لم تتردد الجمعية في وضع الملف من جديد على مكتب العامل، كما سبق أن وضعت الجمعية الملف ذاته على مكتب عمدة مدينة الدار البيضاء، إلا أن الرد جاء مخيبا، إذ اعتبر مسؤولو مجلس المدينة أن المشروع كبير ويحتاج إلى مقر أو عقار بهذا الحجم، في حين أن المقرات التي يتوفر عليه صغيرة المساحة ، ولا يمكن تحويلها إلى مركز إيواء للنساء المعنفات.
لم تفلح كل هذه الردود المخيبة في قتل أمل الجمعية، بل وضعت نسخة أخرى عن ملفها/طموحها على مكتب عمالة عين الشق، خاصة بعد أن  وردت عليها  أخبار عن تبرع محسنة بعقار كبير لإنجاز مشروع اجتماعي، إلا أنها مرة أخرى لم تتوصل برد. “جمعيتنا رائدة في هذا المجال ولدينا خبرة جيدة، بل إن جمعية دنماركية لها باع طويل في مجال إيواء النساء المعنفات وضعت فينا الثقة ومنحتنا فرصة تسيير أيام دراسية في هذا الموضوع”، وهذا ما لم تحظ به الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة ولا أي جمعية أخرى متخصصة في هذا المجال، حين بني مشروع كبير في تراب مقاطعة أنفا، وحول إلى مركز استماع عوض أن يؤوي النساء المعنفات وتمنح الجمعيات المتخصصة الحق في تسييره بناء على خبرتها الطويلة.
ضحى زين الدين

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض