خاص

بانوراما الصيف: ربع قرن من التعذيب (الحلقة السابعة)

بداية التأريخ لجحيم السجون الجزائرية

لماني : قررت تدوين معلومات عن الأسرى المغاربة

عبد الله لماني الكهربائي الذي اختطف من طرف عصابات بوليساريو أثناء سفره من البيضاء إلى طاطا هو من كشف وجود مدنيين مختطفين بالسجون الجزائرية، بعد أن سرب من داخل سجن الرابوني لائحة بأسماء وهوية 142 أسيرا مغربيا أعدموا من طرف المخابرات الجزائرية وخريطة مقبرة جماعية ل45 مغربيا ضمنهم عشرة مجهولي الهوية، لجمعية فرنسا الحريات التي ترأسها دانييل ميتران زوجة الرئيس الفرنسي السابق، ويتساءل عن مصير التقرير الفرنسي الذي أعاد جمعية فرنسا الحريات إلى صوابها، وأبرز لها حقائق ما يجري بسجون تندوف، وعن مصير مندوبة الجمعية عفيفي كرموس الفرنسية ذات الأصول التونسية، والتي دمعت عيناها عند رؤيتها جحيم تندوف، فقررت دعم الأسرى المغاربة، لكن اسمها اختفى واختفى معه  التقرير الصادم للسلطات الجزائرية الذي سبق أن نشر على موقع الجمعية الالكتروني.   هل خضع بعض المغاربة تحت طائلة التعذيب اليومي وأصبحوا موالين لبوليساريو؟
 لن أكذب عليك، فمع استمرار التعذيب، خضع بعض  العسكريين لنزوات بوليساريو، وأصبحوا عملاء لهم، وأنا لن أتردد في ذكر أسمائهم، والعديد منهم أفرج عنهم، أخيرا.  
تقارير يومية تكتبها أياد مغربية لمغاربة يشاركوننا المبيت فقط، فيما تم إعفاؤهم من الأعمال الشاقة والتعذيب اليومي.

 كيف ومتى بدأت تفكر في تأريخ ما يقع داخل سجون الجزائر وبوليساريو؟
 بعد حوالي سنتين من ولوجي سجن الرابوني، استرجعت شيئا من ذاكرتي كإنسان، ورغم استمرار التعذيب اليومي، فقد قررت أن أدون معلومات عن الأسرى المغاربة، مدنيين وعسكريين، خصوصا القتلى والفارين، عن القتلة والخونة والأحداث التي أجد فيها نوعا من الاستثناء والغموض والتجاوزات …
ودونت هويات المغاربة الذين تم قتلهم أو كانت وفاتهم بسبب الأمراض والعذاب، وكذا أرقامهم وعناوين سكنهم إن أمكن، ورتبهم العسكرية وسبب وفاتهم وتاريخ اعتقالهم…  كنا عبيدا مع درجة عالية في القمع والتعذيب، سخرنا لأداء كل أنواع الخدمات القذرة والشاقة، وتدبرت بفعل تنقلي داخل السجن قلم حبر قسمته إلى نصفين، لكي أتمكن من إخفائه، واستعملت أكياس الإسمنت، وكنت أستجمع المعلومات وأعتمد على ذاكرتي القوية في حفظها لعدة أيام، وأختلي بنفسي عند قضائي الحاجة، وأدون المعلومات على ورق الإسمنت، لكي لا ينتبه إلي الحراس، لأن كل من وجد لديه قلم أو ورقة يتعرض لعقاب أليم، واستنطاق يجعل منه أحد أكبر العملاء والجواسيس للاستخبارات المغربية، ويطلب منه تقرير عن كل الرسائل التي خص بها المخابرات المغربية وشركائه من الأسرى والصحراويين اللاجئين في المخيمات والجمعيات أو الإعلاميين  الذين يقومون بزيارات للسجن، وإن كانوا حينها موالين لهم.
أذكر أن أسيرا مغربيا، نسيت اسمه، كان يخبئ بين أمتعته  قطعة ورق  من كتاب لأغاني أم كلثوم، بها مقطع لأغنية أعجبته، ولما عثر الحراس على الورقة، جلدوه حتى أغمي عليه.
قلت إنني اختليت بنفسي بعد أن استأذنت الحراس، وتواريت في خلاء بالسجن، حيث كتبت المعلومات باللغة العربية ودسست الورقة رفقة باقي الورق داخل كيس بلاستيكي كنت أحفر له حفرة على طول واد جاف قرب جدران السجن… استمررت في كتابة المعلومات لمدة تقارب ثماني سنوات إلى أن تم الاعتراف بنا كسجناء مدنيين مختطفين بضغط من منظمة الصليب الأحمر الدولي، وبدأنا نحتك تدريجيا وبحذر شديد مع الحراس ومسؤولي الأمن داخل السجن.. ومرت السنوات، وبدأنا نكسب ثقة عناصر الأمن داخل السجن، وخفضت المراقبة اللصيقة التي كان يفرضها الحراس بطلب من قيادتهم كلما زوارا السجناء. ولم أكن أفكر حينها بأنني سأنجز كتابا أو أسرب معلومات إلى خارج السجن، كانت فكرتي أن احتفظ بما وقع لي ولباقي أبناء بلدي حتى موعد الإفراج عني.

  هل تراجع التعذيب وأصبح الأسرى يحتكون بالجمعيات الأجنبية والإعلاميين الوافدين على سجن الرابوني؟
 مع المدة أصبحت لدينا زمالة مع بعض الحراس ورجال الأمن، الذين أصبحوا واثقين من أننا لن نحاول الهرب أو التجسس، فالحراس كانوا هم كذلك يعيشون العذاب، بسبب أوامر المسؤولين الذين كانوا يمنعونهم من الحديث الثنائي أو الانفراد بالسجناء، إضافة إلى المراقبة الأمنية الصارمة عليهم.
ومن الحراس من أفشى لنا العذاب والنظام المجحف الذي يسري عليهم، وأكدوا لنا أنهم ضد ما نعاني، لكنهم مرغمون.
حاولت الاجتماع بمجموعة من الأطباء التابعين لمنظمة الصليب الأحمر الدولي، يأتون سنويا من أجل مراقبة ومعالجة الأسرى المرضى، بعد أن بدأت أصوات أجنبية تندد بمعاناتنا. قل التعذيب، وبدأ نوع من الترفيه تلفاز(قناة الجزائر فقط) وراديو بوليساريو، وأغاني رابح درياسة الذي كان يتغنى بانتصارات الجبهة وفرار الجنود المغاربة في الوقت الذي كان ضيفا بالدار البيضاء يحيي سهراته والجماهير المغربية تتدفق لمشاهدته.
هناك جمعيات هولنديين، فطنوا إلى كذب بوليساريو كانوا ينتظرونهم بتيندوف، ويقلونهم على سيارات “لوندروفير” ويدورون بهم داخل التراب الجزائري عدة أيام، حيث التلال الرملية ليتوقفوا على أساس أنهم وصلوا إلى أرض الجبهة المستقلة، بئر لحلو أو السمارة، ويظهرون لهم السجناء المغاربة، لكن تلك الجمعيات كانت تحمل خرائط وبوصلات وفطنت إلى أنهم مازالوا داخل التراب الجزائري، فقاطعوهم.

أجرى الحوار: بوشعيب حمراوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق