خاص

البـوز: الكتلـة انهـارت

الباحث في العلوم السياسية أكد أن التموقع في الحكومة ساهم في تعميق الخلافات بين مكوناتها

أكد الباحث أحمد البوز، أستاذ العلوم السياسية أن الكتلة انهارت خلال بداية ما عرف بـ “التناوب التوافقي” في نهاية التسعينات، حينما لم يستسغ حزب الاستقلال الطريقة التي أبعد بها من قيادة تلك التجربة وهو الذي كان أمينه العام قاب قوسين أو أدنى من أن يكون ربانا لها.

وأوضح البوز أن التحالف الثلاثي فشل في توحيد الموقف من المشاركة في حكومة ما بعد 2011، لتتعمق الخلافات فيما بعد، معلنة نهاية الكتلة.

في ما يلي نص الحوار:

< يرى البعض أن العدالة والتنمية نجح في تفكيك كل التحالفات التي كانت قائمة في المرحلة السابقة، وضمنها الكتلة الديمقراطية. كيف تقرأ مسار انهيار هذا التكتل الوطني؟

< يجب الاعتراف أن انهيار هذا التكتل سابق بكثير على صعود العدالة والتنمية إلى صدارة المشهد السياسي، وأظنه انهار، خلال بداية ما عرف بـ “التناوب التوافقي” في نهاية التسعينات، حينما لم يستسغ حزب الاستقلال الطريقة التي أبعد بها من قيادة تلك التجربة وهو الذي كان أمينه العام قاب قوسين أو أدنى من أن يكون ربانا لها.

ونتذكر جيدا كيف أن مشاركة حزب الاستقلال في الحكومة التي قادها الاتحاد الاشتراكي تطلبت انتظار عقد مؤتمره الاستثنائي، واعتزال أمينه العام امحمد بوستة للعمل السياسي، بل إنه حتى مع قبوله دخول الحكومة، فضل  الحزب أن تكون مشاركته بوزراء من الصف الثاني في الحزب.

لا يجب أن ننسى أن الصراعات ظلت قائمة فيما بعد بين هذين الحزبين الرئيسيين للكتلة، فقد وضع حزب الاستقلال عراقيل جمة في وجه حكومة اليوسفي، حينما وجه أمينه العام عباس الفاسي سنة 2000 مذكرة قالت في هذه الحكومة ما لم تقله فيها المعارضة، بل إن هذا الحزب يعتبر بطريقة أو بأخرى من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في الإطاحة بعبد الرحمن اليوسفي من على رأس الحكومة، عندما طالب سنة 2002 “بالتناوب داخل التناوب” أو “مولا نوبة” كما سمتها وقتئذ افتتاحية شهيرة لجريدة “العلم”، حيث استغل موقفه هذا من طرف الملكية لتبرير المجيء بحكومة تقنقراطية.

كذلك، هناك محطات أخرى أثبتت أن مسألة الكتلة ليست سوى اسم بدون معنى، بحيث فشلت أحزاب الكتلة أو لنقل ما تبقى منها، سنة 2007 في تقديم مشروع مذكرة حول الإصلاح الدستوري، قبل أن يتولى الاتحاد الاشتراكي القيام بهذه المهمة لوحده سنة 2009، كما فشلت في توحيد موقفها من المشاركة في حكومة ما بعد 2011، حينما آثر الاتحاد الاشتراكي البقاء في المعارضة، بينما فضل حزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية المشاركة، قبل أن ينسحب الاستقلال ويستمر التقدم والاشتراكية.

لذلك، في اعتقادي أن كل هذه العناصر تبرز إلى أي حد أن الكتلة لم يعد لها وجود منذ مدة، وأن استمرار الحديث عنها بين الفينة والأخرى لا يعني أنها قائمة. فهي الآن مجرد أرشيف يحيل إلى نوع من السياسة التي مورست من قبل أحزاب سياسية محددة أضحت الآن فاقدة لبوصلتها ولم تعد تمتلك مصيرها بيدها.

< هل يعني هذا أن الكتلة استنفدت مهامها، ولم يعد مبرر لوجودها؟

<  أظن أن الحقل السياسي المغربي عرف تحولات مهمة وكبيرة، أبعدتنا بكيفية واضحة عن الظروف التي أنتجت الكتلة الديمقراطية، وعن السياق الذي جعلها حاجة مجتمعية، وأدى إلى جعلها تخلق ديناميكية مهمة في مغرب نهاية الثمانينات وبداية التسعينات. فالأحزاب السياسية التي كونتها طرأت عليها تحولات تنظيمية وسياسية جمة، وفقدت الكثير من رصيدها الاجتماعي والانتخابي والنضالي، وتحولت في كثير من الأحيان إلى مستهلك لما ينتجه الآخرون بعد ما كانت من قبل تنتج ما يستهلكه الآخرون. وتركت مكانها لقوى سياسية أخرى لها اختيارات ومواقف يفترض فيها أنها تختلف عن الاختيارات التي كانت تدافع عنها الأحزاب المنشئة للكتلة، إن لم نقل إنها جاءت لكي تواجهها.

لذلك، فإذا كانت الحاجة إلى التكتل الحزبي والسياسي لا تزال قائمة، وإلى وجود قوة مضادة حقيقية وفاعلة، في ظل استمرار تعثر الانتقال إلى الديمقراطية، واستمرار مسلسل تنميط الحياة السياسية، والسعي نحو تكريس حزب وحيد في الساحة السياسية، فإن السؤال الذي يطرح يتعلق بما هي القوى التي يمكن أن تكون موضوعا لهذا التكتل.

< هناك من اقترح توسيع الكتلة لتشمل إلى جانب مكوناتها السابقة العدالة والتنمية، كيف تنظر إلى هذه الفكرة التي تم التعبير عنها قبيل الانتخابات، ولماذا فشلت هذه الدعوة؟

< أظن أن مثل هذه الدعوات كانت تستحضر ذلك النداء الذي كان قد أطلقه في نهاية الثمانينات الراحل محمد عابد الجابري، حينما تحدث عن كتلة تاريخية تضم القوى التي لها مصلحة في التغيير.

المشكل الذي يطرحه الحديث عن تكتل من هذا النوع في الوقت الحاضر، والذي ينطلق أساسا من الرغبة في استيعاب “الإسلاميين”، وبالتحديد هؤلاء المنخرطين في إطار العدالة والتنمية، هو أنه لا يحدد الهدف من هذا التكتل، أي المقصود بالتغيير.

فالإسلاميون لهم بالتأكيد مصلحة في التغيير، ولكن هل هو التغيير الذي يعني تحقيق الديمقراطية، وتمثلها كمفهوم فلسفي، وليس مجرد عملية إجرائية تسمح بالوصول إلى سدة الحكم، أم التغيير الذي يستهدف إحلال قوى محافظة مكان قوى أخرى محافظة؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه.

لذلك، هناك فرق بين الدفاع عن أحقية تنظيمات معينة في الوجود، وفي العمل بشكل طبيعي في الحياة السياسية وبين أن تكون هذه القوى جزءا من إستراتيجية لبناء التحالفات والتأسيس لبناء مشروع سياسي معين.

أجرى الحوار: برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق