تجار حولوا محلاتهم إلى مخازن والملك العمومي لترويج سلعهم بـ"الفراشات" وحدها السطوح مازالت لم تتحول إلى أسواق في درب السلطان، وبضعة أزقة مازالت تتمتع بحريتها، وتلوذ بنفسها من فوضى الأسواق العشوائية في هذا الحي العتيق. كل متر مربع خال قابل للتفويت. لا وجود لملك عام في القاموس التجاري لسكان وباعة الدرب المشهور وطنيا، "بغيتي تجلسي هنا، خصك تخلصي مولاها بعدا"، يقول أحد الباعة المتجولين من أبناء درب السلطان، وهو من عائلة امتهنت البيع بالتجول منذ سنوات طويلة وهو مورد رزقها الوحيد، ردا على سؤال إمكانية وضع "فراشة" قريبا من "فراشته"، قبل أن يضيف متمعنا في محدثيه، "هذا المكان ليس فارغا، كما ترون، بل له صاحبه منذ زمن، وهو اليوم لم يأت، لكن لا حق لأي أحد آخر استغلال مكانه، اللهم إلا إذا دفع مقابلا ماليا عن ذلك". سومة كراء "بلاصة" في خريطة السوق الفوضوية تختلف من مكان إلى آخر، فهي في زنقة الشمال أكثر ارتفاعا، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بملابس نسائية، "إلى حطيتي تما، غادي السلعة تطير في دقيقة، هنا خاصك شويا الوقت"، وذاك سبب لترتفع سومة استغلال المكان الذي يستغله الباعة منذ سنوات، ويصبح بالنسبة إليهم ملكا خاصا، لا حق لباعة جدد باستغلاله، إلا بمقابل مالي. قوانين سوق درب السلطان خاصة جدا، لا تستنبط روحها من المدونات التجارية، بل من عرف أسسته مافيات السوق الذي لا تنفع كل الحلول في امتصاص باعته المتجولين/القارين. وسؤال "الصنك؟" يصيب بعض هؤلاء الباعة بهيتسريا الضحك، قبل أن يردوا أنه لم يكن وجود له أصلا مع أبناء المنطقة، لكن "البوجادية" كما وصفهم أحد باعة درب السلطان من أبناء الحي، "مازالوا يشكلون مصدر أجرة إضافية لبعض رجال السلطة"، قبل أن يستدرك أن حادثة انتحار البائع التونسي البوعزيزي، أعفت حتى "البوجادية" من الأداء. "اليوم يمكنك فقط إيجاد حل مع البائعين المسيطرين على السوق، أما السلطة فهي تدرك أنها في أي تدخل ستشعل فتيل "بوعزيزيات" بالآلاف في أسواق درب السلطان".قلة قليلة من تجار السوق المنظمين يروجون هم الآخرون سلعهم بالبيع بالتجول، بعد أن اقتنعوا أن الخضوع إلى النظام لا يفتح أمامهم باب الكسب المشروع، كما اقتنعوا أن "الفراشة" هي سجادة علاء الدين التي تنقلهم إلى الربح السريع، والتي تضع بينهم وبين الكساد مسافة كبيرة. "كلشي عندو فراشات، إلا بعض المحلات اللي عندهم الرواج من بكري، عندهم كليان خاص"، يسجل بائع بالتجول يعمل لحساب محل تجاري يسوق ملابس الأطفال والنساء، فيما يعرض عماله للبيع بالتجول ملابس داخلية نسائية. مبرر تجار المحلات معقول، مادامت السلطات تتغاضى عن الظاهرة، أو الأصح تعجز عن وضع حد لها، خاصة أنها تدرك أنها بذلك ستغلق أبواب عدة منازل بالدرب تقتات من البيع بالتجول، وهذه خلاصة شهادات بعض سكان الحي، الذين يسمحون لباعة بالتجول باستغلال جزء من بيوتهم لتخزين السلع، والباحات الأمامية للبيت كذلك، "السعر يختلف من بيت إلى آخر، حسب الموقع، فالأزقة التي تعرف رواجا كبيرا، تدر على سكانها ربحا كبيرا، لذلك لا تجدين من يشتكي رغم الضجيج اليومي ورغم قلة الراحة في البيت، فالسكان يستفيدون وينزل رب البيت كل مساء ليتقاضى من الباعة المتجولين ثمن استغلالهم عتبة بابه، أي جزء من الزقاق يتصل ببيته هو ملكه الخاص، وكل من عرض سلعه بالقرب منه يجب أن يدفع".هذه القوانين لا تسري على نوع آخر من باعة درب السلطان، من الذين يعملون لصالح مافيات البيع بالتجول التي تبسط يدها على أغلبية الأسواق العشوائية، ليس فقط على صعيد درب السلطان، بل في الدار البيضاء. فلهؤلاء قوانين خاصة وحماية دائمة من رجال سلطة وموظفي مقاطعات، ووحدهم لم يكونوا في حاجة إلى أن يحرق البوعزيزي نفسه ليحرر الباعة المتجولين في باقي البلدان العربية، وهذا حديث توجد بعض تفاصيله في شهادات باعة درب السلطان، "بعد البوعزيزي، لا أحد يجرؤ على مطاردتنا في الأزقة والشوارع ولا مصادرة سلعنا". ضحى زين الدين