fbpx
ربورتاج

سيدي الطيبي …مافيا السكن العشوائي

مئات “البراكات” فرخت أمام أعين السلطات والسماسرة

تفتقد جماعة سيدي الطيبي لأبسط مقومات الحياة الكريمة. لا تبعد عن عاصمة الغرب سوى ببضعة كيلومترات، على الطريق الوطنية الرابطة بين سلا والقنيطرة. كتب على أهلها العيش في الفقر والهشاشة الاجتماعية على الأراضي السلالية. ورغم إعطاء الملك محمد السادس منذ 2005 انطلاقة إعادة هيكلة الجماعة عبر ثلاثة أشطر، إلا أن السكن العشوائي تفاقم بها،
وبلغت الأكواخ الصفيحية 900 “براكة” جرى تفريخها في ظرف زمني لا يتعدى سنة، وبات أهلها يلقبونها ب”الهراويين” الجديدة.

إنجاز: عبدالحليم لعريبي – تصوير (عبدالمجيد بزيوات)

صراخ نسوة وتهديد لشباب ومسنين بالانتحار واتهامات للسلطات المحلية ومواجهتها بالعنف في بعض الأحيان ورفض إخلاء المنازل العشوائية…هذا ما قابل به العديد من قاطني الدور الصفيحية بسيدي الطيبي رجال السلطات الترابية وأعوانهم أثناء التدخل لهدم المنازل التي بينت بدون ترخيص.

شبكات السمسرة

جماعة قروية يبلغ سكانها 60 ألف نسمة بقائدين وباشوية وبأزقة عشوائية غير معبدة، انتشر بها السكن غير اللائق في ظرف زمني قصير، وباتت مظاهر الهشاشة الاجتماعية وغياب أبسط مقومات الحياة اليومية العنوان الأبرز للجماعة.
لا حديث يدور هذه الأيام سوى عن “عسكرة ” المنطقة التي جهزت لها عمالة القنيطرة مختلف عناصر التدخل السريع التابعة لجهاز الدرك الملكي والقوات المساعدة والوقاية المدنية والسلطات الترابية وأعوانها والمخبرين لهدم المنازل التي جرى تفريخها في ظرف سنة وفاقت 900 “براكة” بنيت بطرق عشوائية، وأمام أعين مسؤولي الإدارة الترابية.
حوالي ألف أسرة شيدت منازل عشوائية في ظرف سنة أملا في الاستفادة من إعادة هيكلة الجماعة التي تحولت في ظرف زمني قصير إلى ما يشبه المدن الصاعدة. هذه الأسر تعاني الفقر والتهميش ومازالت مظاهر البداوة بادية عليهم. ورغم قساوة البرد والأمطار التي تهاطلت على المنطقة وأحوازها، لم يمنع ذلك السلطات المحلية من إفراغ العديد من العائلات التي شيدت منازلها بطرق عشوائية.
حسن كمال، شخص كفيف، من ذوي الاحتياجات الخاصة، اقتنى قبل سنة بقعة أرضية، بعدما ادعى وسيط أن الأرض في ملكيته وأنها ستستفيد من إعادة هيكلة الجماعة، قبل أن يكتشف الضحية وقوعه رفقة عائلته الفقيرة في فخ النصب والخداع.
وفور وصول جرافات السلطات المحلية، هدمت سكنه العشوائي، وأظهر عدد من جيرانه تعاطفا كبيرا معه.
فاطمة مشاي وهي زوجة الكفيف تحدثت ل”الصباح” أن “السمسار” أوهمهم أن الأرض في ملكيته، وانتقلت من الشماعية ضواحي آسفي نحو سيدي الطيبي حيث يقطن أهالي زوجها، واكتشفت في نهاية المطاف أن الوسيط عرضهم للنصب والاحتيال.
ظل رب الأسرة الكفيف يصرخ في وجه السلطات المحلية وهو يؤكــد أنه تخلى عن إجراء عملية جراحية على عينه واقتنى أرضا بأربعــة مـلايين سنتيم أملا في الاستفادة من إعادة هيكــلة الدواوير الناقصة التجهيز. وفي الوقت الذي خسر هذا الضحية خمسة ملايين سنتيم على سكنه العشوائي، وجد نفسه في الشارع العام، فيما سارعت عناصر الدرك الملكي إلى إيقاف الوسيط وسط تجمهر المئات من ساكنــة المنطقــة، وأحالتــه علــى المركز الترابي الذي وضعه رهـــن الحراســـة لنظرية، وأخضعه للبحث التمهيدي. واضطرت الزوجة فاطمة للنزوح إلى بيت أحد أفراد أسرة الزوج، والصراخ لا يفارقها بعد هدم منزلها، ورغم إشعارها أن الوسيط جرى اعتقاله وإحالته على وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، ردت بصوت مرتفع “أش غادي يرجع ليا إلى مشى الحبس”.
أثناء متابعتنا لعمليات الهدم التي باشرتها السلطات المحلية معززة بآليات ثقيلة وفرق التدخل السريع التابعة لجهاز الدرك الملكي إلى جانب أفراد القوات المساعدة ومختلف وحدات الدرك من مراكز ترابية وقضائية، لا تحكي العائلات سوى عن سقوطها ضحايا وسطاء سماسرة ضمنهم أعوان السلطة المحلية.

مشاريع معلقة

يقول محمد بليد وهــو فــاعل جمعــوي بالمنطقة أن الجماعة القــرويــة التي تحولت إلى مدينة يصل تعداد سكــانها إلى 60 ألف نسمة، أعطى الملك محمد السادس منذ 2005 الانطلاقة الرسمية لإعادة هيكلتها عبر ثلاثــة أشطر التي كان من المزمع الانتهاء من الأشغال فيها خلال 2015، لكن ظلت مشاريعها معلقة، فيما ازدادت دواوير الجماعة هشــاشــة، وتفاقمت الهجــرة القــروية مــن كــل النواحي واستقر النازحون فــوق أراضي الجمــاعية السلالية.
ويشدد بليد على أن ما حدث في ظرف سنة يسائل جميع المسؤولين بالمنطقة حول المهام المنوطة بهم، إذ سمحوا سمح لشبكات السماسرة في استغلال جهل الفقراء والنصب عليهم.
دواوير أولاد الطالب الغربية والشرقية وأولاد انصر الغربية والشرقية والزمراني وجبل جمايكا… بنيت فوقها أكواخ صفيحية وتغاضت السلطات المحلية منذ الانتخابات الجماعية الماضية عن المخالفات المرتكبة، وازداد هذا التغاضي قبل الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر الماضي، كما فتح الباب على مصراعيه لفائدة شبكات السماسرة التي اغتنت من عائدات الوساطة لفائدة الراغبين في الاستفادة من إعادة هيكلة الجماعة. وبعد مرور شهرين على إجراء الانتخابات عقدت اجتماعات رسمية ضمت مختلف مسؤولي الجماعات الترابية بعاصمة الغرب، وقدم فيها باشا الجماعة والقائدان، لوائح عن عدد البنايات التي تزايدت منذ نهاية 2015، فيما وفر الدرك الملكي معطيات مهمة عن المناطق التي تزايد فيها السكن العشوائي. ويقول مسؤول بالسلطة المحلية أثناء جولتنا إن المنازل التي هــدمتها الجرافات تتعلق أساسا بالبنايات التي شيدت في ظرف سنة.
ويضيف المسؤول نفسه أن العديــد من العائلات التي نزحت إلى الجماعة كان هدفها الاستفــادة مــن إعادة هيكلتها والحصول على بقع أرضية بطرق غير قانونية. واكتشفت السلطات المحلية حسب قول المسؤول نفسه أن العديد ممن جرى إحصاؤهم في 2015 فوق الجماعة السلالية قاموا بتجزيء المنازل المحصاة وأعادوا بيعها بأثمنة مناسبة إلى الضحايا.  ومازالت السلطات المحلية مدعومة بقوات التدخل السريع للدرك الملكي والقوات المساعدة تقوم بعمليات هدم المنازل التي شيدت فوق تراب الجماعة السلالية.

نهاية اللعبة

منذ بداية عمليات الهدم التي باشرتها السلطات المحلية تحت إشراف عامل القنيطرة، أوقفت عناصر الدرك الملكي مجموعة من السماسرة الذين تورطوا في عمليات النصب والاحتيال على الراغبين في الاستفادة من بقع أرضية بعد هيكلة الجماعة.
وكشف مصدر مطلع أن الموقوفين أحيلوا على النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بالمدينة، بتهم تتعلق بالنصب واستعمال وثائق مزورة، بعدما جرى الاستماع إليهم في محاضر رسمية وبحضور شهود وكذا الضحايا.
وفي سياق متصل، أوقفت الضابطة القضائية مجموعة من الأشخاص الذين رفضوا إخلاء منازلهم إضافة إلى مواجهتهم لقوات الأمن العمومي بالعنف أو التهديد بالانتحار، وأخلى المركز الترابي للدرك الملكي بالجماعة سبيل العديد من الموقوفين بأمر من النيابة العامة، بعدما تبين أنهم كانوا في حالة غضب أثناء عمليات الهدم.
إلى ذلك، حررت الضابطة القضائية مذكرات بحث في حق عدد من المتورطين في النصب والاحتيال على الراغبين في الاستفادة من بقع أرضية في إطار إعادة هيكلة جماعة سيدي الطيبي، وتقاطرت مجموعة من شكايات الضحايا على النيابة العامة تطالب بفتح تحقيق قضائي في موضوع تعرضهم للنصب والاحتيال، وبإرجاع الأموال التي سلموها للمتورطين.
ع. ل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى