ربورتاج

السراغنة… قلعة الخيول وأشجار الزيتون

ملك سعودي يتبرع لبناء مركز “دياليز” والمدينة تسعى لاحتلال الريادة في الفلاحة

يستقبل زائري قلعة السراغنة، من جهة بنجرير، حصان إسمنتي، في حين تبدو المدينة من طريق “العطاوية”، مثل واحة تحضنها أشجار الزيتون الوارفة. إنها مدينة الخيول وأشجار الزيتون.. بكل بساطة يجيب سكان قلعة السراغنة، فالمدينة كانت قلعة للسلطان مولاي إسماعيل مهمتها حراسة القوافل، ثم نمت بعمرانها مع الزمن، فاستوطنتها القبائل العربية وأسهمت بثقافتها في ولادة أسلوب عيش فريد.

خالد العطاوي  (موفد الصباح إلى قلعة السراغنة)

قلعة السراغنة مدينة الخيول، إذ تشتهر قبائلها بتربية الفرس، وقبيلة “أولاد عمر”، مثلا، مازالت تشارك بانتظام في مهرجانات “التبوريدة”، فتسيل أحصنتها لعاب المتيمين بجمالها وقوتها، بل إن مرافق “الصباح” طالما شرد كثيرا، وهو يتحدث عن الخيول، خصوصا حين يتذكر حصان “حجر الواد”، ذاك الحصان الذي يملك “مروءة” نادرة، ونخوة وأصالة وحضورا، وانسيابا، حين يسحر شعر عرفه الحاضرين، سيما حين يتطاير مع الريح، دون أن يتخلى عن قوة تحمله، وسرعته، فضلا عن وفائه وإخلاصه لمالكه.
الحصان عنوان مدينة. ولو قضيت أسابيع تستمع لقصص علاقة “السراغنة” بالخيول لما كفيت، فالحصان، هناك، ذكي جيدا يعلم بقدوم مالكه من وقع قدميه، دون أن يراه، فيصهل ويحمحم معبرا عن الفرح والتحية والوفاء والإخلاص والانصياع للأوامر.

قلعة السراغنة… واحة الزيتون

المدينة واحة وسط أشجار الزيتون، تقاوم المد العمراني بغرس الأشجار، خصوصا أن تربة المنطقة تجمع بين الصلابة، والخصوبة، وحين انصهرا معا جعلا زيت زيتون الإقليم الأكثر شهرة، حتى فاق توزيعه منتوج باقي الأقاليم المجاورة.
في منطقة العثامنة تصطف معاصر الزيتون على امتداد الأفق، ف”بين معصرة وأخرى توجد معصرة” يتفنن أصحابها في تحديث آلاتها والاهتمام بالمنتوج الذي يعول عليه المسؤولون في استعادة الإقليم لبريقه.
ولم يخف الحسن بوزي، عامل بأحد المعاصر بالعطاوية، في لقاء مع “الصباح”، أن زيت الزيتون بالمنطقة يتميز بالجودة وطنيا، رغم قلة العرض، خلال هذه السنة، إذ تبلغ المردودية خلال هذه السنة 12 طنا في الهكتار، ووصل ثمن الزيتون في السوق 7 دراهم للكيلوغرام الواحد، أما ثمن اللتر الواحد من زيت الزيتون فيفوق 50 درهما.
يتحدث بوزي بعشق عن زيت الزيتون ومشتقاتها، فتخاله خبيرا في الأشجار وأنواعها، لكنه لا ينكر أن المرحلة الحالية تفرض بذل مجهودات كبيرة من أجل استمرار الإقليم في ريادته.
أما الحسن فاصكا، منسق أنشطة مكتب الحوز بإقليم قلعة السراغنة، فصرح أن الإقليم يتوفر على 72 ألف هكتار من أشجار الزيتون، منها 65 ألف هكتار منتجة للزيتون، قارب إنتاجها 11 ألف طن منه خلال هذه السنة، وهو رقم عرف تراجعا مقارنة مع السنوات الماضية.
وأرجع فاصكا أسباب تراجع إنتاج الزيتون إلى غياب التساقطات المطرية، وانخفاض درجات الحرارة، مما أدى إلى ارتفاع الثمن، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن من بين الحلول المقترحة إحداث نظام تجميع للفلاحين الصغار من أجل تحقيق مردودية أحسن، إضافة إلى تحديث إجراءات السقي. ولم يخف فاصكا أن القطاع يعرف بعض الظواهر السلبية، مثل سوء تنظيم الفلاحين، مما يُنعش السماسرة للتدخل بين الفلاح والمصنعين، إضافة إلى عدم تطور المسار التقني في الزراعة.
وحث فاصكا الفلاحين على ضرورة الرفع من المردودية من أجل خفض الأثمنة، وتشجيع الاستهلاك وخلق وحدات صناعية عصرية ضمانا لجودة زيت الزيتون.
في نظر سكان القلعة فإن أشجار الزيتون ثروة حقيقية، إذ تعددت اللقاءات من أجل خلق مشروع تنموي هدفه تحسين الإنتاجية من 1 إلى 4.5 أطنان للهكتار، وتحسين دخل الفلاحين من 3300 إلى 18.880 درهما للهكتار، والرفع من القيمة المضافة من 12500 إلى 21630 درهمـا للهكتـار، فضلا عــن توفير 123550 يوم عمل جديد.
وتتجلى مكونات المشروع فـي الإعداد الهيدروفلاحي، من خلال استصلاح السواقـي على طول 66 كيلومترا، وغرس أشجار الزيتــون على مساحة 2500 هكتار، والعناية بأشجـار الزيتون المغروسة على مساحة 2000 هكتار.

الحليب… حلم استعادة الريادة

يحلم كل فلاحي قلعة السراغنة باستعادة أمجادهم في إنتاج الحليب، فخلال يوم دراسي حول تنمية وتحسين سلسلة الحليب، أعلن أحمـد صبري عامل الإقليم أن 2017 ستكون سنة لانطلاقة جديدة للقطاع، ببنيات جديدة ومؤهلة لاستقطاب الاستثمار، خصوصا أن الإقليم سيعرف إحداث منطقة صناعية جديدة على مساحة 60 هكتارا، ومنطقة لوجيستيكية من الصنف الثاني في مدخل المدينة من الجهة الجنوبية.
ودعا عامــل الإقليــم جميع المهتمـين بقطـــاع الحليـــب للمساهمة واقتراح الحلول الناجعـــة والكفيلة بالرفع من مستوى هذا القطاع وجعله أكثر تنافسية، مشــيرا إلى أن إنتاج الحليب يشكل دعامة أساسية للاقتصاد المحلي بالنظر إلى الوضعية الحالية، حيث يتوفر على 60 ألف رأس من الأبقار الحلوب، أي ما يمثل 24 في المائة من مجموع عدد الأبقار بجهة مراكش آسفي، تنتج ما مجموعه: 115 مليون لتر من الحليب سنويا، وهـــو ما يشكل 52 في المائة من المنتوج الجهوي، مضيفا أن عدد الكسابة يبلــغ 24000 بنسبة 55 بالمائـــة جهويا، كما يبلغ عدد التعــاونيات ومــراكز جمـــع وتســويق الحليب 96 وحدة، وهـــي مؤشـــــرات تـــؤكــد أن القطـــاع أصبح يتطلب تنظيما قويا ليكون في مستوى التطلعات، حسب قول المسؤول نفسه.
أرقــــام وأمان فــي استعـادة تاريخ قلعـة السراغنة في تربية الأبقار، رغـم الإكراهات والمنـافسة الشـديـدة، إلا أن بعض المربين لا يخفون، في لقائهم مع “الصباح”، عزمهم تطـوير القطــاع، ولا ينتظـــرون إلا الدعم من المسؤولـين من أجل جعل المنطقة الأكثر إنتاجـا على الصعيد الوطني.

المدينة النظيفة

يفتخر المنتخبون في قلعة السراغنة بنظافة مدينتهم، فالشوارع، كما عاينت “الصباح”، نظيفة وعمال النظافة التابعون لإحدى الشركات الخاصة منهمكون في جمع النفايات، علما أن الشركة نفسها فشلت في مهمة مماثلة بمدن أخرى، إلا أنها في القلعة حققت كل أهدافها، وهو ما يرجعه نور الدين آيت الحاج، رئيس المجلس الجماعي، إلى المراقبة المستمرة، علما أن المدينة سبق لها أن نظمت حملة واسعة حملت شعار:” مدينة نظيفة .. بيئة سليمة”.
المدينة تتجدد وتطــرد عنهــا طابعها البـــدوي.. إنها الملاحظــة الأولى في جـــولة امتدت إلى أحياء عديدة: أشغال ترصيف الشوارع والأزقة أوشكت على نهايتها، وملاعب قرب معشوشبة يلهو فيها الأطفال، وتبليط واجهات المنازل، وبناء قنوات الصرف الصحي، إضافة إلى تشييد مركب ثقافي ومراكز اجتماعية.. لكن الأهم وجود مكتب يسير بانسجام.
يُسير مجلس جماعة قلعة السراغنة رئيس ينتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، أما نائبه فينتمي إلى حزب العدالة والتنمية، ولا يخفي المنتخبان أنهما يعملان في توافق تام “خدمة لمصلحة المدينة”، بل إن مستشارا جماعيا سخر من الأمر قائلا:” لو استقر بنكيران والعماري في القلعة لشكلا حكومة في أقل من 24 ساعة”.
يجذب عبق التاريخ زائري المدينة، ويشدهم هواؤها العليل، حتى أن “فراقها” يؤلم القلب، فالارتباط بالمدينة وسكانها يذكر الزائرين بارتباط الإنسان بالأرض.

شجرة عمرها 65 مليون سنة

في أكتوبر 1986 تم العثور بدوار الحجاني بقيادة ابن جرير دائرة الرحامنة، على شجرة معمرة من الصنوبر.
الاكتشاف يلخص علاقة سكان قلعة السراغنة بالأشجار، فالمدينة تبدو مثل واحة وسط أشجار الزيتون المثمرة.
في عهد الاستعمار الفرنسي غرست سلطات الحماية أشجار الصنوبر والتوت في مدخل المدينة مازالت، إلى حد الآن،  ترخي بظلالها على الطريق، حسب قول أحد مرافقي “الصباح”، في حين تحرص السلطات المحلية، حاليا، على عقد اتفاقيات مع  المكتب الشريف للفوسفاط من أجل غرس أشجار الزيتون، إذ نظم  المكتب، خلال السنة الماضية قافلة لغرس أشجار الزيتون همت حوالي 1500 منتج للزيتون استفادوا من دورات تكوينية ومواكبة تقنية وزراعية متقدمة.

الأطباء يرفضون العمل

ابتدأت قصة المركز باستطلاع على القناة الثانية، منذ سنوات، حينها تدخل ملك السعودية الراحل من أجل بناء المركز بمبلغ مالي قارب 120 مليونا، بعدما لمس معاناة المرضى.. ثم ابتدأت الأشغال، وشيد المركز، وتم تجهيزه بالآلات، وبدأ يستقبل المرضى.
لم تدم فرحة المستفيدين كثيرا، فرغم توفير كل الإمكانيات، إلا أن الأطباء المعينين من وزارة الصحة يرفضون الاستقرار بالمدينة، لرغبتهم في العمل بالمدن الكبرى، وأحيانا يلجأ بعضهم إلى تقديم شهادات طبية شهورا لتفادي الحضور للمركز. وأكدت الطاهرة اخشيشن، رئيسة الجمعية المحمدية لتصفية الدم، وجود خصاص كبير في الموارد البشرية، مشيرة إلى أن مجلس الجماعي لقلعة السراغنة يساهم سنويا بمبلغ 500 ألف دهم، في حين يساهم المجلس الإقليمي بـ 600 ألف درهم، ومجلس جهة مراكش-آسفي بـ 650 ألف درهم، بينما سيارة الإسعاف التي يتوفر عليها تسلمها في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
وأوضحت اخشيشن أن جميع المرضى من المستفيدين من التغطية الصحية “راميد” يخضعون لحصص غسيل الكلي بالمجان، إضافة إلى الحصول على الأدوية دون تقديم أي مقابل مالي.
من جهته ذكر يونس كريك، مدير مستشفى السلامة التابع للمركز الاستشفائي الإقليمي قلعة السراغنة، أن مركز تصفية الدم لا يتوفر إلا على طبيبة واحدة اختصاصية في أمراض الكلي، أما بالنسبة إلى أطر التمريض المجازة من الدولة، فإن كل ممرضة تتكلف بخمسة مرضى من أصل 73 مريضا يستفيدون من حصص غسيل الكلي، علما أن 40 آخرين ما زالوا في لائحة الانتظار، وهو عدد مرشح للارتفاع مستقبلا، نتيجة غياب التحسيس بمضاعفات الأمراض المزمنة. وأثر الخصاص في الأطر  الطبية على الخدمات المقدمة مجانا للمرضى، إذ لا يستفيدون إلا من حصتين لغسيل الكلي مدة كل واحدة منهما 4 ساعات، علما أن المعمول به هو 3 حصص في أسبوع واحد.
ويتوفر المركز على 20 آلة لتصفية الكلي، وقاعة لمعالجة المياه، توجد بها أحدث آلات معالجة المياه التي تستعمل خلال تصفية الدم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق