الأولى

لا جريمة بدون عقاب… شعار للاستهلاك ببرشيد

شهود يتعرضون إلى التهديد والدرك الملكي يرفض إيقاف متهمين بالقتل

تتلعثم الكلمات بين شفتي محمد نجمي حين يبدأ في سرد معاناة قريبه “بوشعيب مية”، وتعلو ملامحه علامات الحسرة حين يتذكر أن شعار “القانون فوق الجميع”  الذي طالما آمن به، غير منزل على أرض الواقع، إذ اكتشف أن جريمة القتل، مهما كان بطش ونفوذ المسؤولين عنها، لا تستحق العقاب، وأن مقولة الأمن في خدمة المواطن لا تكفل القصاص، بل تضمن التستر على المتهمين.
يروي محمد قصة قريبه بألم يٌفقد وجهه لونه الطبيعي من شدة الغضب، فتفاصيل الأحداث مؤلمة، تنتهي بأسئلة حارقة يرويها بحسرة، إذ خرج «سفيان مية» (ابن خالة محمد نجمي) يوم رابع أكتوبر الماضي في حدود الساعة التاسعة ليلا من منزله بدوار «اقبالة جقة» بعمالة سطات، ثم اختفى عن الأنظار إلى الأبد.
وبعد مرور ساعات بدأ والد سفيان البحث عنه، علما أن عمره لا يتجاوز 15 سنة، ولم يعتد المبيت خارج المنزل، إلا أن كل مجهودات الأب باءت بالفشل، وفي اليوم الموالي ظل يطوف على منازل الدوار ويستفسر الأصدقاء والأقارب، عله يعثر عليه، لكن دون جدوى.
حل رجال الدرك الملكي التابعين لمدينة برشيد في حدود الواحدة بعد زوال اليوم الموالي بالمنزل، وأخبروا الوالد أن ابنه عثر عليه مقتولا في منطقة تبعد عن الدوار بحوالي ثلاثة كيلومترات بسبب نزاع حول ثمن قنينة خمر، وأن القاتل سلم نفسه إلى المصالح المعنية، ثم عادوا أدراجهم إلى مقر الدرك تاركين الأب في حيرة من أمره.
انتشرت أخبار مقتل سفيان في الدوار، وبدأ الأب يتلقى التعازي، حينها أخبره أحدهم أنه باع فعلا قنينة خمر إلى الضحية، وعاين شخصا يشهر سكينا في وجهه، وأجبره على ركوب دراجة نارية، في حين أخبره شاهدان أنهما التقيا بأخي القاتل الذي أخبرهما أن ثلاثة أشخاص هم من قتل الضحية.
حرص الأب على أن تأخذ العدالة مجراها الطبيعي بتقديم جميع المتهمين إلى المحاكمة، بدل الاقتصار على متهم واحد، خصوصا أن شقيقين متورطان في القضية، وعاين آثار خدش في وجه أحدهما، كما أشار التشريح الطبي للجثة إلى أن الضحية توفي بنزيف حاد  بعد حوالي ساعات من إصابته، وبعد تعرضه إلى الاغتصاب.
رافق الأب الشهود إلى مقر الدرك الملكي، وهنا ابتدأت معاناته، فبعد الاستماع إليهم اعتبروا الأمر لا يحمل أي اتهام، رغم إصرار الشهود على أن أخ القاتل اعترف أمامهم بمشاركته في الجريمة، بل الأخطر في الأمر أنه مباشرة بعد عودة الشهود إلى منازلهم تعرضوا إلى التهديد بالتصفية الجسدية، وحمل أحدهم سيفا وآخر عصا يهددهم بالموت في حالة عدم التراجع عن شهادتهم، فمن أخبر المعتدين بتوجه الشهود إلى مقر الدرك الملكي؟ لغز يحير أسرة الضحية، خصوصا أنهم اتخذوا كل الاحتياطات لكتمان الأمر.
اضطر الشهود إلى المبيت عند أسرة الضحية يومين متتالين خوفا على حياتهم من الموت، وفي اليوم الثالث توجه الجميع نحو مقر الدرك الملكي من أجل تقديم شكايتهم إلا أن دركي خاطبهم قائلا: «ما عندنا ما نديرو ليكم».
جملة لخصت معاناة الأسرة لتقديم جميع المتهمين إلى العدالة لتقول كلمتها، بدل سياسة التسويف وعدم قيام رجال الدرك الملكي بواجبهم في حماية حياة الشهود، فهل ينتظرون مجزرة دموية تسفك فيها الدماء للتدخل؟ وهل سترقد جثة سفيان في قبرها مطمئنة بعد أن تقتص العدالة من المتهمين؟ أم أن وراء الأكمة أشياء أخرى؟ أسئلة لن يجيب عنها إلا تحقيق نزيه لحفظ ماء وجه شرفاء الدرك الملكي.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق