بقلم: يونس مجاهد بدعم لندن لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، تكون أطراف مؤتمر الجزيرة الخضراء، الذي انعقد في 1906، قد اتفقت، مجددا، على موقف موحد تجاه القضية المغربية، بعد أكثر من قرن، عاشت فيه بلادنا محنة الاحتلال والتقسيم، الذي خططت له القوى الاستعمارية، في إطار التحالف الذي جمع فرنسا وبريطانيا وإسبانيا. وكان هذا المخطط يهدف إلى وضع الإمبراطورية الشريفة تحت الوصاية الاستعمارية، إذ تنازلت بريطانيا عن أطماعها في المنطقة المغاربية، مقابل تنازل فرنسا عن أي أطماع في مصر، ما سمح بتوقيع المعاهدة السرية بين الدولتين، والتي سميت "سايس بيكو"، في 1916، وتقضي باستعمار وتقسيم منطقة المشرق العربي. غير أن المعطى الذي لا يذكر كثيرا في مؤتمر الجزيرة الخضراء، والذي كتب عنه المؤرخون، الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية في التحضير لهذا المؤتمر، بإشراف رئيسها آنذاك، تيودور روزفلت، الذي كان حاسما في التوفيق بين الأطراف. وهو ما يتحدث عنه بالتفصيل مقال علمي نشره الأستاذ المصطفى عزو، في مجلة العلوم الإنسانية والسياسية، ضمن المنشورات الجامعية الفرنسية، خصصه للمساهمة الأمريكية في هذا المؤتمر. يذكر المقال أن التدخل الأمريكي في هذه القضية، جاء مناقضا لمبدأ مونرو، الذي ينص على ألا تسمح واشنطن لأي دولة بالتدخل في شؤون الأمريكيتين، ومقابل ذلك ابتعدت بدورها عن التدخل في الشؤون الأوربية، غير أن روزفلت تمكن من إقناع الكونغريس بالمساهمة في مؤتمر الجزيرة الخضراء، للحفاظ على المصالح التجارية لبلده، خاصة أن أمريكا كانت قد وقعت مع المغرب، إلى جانب دول أوربية أخرى، على معاهدة في 1836، واتفاقية مدريد 1880. كما أن مسألة عزل ألمانيا كانت أحد أهداف الإدارة الأمريكية، آنذاك. وتكشف هذه الأحداث الاهتمام الأمريكي، المبكر، بشمال إفريقيا، خاصة بالمغرب، إذ سيعود رئيس أمريكي آخر يحمل الاسم العائلي نفسه، روزفلت، لكن اسمه الشخصي فرانكلين، للحضور في مؤتمر البيضاء، في 1943، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل، والجنرال ديغول، للتخطيط لهزم ألمانيا وحلفائها. وأثناء هذا المؤتمر، التقى بالمرحوم الملك محمد الخامس، في حفل عشاء كتب عنه الكثير آنذاك، إذ تسرب خبر، مفاده أن الرئيس الأمريكي وعد السلطان باستقلال المغرب، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. كان هذا الخبر من بين الحوافز التي ساعدت الحركة الوطنية المغربية على مزيد من الحشد والتعبئة ضد الاستعمار، ونشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، في 1947، تصريحا للأمين العام للجامعة العربية، عزام باشا، تحدث فيه عن هذا الوعد، غير أن العديد من الصحف الفرنسية هاجمته، وكتبت أن عزام باشا يتحدث باسم الموتى، إذ أن الرئيس الأمريكي كان قد توفي في 1945. وقد ظل الموقف الأمريكي غامضا، لأن واشنطن كانت لا تريد الدخول في نزاع مع الأوربيين، خاصة فرنسا، لأنها تحالفت معها في الحرب المشتركة ضد النازية، واستمر التحالف في إطار ما سمي بالحرب الباردة. ما حصل بعد ذلك، هو مواصلة واشنطن لهذه السياسة، وهو ما شكل معاناة حقيقية للمغرب، مع دولة تعتبر القوة الأولى على الصعيد الدولي، ويتغير فيها الرئيس، الذي قد تتغير معه بعض التوازنات، ما أدى إلى توترات حادة، أحيانا، بين المغرب وأمريكا، بسبب قضية الصحراء المغربية. فأمريكا بعيدة عن المنطقة، جغرافيا، لكنها قريبة منها سياسيا، وهو ما أكدته مساهمة واشنطن في مؤتمر الجزيرة الخضراء، واهتمامها بعد ذلك بالنزاع في المنطقة. لذلك، يمكن القول إن دعم هذا البلد لمشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية تحول إستراتيجي، تبعته تدريجيا الدول التي شاركت في المؤتمر المذكور، وكأن الأمر يتعلق بإشراف أمريكي جديد، لمراجعة الوضعية، بعد أكثر من قرن، عرف فيها المغرب أحداثا كبيرة، تمثلت في معركة التحرر من الاستعمار، إلى أن نال استقلاله، في 1956، لكن معركة التحرير تواصلت، وبفضل الصمود المغربي، أخذت تنهار تباعا التوافقات الإمبريالية. لكن المعركة لم تنته، وهو ما كتبه المؤرخ والمفكر عبد الله العروي، في كتابه "الجزائر والصحراء المغربية"، الصادر في 2021، وهو تحيين لكتاب بالعنوان نفسه، صدر بداية سبعينات القرن الماضي. يقول العروي، إنه لا ينبغي الاستغراب، عندما يتساءل المغاربة، عند حصولهم على الاستقلال، أي مغرب استعادوا، هل هو مغرب 1934، تاريخ نهاية الغزو (أي ما سمي بالتهدين، إذ استمر المغاربة في المقاومة المسلحة إلى ذلك التاريخ)، أو مغرب 1912، عند التوقيع على عقد الحماية، أو مغرب 1906، تاريخ مؤتمر الجزيرة الخضراء، الذي اعترف بشكل واضح بالوحدة الترابية لبلادنا، رغم النفاق الخفي، أو مغرب 1900، عندما بدأت الهجمات الاستعمارية تأتي من السنغال والجزائر؟ لذلك فإن قضية الصحراء المغربية، تتجاوز مسألة تكريس السيادة الوطنية على هذه الأقاليم، بل إنها معركة ضد المخطط الإمبريالي، الذي رفض المغرب الرضوخ له، والمتمثل في الاحتلال والتجزئة والتقسيم، والعمل من أجل الحفاظ على الحدود كما رسمها الاستعمار، في إفريقيا ومناطق أخرى من العالم، وهو الاستعمار نفسه، الذي اقتطع أطرافا واسعة من الأراضي المغربية، وضمها للجزائر الفرنسية.