تقارير

اللاجئون يدفعون ثمن حروب الكبار في الجزائر

العجلاوي: الترحيل وراءه حروب النفوذ في قمة الدولة وللضغط على النيجر ومالي بسبب رغبة المغرب في العودة إلى الاتحاد الإفريقي

منذ مطلع الشهر الجاري، وأضواء المنظمات الحقوقية الدولية مسلطة على عمليات الترحيل القسري  التي تمارسها السلطات الجزائرية ضد المهاجرين والنازحين واللاجئين القادمين من دول غرب إفريقيا، والتي أسفرت، حسب “هيومن رايتس ووتش” عن التخلص من 1400 مهاجر في النيجر وفي الصحراء الإفريقية. وفي ظل إمساك السلطات الجزائرية، عن تقديم تبرير لما تقوم به، يبرز سؤال عريض حول طبيعة الخلفيات التي تقف وراء الحملة ضد المهاجرين؟

محارق وعنصرية

لا تعد العملية التي أجمعت المنظمات الحقوقية الدولية على وصفها باللإنسانية والمهينة والعنصرية، التي تجري فصولها منذ مطلع دجنبر، الأولى في الجزائر، إذ أنها في الحقيقة، ورغم التعتيم الذي يحيط بحقيقة الأوضاع الداخلية للجزائر، الثالثة على الأقل في ظرف سنة واحدة.

ويعود تاريخ أول عملية، وفق ما يستشف من تغطيات محتشمة للإعلام الجزائري، إلى نهاية مارس الماضي، حينما انكشف قيام ولايات جزائرية بترحيل “دفعة جديدة” من المهاجرين الأفارقة، عددهم، حسب إحصائيات الهلال الأحمر الجزائري، 820 شخصا، من جنسيات مختلفة، خاصة من مالي والنيجر وتشاد.

والمثير للانتباه في تلك العملية، أنها كانت عقابا جماعيا للمهاجرين على جريمة قتل، اتهم مهاجر نيجيري بالضلوع فيها بولاية ورقلة جنوب شرق الجزائر، وراح ضحيتها شاب جزائري يدعى عز الدين بن سعيد، وهو الحادث الذي أعقبته عملية تجييش للسكان ضد المهاجرين.

وفي يوليوز الماضي، وفق ما يتبين من أرشيف صحف جزائرية، ستباشر السلطات عملية ترحيل مماثلة، لكن التمهيد لها هذه المرة، سبقته حملة إعلامية ضد “خطر مراكز إيواء الأفارقة”، ووصمها من قبل “حقوقيين” جزائريين، بـ”القنابل الموقوتة خارج الرقابة!”، وهي الحملة التي ستتبعها “محرقة” راح ضحيتها 18 مهاجرا إفريقيا، بعد اندلاع النيران بأحد تلك المراكز.

وتبعا لذلك، شنت السلطات حملة لترحيل المهاجرين من مختلف مناطق شمال البلاد، وإعادتهم إلى ولاية تامنراست، والتي ليست إلا المنطقة التي جاؤوا منها، إذ توجد على الحدود بين الجزائر والنيجر، وتعرف أنها منطقة نشاط لشبكات الاتجار بالبشر وتهريبهم في الجزائر ويعيش فيها طوارق الجزائر المهمشون.

وفيما واكبت تلك العمليات، حملات دعائية ضد “المهاجرين الأفارقة” وسط الرأي العام الجزائري، أسفرت عن “فوبيا” وسط المواطنين من الأجانب القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، حل دجنبر الجاري، ليصير الأمر سياسة ممنهجة وبرعاية من المؤسسة الرسمية لرعاية حقوق الإنسان بالجزائر، المسماة “اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها”.

ذلك أن تلك المؤسسة التي تعادل في مكانتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب، لم يتردد رئيسها فاروق القسنطيني، في الليلة السابقة على الشروع في عمليات “تطهير” الجزائر من المهاجرين، في مباركة العملية المنافية لحقوق الإنسان، بدعوته الجزائريين إلى عدم الاحتكاك بالمهاجرين الأفارقة لأنهم ينشرون “السيدا” والأمراض الجنسية!

صراع وابتزاز

وإذا كانت المؤسسة الرسمية لحقوق الإنسان بالجزائر، أول من يبارك عملية تنتهك حقوق الإنسان، سيما المعاملة المهينة والماسة بالكرامة التي تلقاها المرحلون، إذ وضعوا في شاحنات وتم تعنيفهم ومنحت لهم خبزة واحدة لكل 40 شخصا، يظل السؤال المحير للجميع، هو ما الدافع الحقيقي لعمليات الترحيل؟

إلى حدود الآن، يظل الموساوي العجلاوي، من مركز إفريقيا والشرق الأوسط للدراسات الإستراتجية والأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية بالرباط التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط، الوحيد، الذي وجدت لديه “الصباح”، قراءة مضبوطة لحقيقة “لاراف” العنصرية التي تباشرها الجزائر  ضد المهاجرين.

فبالنسبة إلى الخبير المتخصص في الشؤون الإفريقية، يمكن تمييز مستويين في العملية، الأول “عمودي أو داخلي”، ويتعلق بصراعات في قمة هرم الدولة الجزائرية، وقرر طرف استعمال ورقة المهاجرين فيها، والثاني “أفقي/خارجي”، ويتعلق بالضغط على دول الجوار، النيجر ومالي، وبلدان غرب إفريقيا التي يتحدر منها المرحلون، وهو الضغط الذي يسعى لمعاكسة تحركات المغرب للعودة إلى لاتحاد الإفريقي.

وفي هذا الصدد أوضح العجلاوي، قائلا لـ”الصباح”، إن عمليات الترحيل الماسة بحقوق الإنسان “ورقة يوظف فيها جناح في الدولة الجزائرية جهة أمنية، في إطار تصفية الحسابات بين مكونات السلطة، لأن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف يعقل طرد مهاجرين بهذا الشكل بعد تصريح رئيس لجنة حقوق الإنسان، الذي أدلى به، في توقيت مضبوط، ممثلا في ليلة انعقاد المنتدى الإفريقي للاستثمار بالجزائر”.

وأضاف المتحدث قائلا: “إن المنتدى، الذي رعاه منتدى رؤساء المؤسسات ورجال الأعمال (الباطرونا في الجزائر)، ويرأسه الثري علي حداد،  المقرب كثيرا من أحمد أويحيا، مدير ديوان الرئيس بوتفليقة وزعيم ثاني أكبر حزب في الجزائر (التجمع الوطني الديمقراطي)، كشف حجم الصراع والتناقضات والأزمة بين أقطاب الدولة، إذ لم يتردد عبد المالك سلال، رئيس الوزراء من الانسحاب من جلسته الافتتاحية رفقة أعضاء الحكومة، أمام ذهول الضيوف”.

وتبعا لذلك، يشدد العجلاوي، أن أزمة المهاجرين، لا يمكن إلا أن تكون، طبقا للسياق الزمني، ورقة في ذلك الصراع بين علي حداد رئيس رجال الأعمال ومن معه، وعبد الملك سلال، الوزير الأول ومسانديه.

ووقفت “الصباح”، في تقرير إخباري لـ”الهافنتون بوسط”، الصادرة من تركيا، يعود إلى مارس الماضي، وعنوانه “أزمة يد عاملة في الجنوب الجزائري بعد ترحيل الأفارقة”، على ما يدعم قراءة العجلاوي، إذ يورد التقرير، شكاوى مقاولين، حول أن  عملية ترحيل مهاجرين في مارس الماضي، تسببت في شلل كثير من مشاريع البناء والتجهيز بسبب غياب اليد العاملة ممثلة في المهاجرين، وهو المجال الذي يستثمر فيه، أساسا، الثري علي حداد.

وإذا كان توظيف جهة أمنية لتشن حملة على المهاجرين في إطار حروب الكبار حول المصالح والنفوذ، سيما تشكيلة الحكومة المقبلة في الجزائر، يكشف، حسب الموساوي العجلاوي،  “مدى ضعف مؤسسة رئاسة الجمهورية”، فإنه على المستوى الأفقي، يعد الترحيل ابتزازا لدول الجوار ، سيما النيجر ومالي.

وفي هذا الصدد، قال العجلاوي لـ”الصباح”، إن “النيجر (دولة لا تعترف ببوليساريو) ورغم أنها لم توقع توصية عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، تعمل الجزائر على الضغط عليها بترحيل المهاجرين نحوها، وابتزاز دول أخرى، حتى لا تنخرط في المقاربة المغربية للعودة، واستعدادا لمعركة انتخاب رئيس المفوضية الإفريقية في يناير المقبل، التي يساند فيها المغرب وزير خارجية السنغال السابق، وتساند الجزائر وزيرة خارجية كينيا لنيل المنصب”.

وتنكل الجزائر بالمهاجرين، للاعتبارات المذكورة في وقت تحظر فيه اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين، التي تعد الجزائر طرفا فيها، الإعادة القسرية للاجئين والأجانب إلى مناطق قد يواجهون فيها خطر التعرض للاضطهاد والتعذيب أو للمعاملة اللاإنسانية والمهينة، كما تحظر الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، الطرد الجماعي للعمال المهاجرين وأسرهم.

تنديد دولي

دخلت منظمات حقوقية عبر العالم، على خط تنكيل الجزائر بالمهاجرين برميهم في “آكاديز”  في النيجر وفي فيافي الصحراء، وأبرزها “هيومن رايتس ووتش”، التي وصفت ذلك بـ”انتهاك الحقوق” والمواثيق الدولية.

وقالت المنظمة الحقوقية الأشهر في العالم، إن الغريب في خطوة الجزائر، استهداف حتى المهاجرين المسجلين لاجئين، ومهاجرين عملوا لسنوات في الجزائر، إذ أن السلطات لا تدرس وثائق المهاجرين قبل اعتقالهم ومعرفة أوضاعهم القانونية.

وقالت سارة ليا ويستن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة: “الترحيل الجماعي والفوري للمهاجرين، بمن فيهم الرجال والنساء الذين فروا من الاضطهاد أو عملوا لسنوات في الجزائر، هو انتهاك لحقوقهم. حق الدولة في السيطرة على حدودها ليس رخصة للتعسف”.

امحمد خيي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق