fbpx
افتتاحية

عدالة ولكن…!

د. خالد الحري
د. خالد الحري

«فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»، تنطبق هذه الآية الكريمة كثيرا على تداعيات الحرب المفتوحة على قاض أعزل من قبل وزارة العدل و«الحريات»، يختلط فيها الشخصي بالقانوني، ويغيب فيها العقل والحكمة، وتحضر أشكال الانتقام والحقد وافتعال القضايا الهامشية للتغطية على مسلسل الفشل في الملفات الوطنية الكبرى.

لقد عميت القلوب التي في الصدور، ونحن نتابع وقائع فيلم رديء بإخراج سيئ وممثلين مبتدئين وكومبارس دائخ، يجهز فيه البطل «الهمام» على «ضحيته»، بسيف أسطوري، ويمثل بجثته ويغتسل بدمائه في مشهد أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه غارق في السادية.

إن تعقب قاض معزول يحاول، جاهدا، إعادة بناء حياته المهنية في مجال مستقل وضمن تخصصه الذي لا يعرف سواه، ثم ترصد خطواته ومشاريعه بقرارات قضائية، يشبه كثيرا فعل القتل والتمثيل بجثة، ما يبعدنا، عمليا، عن منطق دولة القانون والمؤسسات، ويدخلنا متاهة قانون الغاب حيث القوي يفترس الضعيف ويسود شرع «الحكم للأقوى».

في أحد تصريحاته، مباشرة بعد صدور حكم إلغاء قرار التسجيل بجدول مهنة المحاماة، قال القاضي محمد الهيني «لقد عشنا اليوم مذبحة قضائية في يوم أسود ومظلم من تاريخ القضاء المغربي لوزارة العدل. لقد أعطت التعليمات مفعولها، وظهر الجبن، وتبدى حجم الجهل، وتم الدوس على الدستور والقانون في مسلسل لا ينتهي من الطغيان والتجبر والحكرة. إنه إعدام حقيقي وفعلي لاستقلال القضاء المكرس دستوريا وموت للضمير مع سبق إصرار وترصد».

إن توصيف المذبحة ينطبق كثيرا على حالة الهيني الذي يعاقب اليوم مرتين على «الجرم» نفسه، وهي صرخة مظلوم، أيضا، من شاب ينتمي إلى الجيل الجديد من القضاة، آمن ذات دستور بإصلاح آلة القضاء، وإنقاذها من براثن التعليمات والتوجيهات وحفظ كرامة مؤسساته ورجاله الذين يصدرون أحكامهم باسم جلالة الملك، الساهر على استقلال العدل و قضاته.

نحن الآن، إزاء قضية بسيطة تتعلق برغبة قاض (صدر في حقه حكم سابق) في معانقة آفاق حياة وعيش أخرى، معتمدا على مجهوده الشخصي وكفاءته وتوظيفهما في مجال الدفاع عن حقوق الناس وقضاياهم، قبل أن يصطدم بصخرة عنيدة، لا يمكن فهمها إطلاقا إلا في إطار تصفية حسابات شخصية وضغائن صغيرة واستعمال السلطة آلة للعقاب، وفق منطق «يا أنا يا أنت في هذا القطاع».

هذا المنطق الذاتي والضيق في تدبير القضايا العامة، يضرب، للأسف، بعرض الحائط، المشترك المغربي في بناء دولة قوية يحكمها القانون، ويعيش فيها المواطنون في إطار المساواة والإنصاف، وتحفظ كرامة الجميع وحقهم في العيش الكريم، أما الحق فهو عند الله.

قضية الهيني لم تعد الآن قضية وزارة، أو قطاع، بل أصبحت قضية مجتمع وتداعياتها جهويا ودوليا، تؤكد اختلال ميزان العدالة، مايحتم التدخل لوضع حد لهذه «المهزلة» التي تعتبر وصمة عار تسيء للبلاد والعباد، فتصريف الأحقاد قد يعالج أزمة نفسية عابرة، لكن لا يبني وطنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى