fbpx
خاص

غيفارا … الثائر الأرجنتيني المعجب بالخطابي

زار البيضاء والرباط ومراكش وأنقذه عبد الله إبراهيم من الاختطاف

حلت السبت  الماضي الذكرى 49 لإعدام الثائر الأرجنتيني إرنستو لينش، الذي يعرفه العالم بإرنستو شي غيفارا، على يد القوات البوليفية والأمريكية في ثامن  أكتوبر 1967.

إعداد: أحمد نعيم

ولد بالأرجنتين وقاد الثورة بكوبا وزار عددا من دول العالم، محاولا تصدير هذه الثورة قبل أن يسقط في غرام محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي التقاه بسفارة المغرب بالقاهرة في يناير 1959، رفقة السفير حينها عبد الخالق الطريس وعبد الله ابراهيم، رئيس الحكومة حينها.

هذا اللقاء لم يكن الأخير بين تشي غيفارا ومسؤولين مغاربة، إذ بعدها بأشهر قليلة سيحضر الثائر الأرجنتيني إلى المغرب، حيث سيعيش لمدة شهر، الكثير من الأحداث التي لم يكن يتخيلها، بداية من احتجازه بفندق “باليما” من قبل المدير العام للأمن الوطني حينها، وصولا إلى إنقاذه من محاولة الاختطاف.

زيارات عربية

زار غيفارا عدة دول عربية في 1959، رغبة منه في إطلاق حركة ثورية دولية، بالإضافة إلى استغلالها في بيع السكر الذي تنتجه كوبا.

في 18 يونيو وصل غيفارا بزيه العسكري برفقة عدد من الكوبيين إلى غزة، التي كانت تحت الحكم المصري آنذاك، وخلال زيارته قام بإرشاد مقاتلي المقاومة الفلسطينية (الفدائيين) إلى طرق حرب العصابات لاستخدامها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

زيارة غيفارا لغزة استمرت 24 ساعة فقط، مر خلالها على مخيم الشاطئ للاجئين وعدد من مخيمات اللجوء الأخرى.

ومن غزة انطلق “غيفارا” والوفد المرافق له في رحلتهم إلى مصر، واستقبله الرئيس المصري حينها جمال عبد الناصر بقصر حدائق القبة، بالقاهرة.

ونظم حفل أهدى فيه عبد الناصر غيفارا وسام الجمهورية العربية المتحدة من الدرجة الأولى، وألقى بعدها على المصريين خطابا عن الثورة الكوبية، وعن المساواة الاجتماعية والثورة الصناعية.

وبعدما أنهى غيفارا زيارته إلى مصر، ذهب إلى العاصمة السورية دمشق حيث زار قبر صلاح الدين الأيوبي، والجامع الأموي عقب عقده عدة لقاءات دبلوماسية مع الرئيس السوري حينها شكري القوتلي.
كما زار غيفارا العاصمة السودانية الخرطوم وقد انتشرت صورة له خلال زيارته للخرطوم أثناء عقده مؤتمرا صحفيا بها برفقة عدد من الصحافيين.

وبعد ذلك بثلاث سنوات، حضر غيفارا مبارة كرة قدم بين المنتخبين المصري والجزائري بالعاصمة الجزائر وقد هتفت الجماهير الغفيرة التي حضرت المباراة باسمه.

اللقاء التاريخي

تحكي الكثير من المصادر أنه قبل لقاء تشي غيفارا بالمسؤولين المغاربة خلال حفل الاستقبال الذي نظمه عبد الخالق الطريس، سفير المغرب بالقاهرة، كان  الثائر الأرجنتيني يكن إعجابا كبيرا بمحمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد الثورة الريفية ضد الاستعمار الاسباني.

هذا الإعجاب نقله غيفارا إلى الخطابي مباشرة خلال حفل العشاء “لقد أعجبت كثيرا بتجربتك في حرب العصابات في ثورة الريف ضد الاستعمار”، هكذا خاطبه الثائر، ما اعتبره الحاضرون لقاء تاريخيا قليلا ما يجود به الزمان.

فثوار العالم يعتبرون محمد بن عبد الكريم الخطابي مبتكر حروب العصابات التي تطبق إلى الآن كما ابتكر نظام حفر الخنادق الممتدة تحت الأرض حتى ثكنات العدو، ذلك النظام الذي اعترف الزعيم الفيتنامي “هوشي منه” انه اقتبسه منه في قتال الفيتناميين للأمريكيين بعد ذلك بسنوات.

وبفضل حرب العصابات تلقى الإسبان في حرب الريف الهزيمة تلو الآخرى، فقام ملك إسبانيا بإرسال جيش كامل من مدريد تحت قيادة صديقه الجنرال سلفستري، فكانت معركة أنوال.

استغل عبد الله ابراهيم اللقاء بالسفارة المغربية بمصر ليدعو الثائر الأرجنتيني إلى زيارة رسمية للمغرب.

الزيارة الموعودة

تفاجأ أمن المطار بوصول أربعة أشخاص يرتدون زيا عسكريا، ما دفعهم إلى الاتصال بمحمد لغزاوي، المدير السابق للإدارة العامة للأمن الوطني، الذي أمرهم بالتحفظ على الزوار الغرباء وبعد ذلك نقلهم إلى فندق باليما بالرباط، تحت حراسة أمنية مشددة وعدم السماح لهم بالمغادرة حتى وصول التعليمات.

عندما وصل الخبر، تحرك عبد الله ابراهيم لإنقاذ الوضع خصوصا أنه صاحب الدعوة إلى الثائر الكوبي، يقول محمد لومة على لسانه “عندما اتصلت بمحمد لغزاوي، مدير عام الأمن الوطني وطلبت منه تفسير وضع شي غيفارا رفقة رفاقه تحت الإقامة الجبرية بفندق باليما قال لي إنها تعليمات عليا”.

بعدها سيتحول الأمر إلى النقيض من ذلك إذ سيتم الاعداد لاستقبال رسمي للثائر الأرجنتيني بنقله عبر سيارة رسمية رفقة مرافقيه ودراجات الأمن أمامها إلى فيلا بالرباط، وبعدها سيتم توقيع عدد من الاتفاقيات مع وزارة الصناعة والتجارة لاستيراد السكر من كوبا.

الانتقال إلى مراكش

بعد نهاية الزيارة الرسمية سيدعو عبد الله إبراهيم الثائر الكوبي إلى زيارة مراكش التي سيقضي فيها 18 يوما، استمتع فيها بالأكل المغربي وبالطرب الأندلسي.

وقبل أن يغادر العاصمة الرباط عرض عليه عبد الله إبراهيم اختيار المكان الذي يرغب في الإقامة فيه بين فندق فاخر، أو إقامة عادية وسط سكان المدينة الحمراء.

اختار الثائر الأرجنتيني الإقامة وسط السكان في حي شعبي لمدة 18 يوما قبل أن يقرر المغادرة عن طريق مطار أنفا بالبيضاء.

وخلال تلك الإقامة، التي كانت تحت المراقبة الدائمة من الأمن المغربي، تمكن شي غيفارا من التعمق أكثر مع طبائع وطريقة عيش المغاربة وعاداتهم وتقاليدهم وقدرة هذا البلد على تقبل فكرة الثورة التي جاء من أجلها.

عبد الله إبراهيم يعيد طائرة الثائر

خلال مغادرة الثائر الأرجنتيني للمغرب، حصلت أمور غريبة، كشف عنها مدير ديوان عبد الله إبراهيم خلال حديثه لمحمد لومة في كتابه “خلال مرافقتي لشي غيفارا إلى مطار أنفا، تقدمت إلى مكتب الخطوط الاسبانية “إيبيريا”، لأن الرحلة كانت متجهة إلى مدريد، من أجل تأكيد الحجز، لأفاجأ بكلام المسؤول الذي أكد لي بأنه لم يكن ممكنا انتظار المسافرين الذين برفقته لأن الطائرة قد أقلعت، وبأنه منح مقاعدهم لمسافرين آخرين”.

تسرب الشك إلى نفس الثائر الأرجنتيني لكنه لم يكلم مدير ديوان عبد الله إبراهيم في شيء إذ ظل صامتا في بهو المطار ينتظر ما سيحدث.

بعدها سيتدخل عبد الله إبراهيم وسيطالب مدير الخطوط الاسبانية بتوقيف كل الرحلات وإعادة الطائرة التي أقلعت إلى المدرج وهو ما تم، رافضا فكرة منح البعثة الكوبية طائرة آخرى كانت ستتوجه هي الآخرى إلى العاصمة الاسبانية مدريد.

وحسب المصادر نفسها فإن عبد الله إبراهيم شك في أن الطائرة الثانية كانت فخا  للثائر الأرجنتيني من أجل اختطافه من خلال تحويل مسار الطائرة الثانية التي وضعتها شركة الخطوط الاسبانية “إيبيريا” تحت تصرف غيفارا.

من هو؟

ولد إرنستو لينش في 14 يونيو 1928 في روزاريو (الأرجنتين). أصيب بالربو منذ طفولته ولازمه المرض طيلة حياته. ومراعاة لصحة ابنها المصاب بالربو استقرت أسرته في ألتا غراسيا في السيرا دو كوردوبا. وفيها أسس والده لجنة مساندة للجمهورية الإسبانية عام1937، وفي 1944 استقرت الأسرة في بيونس ايريس.

ومن 1945 إلى 1953 أتم إرنستو بنجاح دراساته الطبية. وبسرعة جعلت صلته بأكثر الناس فقرا وحرمانا وبالمرضى مثل المصابين بالجذام، وكذا سفره الطويل الأول عبر أمريكا اللاتينية، واعيا بالتفاوت الاجتماعي وبالظلم.

درس الطب في جامعة بوينس آيرس وتخرج عام 1953، ولأنه كان مصابا بالربو فلم يلتحق بالخدمة العسكرية. قام بجولة حول أمريكا الجنوبية مع صديقه ألبيرتو غرانادو على متن دراجة نارية وهو في السنة الأخيرة من الطب.

 كونت تلك الرحلة شخصيته وإحساسه بوحدة أمريكا الجنوبية وبالظلم الكبير الواقع من الإمبرياليين على المزارع اللاتيني البسيط. توجه بعدها إلى غواتيمالا، حيث كان رئيسها يقود حكومة يسارية شعبية.
في 1955 قابل غيفارا المناضلة اليسارية “هيلدا أكوستا” من “بيرو” في منفاها في غواتيمالا، فتزوجها وأنجب منها طفلته الأولى، وهيلدا هي التي جعلته يقرأ للمرة الأولى بعض الكلاسيكيات الماركسية، إضافة إلى لينين وتروتسكي وماو تسي تونغ.

سافر غيفارا للمكسيك بعد أن حذرته السفارة الأرجنتينية من أنه مطلوب من قبل المخابرات المركزية، والتقى هناك راؤول كاسترو المنفي مع أصدقائه الذين كانوا يجهزون للثورة وينتظرون خروج فيدل كاسترو من سجنه في كوبا. ما إن خرج فيديل كاسترو من سجنه حتى قرر غيفارا الانضمام للثورة الكوبية، وقد رأى فيدل كاسترو أنهم في أمس الحاجة إليه طبيبا.

في 1959 اكتسح رجال حرب العصابات هافانا برئاسة فيدل كاسترو وأسقطوا الديكتاتورية العسكرية لفولغنسيو باتيستا، رغم تسليح حكومة الولايات المتحدة وتمويلها له.

دخل الثوار كوبا على ظهر زورق ولم يكن معهم سوى ثمانين رجلا لم يبق منهم سوى 10 رجال فقط، بينهم كاسترو وأخوه “راؤول” وغيفارا، ولكن هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيدين كثرا خاصة في المناطق الريفية، وظلت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدة سنتين وخسروا نصف عددهم في معركة مع الجيش.

كان خطاب كاسترو سبباً في إضراب شامل، وبواسطة خطة غيفارا للنزول من جبال سييرا باتجاه العاصمة الكوبية تمكن الثوار من دخول العاصمة هافانا في يناير 1959 على رأس ثلاثمائة مقاتل، ليبدأ عهد جديد في حياة كوبا بعد انتصار الثورة وإطاحتها بحكم الديكتاتور “باتيستا”، وفي تلك الأثناء اكتسب غيفارا لقب “تشي” الأرجنتيني، وتزوج من زوجته الثانية “إليدا مارش”، وأنجب منها أربعة أبناء بعد أن طلّق زوجته الأولى.

برز التشي قائدا ومقاتلا شرسا جدا لا يهاب الموت وسريع البديهة يحسن التصرف في الأزمات.

 لم يعد مجرد طبيب، بل أصبح قائدا برتبة عقيد، وشريك فيدل كاسترو في قيادة الثورة، وقد أشرف كاسترو على إستراتيجية المعارك، بينما قاد وخطط غيفارا  للمعارك.

بعد نجاح الثورة قرر الابتعاد تاركا رسالة لصديق عمره كاسترو، تنقل خلالها بين عدد من الدول وصولا إلى الكونغو التي أراد فيها مساعدة باتريس لومومبا على القيام الثورة لكن الأمر لم ينجح ليعود إلى أمريكا الجنوبية وبالضبط إلى بوليفيا، التي نشرت فيها المخابرات الأمريكية المئات من عناصرها بالإضافة إلى 1500 عنصرمن الجيش البوليفي لإيقافه.

في يوم 8 أكتوبر 1967 وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة غيفارا المكونة من 16 فرداً، وقد ظلوا يقاتلون ست ساعات كاملة في منطقة صخرية وعرة، تجعل حتى الاتصال بينهم شبه مستحيل.

وقد استمر “تشي” في القتال حتى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت بندقيته وضاع مخزن مسدسه وهو مايفسر وقوعه في الأسر حيا.

من أقواله:

– الثوار يملؤون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء.

– إن الطريق مظلم وحالك، فإذا لم تحترق أنت وأنا فمن سينير الطريق؟

– لا يهمني متى وأين سأموت.

– لا أعرف حدوداً، فالعالم بأسره وطني.

– إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني.

– ماذا يفيد المجتمع إذا ربح الأموال وخسر الانسان؟

– الثورة يصنعها الشرفاء، ويرثها ويستغلها الأوغاد.

– كنت أتصور أن الحزن يمكن أن يكون صديقا، لكنني لم أكن اتصور أن الحزن يمكن أن يكون وطنا نسكنه ونتكلم لغته ونحمل جنسيته.

– أؤمن بأن النضال هو الحل الوحيد لأولئك الناس الذين يقاتلون لتحرير أنفسهم.

– الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات.

–  كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود.

 – خير لنا أن نموت ونحن واقفون مرفوعو الرأس من أن نموت ونحن راكعون.

– عند الحاجة نموت من أجل الثورة ولكن من الأفضل أن نعيش من أجلها.

– لا تحزني أمي إن مت في غض الشباب، غداً سأحرض أهل القبور وأجعلها ثورة تحت التراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى