الصباح السياسي

الرشوة والاقتصاد… أزمة شفافية

عبد السلام أبو درار
تقرير الهيأة الوطنية للوقاية من الرشوة يقترح آليات لمراقبة تدبير المالية والصفقات العمومية وعقوبات جنائية ضد المخالفين

قدمت الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة، في تقريرها السنوي، سلسلة إجراءات تهم النهوض بالنزاهة والشفافية في تدبير المالية والمقاولات والصفقات العمومية، وتتوزع هذه المقترحات بين اعتماد معايير الشفافية في تدبير المالية العامة وترسيخ قواعد الشفافية والمنافسة في تدبير الصفقات العمومية، ثم أخيرا تدعيم مقتضيات قانون التدبير المفوض.
وينطلق التقرير السنوي للهيأة بشأن النهوض بشروط النزاهة والشفافية في مجال المال والأعمال، من قاعدة مفادها أن المقتضيات القانونية المتعلقة بالشفافية في تدبير المالية العامة سواء بالنسبة إلى الدولة أو الجماعات المحلية، لا تزال تحتاج إلى التوضيح والتدعيم لتستجيب لمواصفات «الميزانية المفتوحة»، إذ يرى التقرير، ضرورة التوجه نحو استكمال الإصلاحات المعتمدة أو التي في طور التحضير لترسيخ قيم الشفافية المالية في التدبير العمومي.

تقترح الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة، سلسلة إجراءات تهم العمل على توضيح إجراءات اعتماد الميزانية، والإبلاغ عن الإيرادات والنفقات في حينها، وكذا وضع إجراءات صارمة لمنع التحايل على مساطر تنفيذ الميزانية، واعتماد آليات الميزانية المفتوحة في ما يتعلق بإنتاج معلومات ملائمة تخص الميزانية والضرائب وتمكن المواطنين من الحصول عليها. مجموعة من المقترحات تقدمت بها الهيأة المركزية في إطار تقريرها السنوي لعام 2009، تخص المجال المتعلق بالتوجهات الاستراتيجية والاقتراحات العملية لمكافحة الرشوة، في مجال يهم نزاهة وشفافية التدابير المالية وقطاع الصفقات العمومية.
ويركز التقرير على مؤشر الميزانية المفتوحة، باعتبارها آلية وقائية مهمة من الانزلاقات وجسرا أساسيا من شأنه أن يساعد أجهزة المراقبة والمساءلة والتدقيق على مزاولة مهامها بفعالية، ويمكن المواطنين من رصد وتتبع مصادر التمويل ومجالات الإنفاق سوء على مستوى التحضير أو في إطار تنفيذ هذه الميزانية.

«ميزانية مفتوحة» وآليات لمراقبة الصفقات العمومية

تنطلق الهيأة في مجال تفعيل مضامين مشروع إصلاح الصفقات العمومية، من استراتيجية وقائية تدعم مكافحة الفساد في هذا الميدان، إذ تفرض مواصلة ترسيخ قواعد الشفافية والمنافسة في هذا المجال الذي يكتسي أهمية قصوى، بالنظر إلى طبيعة تعاملاته في ميدان المالية العامة، وذلك من خلال العمل على اتخاذ إجراءات أساسية، تهم بالتحديد، مواصلة تخفيف حدة السلطة التقديرية الواسعة المخولة لصاحب المشروع، سيما حين يتعلق الأمر بمستوى اختيار مسطرة إبرام الصفقة وتحرير دفتر التحملات وإلزامه بنشر تقديراته وكذا بالإجابة على طلبات التوضيح أو المعلومات الواردة على المتنافسين، بهدف إعطاء مدلول حقيقي لمقتضيات المادة 22 التي تلزمه بتعميم هذه التوضيحات على جميع المتنافسين.
ويقترح جهاز الوقاية من الرشوة، أيضا، ضمن سلسلة الإجراءات الوقائية لترسيخ قواعد الشفافية في تدبير الصفقات العمومية، تضمين مشروع إصلاح الصفقات مقتضيات تهم إحداث آلية مستقلة تتوفر على سلطة تقريرية للحسم في الشكايات والتظلمات المتعلقة بالصفقات العمومية، علاوة على إغناء مقتضيات المادة 174 من المشروع التي تهم تنظيم مجالات المراقبة والتدقيق، بتحديد مرجعياتها الأساسية المتجلية في الملاءمة ومدى مطابقة الصفقات لدفتر التحملات وتدبير الآجال، والتنصيص على الالتزام بنشر تقارير التدقيق المرفوعة للوزراء أو مديري المؤسسات العمومية المعنيين.

الحكامة الجيدة وعقوبات لتخليق القطاع الخاص

وتقترح الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة، في تقريرها السنوي، ضمان فعالية المقتضيات القانونية بإقرار آليات خاصة لتتبع التفعيل ونشر دلائل توضيحية للقوانين والمساطر المعتمدة، علاوة على تعزيز القدرات والكفاءات في هذا المجال.
بالمقابل، لم يفت التقرير الإشارة إلى مبادئ الشفافية والأخلاقيات الخاصة بالمعاملات في القطاع الخاص، وذلك بالتنصيص على تطوير مفهوم الحكامة الجيدة، وتخليق القطاع التي يتسع مجاله ليشمل الحكامة الاقتصادية، بضمان حرية المنافسة وتجنيب السوق جميع أشكال الاحتكارات وضمان شرعية وشفافية الصفقات الاقتصادية ومحاربة الممارسات غير المشروع بالقطاع الخاص، وذلك عبر النهوض بالمسؤولية الاجتماعية لهذا القطاع وتعزيز آليات المحاسبة والرقابة عليه، مع التنصيص على عقوبات مدنية وإدارية وجنائية في حالة المخالفة، ثم إبرام مواثيق للنزاهة من طرف مختلف الفاعلين الاقتصاديين ومنع تضارب المصالح والالتزام باحترام قواعد المنافسة.
وبخصوص تدعيم مقتضيات قانون التدبير المفوض، وفي إطار تعزيز النصوص الإيجابية التي أتى بها قانون التدبير المفوض للمرافق العمومية، يتوجب، حسب تقرير الهيأة، القيام بعدد من الإجراءات تهم التنصيص على شمولية هذا القانون للدولة التي يجب أن تخضع لمقتضياته في منح حق الامتياز لبعض مرافقها العامة لفائدة الخواص، وكذا تدعيم ضوابط اللجوء إلى التفاوض المباشر لاختيار المفوض إليه، وإخضاع العقود السابقة لمقتضيات هذا القانون كلما تعلق الأمر بالتمديد أو التغيير أو توسيع نطاقها، ووضع نص تنظيمي يحدد أشكال وكيفيات إعداد وثائق الدعوة إلى المنافسة، ثم إرساء ضوابط موضوعية لتوضيح القطاعات الإنتاجية القابلة للتفويت في إطار التدبير المفوض، بالإضافة إلى إدراج الإصلاحات اللازمة على القوانين المتعلقة بالعقود الإدارية وأنظمة الملك العام والاحتلال المؤقت لمواكبة التشريع الجديد الذي أتى به قانون التدبير المفوض.
إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق