fbpx
افتتاحية

تنكيل

د. خالد الحري
د. خالد الحري

جربت الحكومة خطة «الكل للكل» فوق ظهور عشرات الموظفين والموظفات الذين حجوا، أول أمس (الأحد)، إلى الرباط للمشاركة في مسيرة للتنسيقية الوطنية لإسقاط خطة التقاعد التي دخلت حيز التنفيذ نهاية الشهر الماضي.

وهو يقترب من توديع الحكومة، لم ينس عبد الإله بنكيران، أن يترك هداياه مزينة بأشرطة زرقاء وحمراء وبنية على جلود مجموعة من الأطر انهالت العصي والهراوات على رؤوسها وظهورها على نحو مفاجئ، في مشهد يعيد المغرب إلى سنوات الرصاص والقمع المقيت، وزمن الباشاوات والقياد الذين كانوا مكلفين بالتنكيل بكل من يفتح فمه بشعار، أو مطلب أمام الساحة المقابلة لمجلس النواب.

الجريمة مكتملة الأركان هذه المرة، نفذتها الحكومة في حق مجموعة من المغاربة خرجوا للتظاهر والاحتجاج السلمي ضد خطة الإصلاح التي بدت لهم مجحفة في حقهم، فانتظموا، حسب المقتضيات القانونية والدستورية، في مسيرة وطنية لحث الحكومة على التراجع عنها، لكن كان للحكومة رأي آخر، حين لجأت إلى أقصى أنواع القوة لتفريقهم، مخلفة عددا من الإصابات والجرحى.

وبهذا القرار الذي سيُظهر أن المغرب يعيش حالة «استثناء» انتخابي، انتقل بنكيران من مجرد بسط تصوراته ومقترحاته وإصلاحاته «الانفرادية» عن طريق الإغراء والتحايل وابتزاز الفرق النيابية، إلى فرضها على الفئات الاجتماعية المتضررة بقوة الحديد والنار، كأنه يقول لجزء من المغاربة: إما أن تقبلوا إصلاحاتي بحذافيرها، أو يكون مصيركم السلخ والسحل والجلد في الساحات العمومية، وأمام عدسات الكاميرات.

أبعد من ذلك، فإن المغرب الذي يتأهب لثاني انتخابات تشريعية في عهد الدستور الجديد لتثبيت الخيار الديمقراطي وتوطيد دولة المؤسسات وتكريس النموذج المغربي في صيانة الاختلاف والتعدد، سيبدو أمام العالم، بصدر ضيق، يخاف مجرد مسيرة في الشارع العام تدافع عن مطلب اجتماعي، كما سيضع جميع منجزاته وإصلاحاته قيد التساؤل، حين سيعرف العالم أن رئيس الحكومة أعطى أمرا بسلخ والتنكيل بمواطنين عزل يحملون لافتات وشعارات بدل السيوف والبنادق.

إن دفاع الحكومة عن رؤية واحدة بحد العصا، لن يكون سوى قرارا سيئا سينعكس على نسبة المشاركة ومنسوب الثقة، في وقت تخوض فيه جميع الأحزاب حملاتها الانتخابية وتدافع عن برامج انتخابية توجد حرية المواطنين في صلبها، كما توجد مطالبهم الاجتماعية في خضمها، وعلى رأسها إصلاح خطة التقاعد.

فهل سيتجه بنكيران للتنكيل بجميع الأحزاب التي ترفع هذا الشعار؟

حتما، وكعادته، سيتبرأ بنكيران من سحل مواطنين عزل، وسيقول «مافراسيش» ولست على علم، ولم أمنع أي أحد، ولست مسؤولا عما جرى، عفوا فأنت المسؤول دستوريا وقانونيا على تصرفات وقرارات الحكومة التي ترأسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق