fbpx
ملف الصباح

الطاكسيات الزرقاء… محنة الرباطيين

رباطيون يفاوضون سائق سيارة أجرة لنقلهم
تعمل على شاكلة سيارات الأجرة الكبيرة ومواطنون يعبرون عن امتعاضهم في صمت

«بمجرد أن أغادر منزلي وأنا أدعو الله أن يوفقني إلى إيجاد سائق سيارة أجرة يقبل بإيصالي إلى مستشفى الاختصاصات-السويسي حيث أعمل»، تقول زينب التي تضطر إلى الوقوف لمدة قد تصل إلى ساعة بشارع الحسن الثاني بالعاصمة الرباط، قبل أن تجد «ضالتها»، تضيف «لا مشكلة أن يكون بالسيارة زبون غيري، ولا أن يفرض علي ضعف ثمن الرحلة… أراوكان غير نلقاه ويبغي يوصلني». فلم يعد فرض بعض سائقي سيارات الأجرة الصغيرة الوجهة التي تناسبه هو، يشكل أدنى إزعاج للزبناء الذين اعتادوا على ممارسات من هذه الشاكلة في مدينة،  أضحى الفرق بين سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة فيها، بالنسبة إليهم فقط في اللون وعدد الأشخاص المسموح بنقلهم في الرحلة الواحدة. سلوك…

بمجرد أن تطأ قدمك باب إحدى محطتي القطار، حتى يستقبلك فوج من الناس يتجمهرون بمدخل المحطة. للوهلة الأولى قد يبدو الأمر عاديا، سيما أن المحطة تعرف حركة دؤوبة على مدار السنة نظرا للتنقلات السككية التي تنشط  ذهابا وإيابا، على محور البيضاء- القنيطرة.
غير أن المثير هو عندما لا يكون ضمن ذلك الجمع الغفير، سوى سائقي سيارات الأجرة الصغيرة، تجندوا منذ الساعات الأولى للصباح ومنذ وصول أول وفد من المسافرين ممن آثروا استعمال وسيلة النقل هذه، يتهافتون على اقتناص أكبر عدد من الزبائن، الذين يشترط فيهم أن يكونوا فرادى ويقصدون الوجهة التي يحددها السائق.
أفواج السائقين تتدفق على المحطتين على مدار الساعة. الكل مستعد لفعل أي شيء لإقناعك بإيصالك. هذا يحمل عنك الحقائب، وآخر، بعد أن تسلل إلى قاعة الاستقبال في غفلة من رجال الأمن الخاص، يحاول أن يخفف عنك عناء السفر وينسيك تأخر القطار محاولا فتح سبل حوار خفيف إلى أن تدخل سيارة الأجرة الخاصة به، بعدها يتركك ويعود إلى باب المحطة بحثا عن زبون آخر يقصد الوجهة ذاتها.
“غادي للرياض؟” يسأل أحد السائقين شابا ولج للتو باب المحطة حاملا حقيبة صغيرة، دون أن يتوقف عن الالتفات يمينا وشمالا بحثا عن زبائن محتملين. لم ينتظر السائق إجابة الشاب، فقد كان منشغلا بمراقبة زملائه السائقين وهم يتسللون بين صفوف المسافرين، كما لو أنهم يرغبون في الولوج إلى قلب القطار والتنقيب فيه عن “طرائد” لا يتوانون عن الدخول معهم في جدالات سريعة حول الثمن الذي عليهم دفعه في حال كانت وجهتهم مغايرة لتلك التي يحددها السائق سلفا، متناسين أن القانون يجبرهم على استعمال العداد وأن التسعيرة مشار إلى كيفية احتسابها في وثيقة يحرص معظم السائقين على إخفائها بعناية.
 ”مدينة بحجم الرباط لا يمكنك فيها إلا أن ترضخ لطلبات سائق الطاكسي” تقول مريم التي بدت عليها علامات الامتعاض، مضيفة في استسلام، “في كل الأحوال حتى لو طالبته بتشغيل العداد فبإمكانه أن يسلك طريقا مغايرا، بدعوى أن حركة السير فيه تكون أخف، ما أضطر بسببه إلى دفع أضعاف التسعيرة المتفق عليها”.

تسعيرة…

 ”الله يلعن للي ما يحشم”، تقول سيدة يبدو من مظهرها أنها في الستينات من عمرها، وهي تنزل من طاكسي لم تتمكن بعد من أن تغلق بابه، لتفاجأ بالسائق يطلب منها النزول لأن وجهتها لا تناسبه، مستطردة ” لا حول ولا قوة إلا بالله، ما بقيتو كتميزوا لا بين كبير ولا صغير…”. مشهد يكاد يتكرر بمختلف شوارع العاصمة.
ووسط أصوات منبهات السيارات التي ترتفع احتجاجا على انسداد منافذ الطريق نتيجة توقف سيارات الأجرة الزرقاء، ترتفع أصوات هؤلاء، منادين بالوجهات التي تعرف رواجا أكبر ويرتفع عدد المتوجهين إليها، وهي تباعا: العرفان، الرياض، والنهضة، وفي بعض الأحيان “حي التقدم”، سيما عندما تصطف السيارات بموقف شارع محمد الخامس”.
دون هذه الوجهات، يتعين على المواطن انتظار سائق رحيم، يرأف لحاله ولا يبادر بسؤاله عن الوجهة التي يقصدها. “مازال كاينين ولاد الحلال فهاد مالين الطاكسيات.. للأسف عددهم قليل، الله يلاقينا مع ماحسن منا”، يقول رجل في الأربعينات بعد أن قبل سائق سيارة أجرة إيصاله إلى وجهته رغم أنها “مامسلكاش” حسب قوله مضيفا “هادشي للي عطا الله، القانون كيفرض عليا نوصلك، وللي مكتابا للي فالرزق غادي توصلني”.   
ومن جهتهم، يعزو سائقو الطاكسيات رفضهم إيصال زبناء إلى وجهات معينة إلى تردي أوضاعهم المادية. يقول أحمد، سائق سيارة أجرة صغيرة بالرباط “نحن لا نقوم بمثل هذه التصرفات، إلا لأننا متضررون جدا، لدينا مصاريف كثيرة، الضرائب، التأمين، ارتفاع أسعار البنزين”، ويضيف “من أين لي أن أدفع كل هذه المصاريف؟ ثم إن للزبناء أيضا حيلهم الخاصة، فبعد أن أتوقف لأحدهم أو إحداهن أفاجأ باثنين آخرين كانا مختبئين، والمصيبة أن التسعيرة لن تتجاوز خمسة إلى ستة دراهم…”.
لا تقف أسباب لجوء السائقين إلى مثل هذه الممارسات عند ما ذكره السائق ذاته، بل تتجاوزها لتصل إلى مبالغ مالية تتجاوز أحيانا سبعة ملايين سنتيم، تطلب منهم للحصول على رخصة استغلال سيارة الأجرة، ويضطر معها معظم سائقي سيارات الأجرة الصغيرة إلى اكترائها مقابل دفع مبلغ لصاحب الرخصة. يضيف أحمد “لا أريد سوى رخصة لاستغلال سيارة أجرة، فأنا أشتغل مع صاحب الرخصة مقابل منحه 250 درهما يوميا».  
إلا أنه، في ظل تنامي هذه الممارسات التي لم تعد تقتصر فقط على المحطات، بل شملت كل شوارع وأحياء المدينة، لا يجد المواطنون بدا من الرضوخ لطلبات السائقين، وأحيانا كثيرة «يقنعون» بأن يقربهم هذا السائق أو ذاك إلى وجهتهم المطلوبة، وإن كان هذا التصرف يثير سخطهم وامتعاضهم، إلا أنه يظل غضبا يحرصون على أن يتركوه في دواخلهم، وقد يسرون به إلى أحد أصدقائهم أو أقاربهم في انتظار أن تتغير الأوضاع إلى الأحسن.
هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق