fbpx
وطنية

الرقابة القضائية على قرارات وزير العدل في حق القضاة

جعفر حسون في الوسط
حان الوقت لإجراء تعديلات على النظام الأساسي لرجال القضاء

أثارت قضية توقيف القاضي جعفر حسون رئيس المحكمة الإدارية بمراكش، والعضو المنتخب بالمجلس الأعلى للقضاء، العديد من التساؤلات حول الطبيعة القانونية لقرارات وزير العدل الصادرة في حق القضاة ومدى قابليتها للطعن على عكس القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء كمؤسسة دستورية.

لقد منح المشرع في النظام الأساسي لرجال القضاء بعض الصلاحيات لوزير العدل لاتخاذ قرارات بانتداب القضاة وتوقيفهم عن مزاولة العمل مؤقتا عند ارتكابهم خطأ جسيما طبقا لمقتضيات الفصلين 57 و62 من النظام المذكور، فالأول ينص على أنه “يمكن لوزير العدل أن ينتدب بقرار عند الحاجة ولملء فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة قاضيا للقيام بهذه الأعمال لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في كل سنة”. والفصل الثاني ينص على أنه “يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه بقرار لوزير العدل، إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ خطيرا”، والطبيعة القانونية لتلك القرارات هي أنها قرارات صادرة عن سلطة إدارية قابلة للطعن فيها، بسبب تجاوز السلطة في إطار دعوى الإلغاء أمام المحكمة الإدارية المختصة، والتي هي المحكمة الإدارية بالرباط، كلما تعلق الأمر بالنظر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهير، كما هو الشأن بالنسبة إلى القضاة طبقا لمقتضيات المادة 11 من قانون المحاكم الإدارية.
وقد نصت المادة 8 من القانون نفسه على أن المحاكم الإدارية تختص مع مراعاة المادتين 9 و11 في البت ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية، بسبب تجاوز السلطة.
ولمعرفة الدور الفعال الذي يمكن أن يقوم به القضاء الإداري، وهو بصدد مناقشة قضية الأستاذ جعفر حسون خاصة قضاء الإلغاء أو المشروعية، بخصوص المراقبة القضائية للقرارات الصادرة عن وزير العدل نورد نموذجا عمليا لحكمين صادرين عن المحكمتين الإداريتين بالرباط والدار البيضاء.
أولا: الحكم الصادر عن إدارية الرباط تحت رقم 13 وتاريخ 1995/1/19 في الملف الإداري رقم 4/127غ، وقبل الاطلاع على حيثيات هذا الحكم لا بأس من معرفة الوقائع من خلال المستنتجات المتميزة للسيد المفوض الملكي للدفاع عن الحق والقانون في هذه القضية وأهم ما تضمنته “كان الأستاذ محمد العيادي ـ الطاعن ـ مكلفا بمهمة رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بالرباط، وأثناء انعقاد المجلس الأعلى للقضاء خلال دورة دجنبر 1993، اقترح تعيينه رئيسا للمحكمة المذكورة، إلا أن وزير العدل بدلا من أن يخبر الطاعن بالتعيين، ويطلب منه الالتحاق بمقر عمله، أصدر القرار المطعون فيه بتاريخ 1994/5/5، وأخبره بالتعيين المولوي، وبقرار الانتداب في رسالة واحدة، وطلب منه أن يستمر في مزاولة مهامه القضائية بمحكمة الاستئناف بصفته منتدبا للقيام بمهمة رئيس غرفة، مما جعل الأستاذ العيادي، يتقدم بتظلم للسيد وزير العدل، يطلب فيه العدول على قرار الانتداب، لأنه مس بالظهير الشريف ومصداقية المجلس الأعلى للقضاء والذي هو مؤسسة دستورية، ولم يتوصل بأي جواب مما جعله يطعن في قرار الانتداب بسبب تجاوز السلطة لعيب مخالفة القانون”…
وبناء على هذه المستنتجات ومناقشة القضية من طرف هيأة الحكم، صدر الحكم المشار إليه أعلاه الذي جاء في تعليله “إذا كان الفصل 57 من ظهير 1974/11/11 المكون للنظام الأساسي لرجال القضاء، يخول لوزير العدل إمكانية انتداب القضاة، متى كانت شروط الانتداب قائمة، فإن ذلك يقتضي أن يكون القاضي المنتدب يمارس مهامه القضائية التي عين فيها فعليا بمقتضى ظهير، وإلا اعتبر ذلك تعطيلا لمفهوم الظهير الذي جاء بناء على اقتراح المجلس الأعلى للقضاء وبالتالي اعتبر ذلك تجاوزا في استعمال السلطة ـ سلطة الانتداب المخولة لوزير العدل هي استثناء من القاعدة التي تقضي بأن القضاة لا ينقلون، ولا يعزلون إلا بظهير، وهذا الاستثناء مقرون بشرط الحاجة وملء الفراغ، وعلى الإدارة أن تثبت قيام الشرطين، وإلا اعتبر تصرفها تجاوزا للسلطة يستلزم الحكم بإلغاء القرار لعدم مشروعيته وقضت المحكمة بإلغاء قرار الانتداب.
ثانيا: الحكم الصادر عن إدارية الدار البيضاء بتاريخ 2004/9/22 في الملف رقم 04/14 غ وتضمن هذا الحكم في تعليله “يمكن لوزير العدل أن ينتدب عند الحاجة، ولملء الفراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة، قاضيا للقيام بهذه الأعمال لمدة لا تتجاوز 3 أشهر ـ سلطة وزير العدل في اتخاذ قرار الانتداب مقيدة بشرطين مجتمعين، هما عند الحاجة ولملء الفراغ.
وحيث إن تقدير الأسباب الباعثة على اتخاذ قرار الانتداب تخضع لرقابة قاضي المشروعية درءا لتحول مؤسسة الانتداب عن الغاية من سن المشرع لها.
وحيث إن عدم إثبات وزير العدل للأسباب الداعية لاتخاذ قراره وثبوت كون النشاط القضائي للمحكمة المنتدب إليها الطاعن في وضعية طبيعية وجيدة، لا تستوعب الزيادة في عدد القضاة، مما يعتبر معه قرار الانتداب مشوبا بتجاوز السلطة لعيب السبب ـ الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه.”
القضاء الإداري المشهود له بإصدار أحكام وقرارات جريئة يحرص فيها على تطبيق القانون بغض النظر عن أطراف الدعوى، يوجد أمام محك جديد في قضية تستأثر باهتمام الحقوقيين ورجال القضاء والدفاع تتعلق بالطعن بالإلغاء، بسبب تجاوز السلطة في قرار وزير العدل القاضي بتوقيف الأستاذ جعفر حسون، إلى حين البت في متابعته التأديبية. ولا شك أن النقاش والدفوعات القانونية ستتركز على حدود سلطة الوزير في اتخاذ ذلك القرار، ومدى صلاحية استعماله لسلطته التقديرية دون غلو في التقدير، وهل القرار المطعون فيه الذي شمل أيضا توقيف الراتب كان ملائما لما هو منسوب للمعني بالأمر من أفعال لا يمكن إثباتها إلا بعد البت تأديبيا داخل أربعة أشهر ابتداء من تنفيذ قرار إيقافه عن العمل، وحتى على فرض ثبوتها، فهل تشكل خطأ خطيرا وهو المصطلح الوارد في الفصل 62 من النظام الأساسي، يستوجب التوقيف عن العمل والإعدام المؤقت للراتب قبل الإحالة على المجلس التأديبي.
هذه مجموعة من التساؤلات تطرح نفسها في الساحة القانونية بقوة في وقت يتم فيه الحديث عن ورش إصلاح القضاء، فالطاعن ليس قاضيا عاديا، وإنما هو مسؤول قضائي، وعضو منتخب له الصفة التمثيلية بالمجلس الأعلى للقضاء الذي يجب أن يوفر الحصانة والضمانات لأعضائه للدفاع عن أنفسهم قبل اتخاذ أي قرار مؤقت أو نهائي، في إطار احترام القانون والضوابط الجاري بها العمل خاصة في الحالة التي يكون فيها القاضي متابعا من أجل ارتكابه خطأ يصعب تصنيفه، وقد لا يرقى لمرتبة الخطورة، وغير متابع جنائيا طبقا للفصل 62 من النظام الأساسي لرجال القضاء. وإذا كان العضو البرلماني المنتخب يتوفر على الحصانة الدستورية، فكيف لمسؤول قضائي معين بظهير، وعضو منتخب في مؤسسة دستورية وله الصفة التمثيلية للقضاة ويتوفر على الامتياز القضائي، ولم يرتكب جناية، وإنما اتهم بارتكاب خطأ لن تتضح جسامته وخطورته، إلا بعد انعقاد المجلس الأعلى كهيأة تأديبية، ألا يتمتع بأي حصانة قانونية في مواجهة القرارات الصادرة عن وزير العدل باعتباره سلطة إدارية تابعة للجهاز التنفيذي، مما يؤثر على مبدأ فصل السلط ويمس باستقلالية القضاء التي هي شرط أساسي لبناء دولة الحق والقانون، وأعتقد أن الوقت قد حان، ونحن نتحدث عن الشروع في ورش اسمه إصلاح القضاء، لإجراء تعديلات على النظام الأساسي لرجال القضاء فيما يخص السلطات الممنوحة لوزير العدل بخصوص انتداب وتوقيف القضاة ليصبح المجلس الأعلى للقضاء هو المختص الوحيد لاتخاذ تلك القرارات، خاصة أن هذا الأخير في السنوات الأخيرة في وضعية الانعقاد الدائم والمستمر، ولم تعد الظروف تبرر صدور قرارات إدارية لوزير العدل تكتسي صبغة استعجالية ومؤقتة إلى حين انعقاده، لأن من شأن ذلك الإخلال كذلك بمبدأ توازي الشكليات الذي يجعل سلطة التعيين هي صاحبة القرار. فالمادة 57 من النظام الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء تنص على أنه “يتعرض لعقوبة تأديبية كل قاض أخل بواجباته المهنية أو بالشرف أو بالوقار أو بالكرامة، تطبيقا لمقتضيات الفصل 58 من النظام الأساسي وتقدير الخطأ المهني موكول لقناعة المجلس”، وهذا النص يوضح أن تقدير الخطأ المهني موكول لقناعة المجلس، وليس لقناعة وزير العدل مصدر القرار المطعون فيه وغير خاضع لسلطته التقديرية، وبالتالي لا يمكن الجزم بأن الخطأ المهني المنسوب للطاعن كان على درجة من الخطورة الداعية إلى توقيفه وإيقاف راتبه، الشيء الذي يطرح التساؤل حول مدى ملاءمة الإجراء المتخذ للفعل المرتكب في حالة تحققه.
 بقلم: ادريس المشترائي: محام بهيأة آسفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق