fbpx
ملف الصباح

لخناتي: المسـاطـر متشعبة

22نفتقد قيم النزاهة والمواطنة وإصلاح قطاع التعمير ليس مسألة قوانين فقط

يؤكد جمال لخناتي، الكاتب العام للهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين، في هذا الحوار، أن أبرز خلل في المساطر المنظمة للبناء والتعمير هو تشابك المتدخلين

 وافتقار مراقبي البناء إلى الصفة الضبطية القضائية التي تؤهلهم إلى وقف الخروقات على الفور، مشددا على أن هشاشة منظومة التعمير والقطاع،

رغم طابعه الإستراتيجي، ترتبط بأزمة مواطنة في المغرب وما يتعلق بها من نزاهة وقيم أخلاقية.

< لماذا يكون المهندس أول من توجه إليه أصابع الاتهام أثناء وقوع كوارث الانهيار دون غيره؟

< يجب التذكير، أولا، بأن حالات الانهيار ورغم أنها متفرقة باتت يوما بعد آخر تتحول إلى ظاهرة، ما يعكس هشاشة المنظومة التدبيرية للعمران والعمارة بالمغرب.

صحيح للأسف، أنه عند كل فاجعة توزع الاتهامات وسرعان ما يتم ربط الانهيارات بالمهندس، وسبب ذلك، وجود فهم ضيق وغياب لثقافة ووعي بشأن حقيقة المتدخلين في عملية البناء الذين تحددهم ترسانة القوانين المنظمة للقطاع بالمغرب والتي عمرها حوالي قرن (المغرب حظي بأول قانون للتعمير في 1914).

إن القطاع في المغرب، وبموجب القوانين، تتدخل فيه جهات وسلط متعددة وكلها يحملها القانون مسؤوليات جساما، بداية بالهيآت المنتخبة، أي الجماعات الترابية التي يعد الرئيس المسؤول الأول والأخير فيها على تلقي الطلب وتسليم الرخص، زيادة على مصالح خارجية، وسلطات محلية، وضباط البناء  المخول لهم صفة المراقبة والتتبع.

< في ظل تعدد المتدخلين وتشابك المسؤوليات، أين يوجد الخلل؟

< قبل أيام من الفاجعة الأخيرة بالبيضاء، وتحديدا في 29 يوليوز الماضي، اعتمدت لجنة الداخلية والجهات والجماعات المحلية والبنيات التحتية بمجلس المستتشارين، على القانون 66/12 المتعلق بالمراقبة وزجر المخالفات  في مجال البناء، الذي يعد تشريعا محمودا وفيه استباقية ويستفيد من التجارب والهزات السابقة للقطاع.

وأول خلل كان، ويحسب للوزارة الحالية للسكنى والتعمير معالجته بالقانون الجديد، مسألة دفتر الورش، الذي سنه المهندسون لسنوات طويلة لكنه لم يكن إلزاميا على باقي الشركاء المتدخلين في عملية البناء ما حد من فعاليته، رغم أنه وثيقة تضم الحجج على مدى جدية وانخراط حقيقي للمتدخلين إبان عملية الإنجاز والتتبع والمراقبة.

فعدم إلزامية الدفتر وعدم وجوب فتح الورش أمام كل المتدخلين وعدم توحيد مساطر البناء، والتداخل والتعقيدات التي كان يتطلب إنجازها وقتا كثيرا قد لا ينتهي وإلا صاحب المشروع أنهى الأشغال ووقعت الكارثة، وعدم تمتع عون المراقبة بالصفة الضبطية التي تمكنه من التواصل مباشرة مع النيابة العامة أو سلطة الأمر الفوري بإيقاف الأشغال أو هدمها، كلها اختلالات تؤدي إلى بشاعة العمارة والبناء بالمغرب وافتقاره للجودة والجمالية.

< ورغم ذلك، يقتنع كثيرون بأن الحاجة الحقيقية تتمثل في مدونة للتعمير والسكنى تكون ترسانة قانونية وموحدة ومنسجمة، فما الذي يمنع من إقرارها في نظرك؟

<إن قطاع التعمير والبناء بالمغرب، إستراتيجي ويساهم في الناتج الداخلي الخام بشكل مهم ومدر للثروة وهو مجال لرهانات مالية، لذلك هناك تضارب بين السلطات والمتدخلين وهروب الجميع من المسؤولية الجنائية ورغبة الجميع في الحفاظ على أكباش فداء، هي الأمور التي أدت إلى “بلوكاج” عملية إقرار مشروع المدونة التي أعدت أثناء ولاية الوزير السابق توفيق احجيرة.

وعندما نستحضر ظاهرة الوسطاء وثقافة الغش والفساد والرهانات السياسية لرؤساء المجالس، ومشكلة تصاميم التهيئة وتصاميم المنازل غير الملائمة للمواطنين وأصحاب المشاريع، وانتشار المقاولين غير المصنفين، ندرك أن القوانين يجب أن تتجه في اتجاه المهنية والحرفية.

< عندما نستعيد صمود البنايات الكولونيالية وجماليتها والعمارات والمآثر المغربية التي عمرت قرونا دون أن تسقط، نفترض أيضا أن اختلالات التعمير مسألة أزمة قيم ومواطنة، فما رأيك؟

< صحيح، إننا نفتقد قيم النزاهة والمواطنة وغيرها، وبالتالي أقتنع أن إصلاح قطاع التعمير ليس مسألة قوانين لوحدها، بل أيضا هم حضاري ومشروع مجتمعي، فالمعمار يبقى سجلا لثقافة الشعوب والحضارات، كما أن جمالية المدينة تعكس نجاح كل السياسات العمومية، وبالتالي فيجب أن نبدأ من التربية والتكوين، والعمل على تنشئة جيل يتحلى بثقافة النزاهة والمواطنة بما هي حقوق وواجبات حتى يستعيد العمران المغربي جودته وجماله وعنفوانه.

أما آنيا، فالحل هو أن يتمتع ضابط البناء بالسلطة الضبطية التي تسمح له بالأمر بالهدم فورا دون التعقيدات المسطرية، وإنشاء غرفة متخصصة في القضاء تعمل حتى في العطل الرسمية من أجل البت في مخالفات البناء فور حدوثها.

يجب أيضا تعزيز أخلاقيات المهنة في كل القطاعات المتدخلة، بما في ذلك هيأة المهندسين، التي لا يكون حاليا للعقوبات الزجرية التي تتخذها في حق أفرادها المخالفين أثر بسبب الطعن فيها لأن رئاسة الحكومة لم تعين بعد المستشار القانوني للهيأة حتى تكون القرارات التأديبية قانونية.

أجرى الحوار: امحمد خيي

*: الكاتب العام للهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى