fbpx
ربورتاج

مراكز “كرواتيـا”…لعنـة عمـرها 11 سنـة

انتهت صلاحيتها مع رحيل العنيكري وتحولت إلى ״مخافر״ للمتشردين والسكارى وحاويات أزبال و״مساكن اجتماعية״

أسوأ “كابوس” يقض مضجع حميدو العنيكري، الجنرال ومدير الأمن السابق، صورة “مركز لشرطة القرب” مهمل بـ”وجه” محروق وأبواب ونوافذ مخلوعة،وجنبات تفيض أزبالا وقاذورات. والأكثر سوءا أن يطل من نافذة سيارته على مراكز أخرى يحتلها متشردون وخارجون عن القانون، أو تحولت إلى مساكن اجتماعية للفئات المعوزة، أو إسطبل لدواب وعربات الباعة المتجولين، وفي أحسن الأحوال، تصير مقرا لجمعية، أو مقاطعة لتصحيح الإمضاءات.

في 17 أكتوبر الماضي، كان من المفترض أن تحتفل مديرية الأمن الوطني بالذكرى 11 لتأسيس المجموعات الحضرية للأمن، أو “حصان طروادة” الذي حاول حميدو لعنيكري أن يخترق به أسوار مدينة الأمن الوطني الحصينة، قبل أن ينقلب في بداية الطريق، ربما بسبب الوزن الزائد للطموحات، وتنتهي الحكاية، كل الحكاية، بعد يوم واحد من بداية السنة الثالثة لإنشاء بوليس “كرواتيا”.

نهاية أسطورة

نحن في 18 أكتوبر 2006. ينزل بلاغ حاسم على رؤوس ضباط مجموعات القرب الأمني المنتشين بقوافل السيارات رباعية الدفع الملونة بالأحمر والأخضر التي “تستعرض” في شوارع المملكة، وخلفها سيارات أمن بلون أزرق تحمل مجموعات من الأمنيين بلباس مميز ويعتمرون قبعات تشبه في “ديزينها” أقمصة المنتخب “الكراوتي”، وخلفها دراجون يوزعون نظرات مخيفة من خلف نظارات شمسية.
البلاغ يحمل توقيع  الشرقي اضريس، الذي خلف لعنيكري على رأس المديرية العامة للأمن الوطني، ويضع، منذ فقرته الأولى، نقطة نهاية لأسطورة “شرطة القرب” ويأمر بإعادة انتشار أفرادها (حوالي أربعة آلاف عنصر) وعتادها بمصالح الأمن العمومي والشرطة القضائية وشرطة السير الطرقي، وتفريق “الجقلة” التي أثارتها “الكيس” منذ تأسيسها، والبهرجة التي رافقت طريقة تدخلاتها الأمنية وتعقبها للفارين والمشتبه فيهم، وأساسا الإشاعات و”القيل والقال” التي بدأت تتناسل حول أكثر أجهزة الدولة حساسية.
في البلاغ نفسه، انتبه اضريس إلى جميع الحيثيات والتفاصيل لإحاطة القرار بأكبر قدر من الإقناع، باستثناء الجزئية الأهم على المستوى الرمزي، والمتعلقة بمصير تلك البنايات المربعة الصغيرة (35 مترا مربعا) التي زرعت في زوايا أهم الشوارع والأحياء الشعبية بالبيضاء والرباط ومراكش، وارتبط اسمها ووجودها بالمجموعات الحضرية نفسها المنتهية صلاحيتها.
وبال ولعنة

مراكز القرب الأمني، التي حضنها العنيكري مثل صغاره، و”تسول” وزراء الداخلية وعمداء المدن ورؤساء المقاطعات لتشييد أكبر عدد منها، في مواقع إستراتيجية يختارها بنفسه، سرعان ما تحولت إلى لعنة تطارد الجميع، وتنصب “شاهدا” على “تجربة أمنية”، تكبر أسرارها وخباياها كلما تقدمت في الزمن.
في لحظة صارت “جواهر” العنيكري وبالا على الجميع، وعبئا يجثم على صدور العمال والولاة ورؤساء الجماعات والمسؤولين الأمنيين الذين سقط بين أيديهم في لحظة، ولم يعرفوا كيف يتعاملون مع تركة ثقيلة تحمل واحدة من أهم رموز الوطن: الأمن الوطني.
في لحظات “الفراغ” الكبرى، يوجد هناك دائما من يتقن لعبة الملء، ولو تعلق الأمر بركام نفايات وقاذورات، إذ تحول عدد من مراكز القرب بالبيضاء والرباط ومراكش (المدن التي بدأت فيها التجربة بست مجموعات حضرية بحوالي 1200 عنصر) إلى حاويات أزبال إسمنتية، تغني السكان عن قطع مسافات لإيجاد صناديق قمامة، قلما يجدونها في مكانها.
بمقاطعات الفداء والحي الحسني والحي المحمدي وعين السبع، لن تتعب كثيرا في العثور على هذه “الحاويات الضخمة” تتوسط مجمعات سكنية، ومراكز تجارية تزكم روائحها الأنوف، رغم حملات التنظيف الدورية التي تقوم بها جمعيات متطوعة، أو أعوان الشركات المكلفة بتدبير النظافة، لكن سرعان ما يعود الوضع إلى حاله، كأن يدا خفية، أو قوة تنتقم من “مراكز” ارتبطت لدى السكان بالخوف والرعب والمطاردات والاستنطاقات بسبب وبدونه.
في أحياء أخرى، تأخذ الصورة شكل لوحة سريالية، حين تحين عدد من المجرمين وذوي السوابق والمبحوث عنهم والمشردين والمقرقبين فرصة مغادرة شرطة القرب هذه المراكز، فهجموا عليها فرادى وجماعات من أجل احتلالها، وتحويلها إلى فنادق صغيرة على قارعة الطريق، بعد أن كان مجرد المرور من أمامها مغامرة محفوفة بالأصفاد و”التعلاق” و”التصرفيق”..حتى الساعات الأولى من الصباح.
ولا تخطئ العين، عددا من مآوي المتشردين الأمنية المنتشرة في أحياء بعينها، وتحمل توقيعاتهم وكتاباتهم الحائطية وأسمالهم التي “يعلمون” بها المكان، وحرائقهم، حين يعمدون في ليال البرد القارس إلى تحويل هذه المقرات إلى مدفآت ويضرمون النار في قطع الكارتون وبقايا الأخشاب ويتحلقون حول قارورات ماء حارق وعلب “السيلسيون”.
في الصباح الباكر، يغادر سكان الليل المكان على أطراف أصابعهم، ليفسحوا المجال لسكان النهار لإلقاء أكوام جديدة من النفايات والقاذورات على جنباته، في سلسلة تناوب منتظمة لا تعرف الانقطاع.

منـازل وجمعيـات

بحي بوشنتوف التابع لعمالة مقاطعات الفداء مرس السلطان، وبالضبط، قرب سوق شعبي، يمكنك أن تسمع صفير طنجرة ضغط قادما من شباك “مطبخ” مركز للأمن تقطنه عائلة من 14 فردا، وضعتهم السلطات المحلية، منذ أشهر، في هذا المكان، في انتظار إيجاد حل، بعد انهيار منزلهم القديم بالحي نفسه.
الملاءات المنشورة في واجهة المركز وأدوات الطبخ المنتشرة في مدخله، ليست وحدها ما يدل على عنوان “الإقامة”، بل كذلك التصميم الهندسي الداخلي، حين عمدت العائلة إلى تهيئة الحيز (35 مترا مربعا)، واستخرجت منه غرفة للنوم، ومطبخا مطلا على الشارع، وباحة جلوس صغيرة، في انتظار الفرج.
في مقاطعات أخرى، تطوع السكان المجاورون إلى إغلاق أبواب ونوافذ هذه المراكز بالآجر والاسمنت، لمنع المتشردين ومعاقري الخمر من التسلل إليها ليلا، مع ما يصاحب ذلك من فوضى وكلام “فاحش” ومشاجرات، حين تلعب الخمرة بالرؤوس، دون الحديث طبعا عن ممارسات أخرى تحول مقرات أمنية مهجورة إلى “بورديل” مفتوح.
الوضعية أثارت هيآت من المجتمع المدني التي بادرت إلى وضع طلبات لدى الجهات المسؤولة (العمالة واللجان المحلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية) للاستفادة من هذه المخافر واستغلالها فضاءات للتنشيط الاجتماعي، وهي المبادرة التي اصطدمت بجبل من العراقيل والإجراءات البيروقراطية، باستثناء جمعيات قليلة استفادت بعد سنوات من التفاوض و”سير وأجي” بين الإدارات.

ملياران و600 مليون في مهب الريح

بالبيضاء وحدها، يوجد 126 مركزا لشرطة القرب متخلى عن 70 في المائة منها، علما أن أغلبها لم تكد الأشغال تنتهي به، حتى صدر قرار بإنهاء عمل المجموعات الأمنية الحضرية.
ويتذكر مسؤولون بمجلس عمالة البيضاء ما قبل انتخابات 2009، كيف تحمس الجميع لهذه التجربة، التي رصد لها المجلس حوالي 26 مليون درهم، لبناء عدد كبير من هذه المراكز في المقاطعات الـ16 وتحويلها إلى فضاءات للدعم البشري واللوجيستكي لـ”عناصر كرواتيا”.
مباشرة بعد الانتهاء من الأشغال وتسليم مفاتيحها إلى ولاية الأمن، أصبحت هذه المراكز في حالة شرود” وتحولت إلى لعنة لا أحد يريد الاقتراب منها، خوفا من العقاب والمساءلة.
بداية 2010، تبادر مقاطعة الفداء، وتقدم مقترحا لعامل المقاطعات، يقضي بتحويل جميع مراكز القرب المغلقة إلى إدارات خدمات قريبة من المواطنين، خصوصا مصالح تصحيح الإمضاءات، وهو المقترح الذي اصطدم بعدد من العراقيل، قبل أن يرفع الطلب إلى المدير العام السابق للأمن الوطني الذي أعطى موافقته في الحال.
الآن، تشتغل جميع المراكز بتراب نفوذ المقاطعة ملحقات إدارية لتصحيح الإمضاءات، بعد أن أعيد تهييئها وتجهيزها ووضع لوحات سوداء مميزة فوق واجهاتها، علما أن هذه الإدارات تشغل طيلة أيام الاسبوع، بضمان دوام يومي السبت والأحد بالنسبة إلى المواطنين الذين يجدون صعوبة في الالتحاق بالإدارات في أوقات العمل، بسبب طبيعة شغلهم.

إعداد: يوسف الساكت – تصوير  (عبد الحق خليفة وعبد اللطيف مفيق)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى