fbpx
الأولى

زلزال دكالة… اعتقالات بعد فوات الأوان

عدم مساءلة العامل ورجال السلطة يطرح تساؤلات حول دور سلطة الوصاية في المراقبة

يمثل اليوم (الأربعاء)، أمام قاضي التحقيق لدى استئنافية الجديدة، المتابعون في ملف الفساد المالي بالبلدية، وهي واحدة من قضايا تبديد المال العام، التي شدت إليها اهتمام الجديديين أكثر، بعد أن أمر قاضي التحقيق بإيداع 17 شخصا السجن، بينهم محام، كان يرأس الجماعة في الفترة من 2004 إلى 2007، أي الفترة موضوع افتحاص قضاة المجلس الجهوي للحسابات. وإذا كان أبناء عاصمة دكالة، لامسوا، عن قرب، تبديد المال العام وسوء تسيير مجالسهم الجماعية المتعاقبة، ويدركون أكثر من غيرهم مكامن الخلل داخل النفوذ الترابي للبلدية، فإن تمة أسئلة أخرى تطرح نفسها بإلحاح، من بينها الطريقة التي أودع بها المتهمون السجن، ومدى انسجام تدبير الاعتقال مع فلسفة الردع، سواء منه الخاص، الذي ينصرف إلى المتهم وحده، أو العام الذي ينصرف إلى عموم المواطنين، حتى تتم العبرة ويفهم الدرس.
أول انطباع يهم تدبير الاعتقال المتخذ في حق مجموعة من المتهمين، الذين لا يشكلون خطرا على المجتمع، على الأقل في الوقت الحالي، بعد سحب البساط من تحت أقدامهم، أو الذين يسيرون مقاولات أو يشرفون على مكاتب، فالاعتقال هنا يجر وراءه توقف مجموعة من الأعمال التي يرتبط بها آخرون ويرهن مستقبلهم، في انتظار ما ستؤول إليه الأمور. فضمانات الحضور كانت متوفرة دائما عند المتهمين، ومتابعتهم في حالة سراح مع تدبير الحراسة القضائية، يتماشى مع سياسة ترشيد الاعتقال، ويساير تطبيق القانون، فالاعتقال هنا تحول من وسيلة للردع، إلى وسيلة للإذلال.
الأمر نفسه ينصرف إلى بعض أصحاب المقاهي، الذين زج بهم في السجن بسبب عدم أداء واجبات الكراء للجماعة أو عدم حصولهم على تراخيص، سيما إذا علمنا أن الكراء «مطلوب وليس محمولا»، أي أن الجماعة إن كانت صاحبة الملك ينبغي عليها أن تسعى بكل الوسائل إلى استخلاص واجباتها ولو حتم ذلك اللجوء إلى القضاء. أما الحديث عن الطرق غير المشروعة وعدم الحصول على تراخيص، فإنه أمر مردود، سيما أنه بمجرد وضع طلب الترخيص ومضي 60 يوما عن عدم إجابة الإدارة بالرفض أو القبول، فإن سكوتها يعتبر قبولا ضمنيا، وهذا يجرنا إلى التساؤل عن دور سلطة الوصاية، العامل، وإمكانية التدخل في الوقت المناسب لوقف الأشغال وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه.
التهم التي التصقت بهذه الفئة من المتابعين لا يتحملون فيها المسؤولية لوحدهم، كما أنها لا ترقى إلى اتخاذ قرار بالاعتقال الاحتياطي، علما أنهم عقدوا اجتماعات في البلدية ببادرة منهم لتسوية الوضعية حتى يتمكنوا من أداء قيمة الكراء الذي من المفترض أن يؤدى لمصالح البلدية، لكن ذلك لم يتم، بعد اكتشاف أن البقعة الأرضية التي وضعها رئيس المجلس لتشييد مقاه فوقها ليست أصلا ملكا للبلدية.
هناك تساؤلات كثيرة حول التعامل مع القضية، ومنها أساسا، لماذا لم يتم توقيف المشروع، عند البدء بوضع أول حجر؟ ولماذا لم تتحرك السلطات (سلطات الوصاية) طيلة خمس سنوات لتقول بعدم قانونية التفويت؟ ولماذا لم يتم إرجاع الأمور إلى نصابها قبل إهدار الملايين في هذا الاستثمار؟ وهل كان ضروريا التحقيق مع كل هؤلاء المستثمرين في حالة اعتقال؟  
أما تهمة استغلال النفوذ التي أصبحت تستعمل بشكل فضفاض يحيد بها عن التفسير الضيق الذي هدف إليه المشرع، والمحصورة أصلا في من يتوفر على صفة موظف عمومي، فإنها تحولت إلى شرك ينصب في كل مكان بعيدا عن مقصد المشرع.
إصلاح القضاء، لا يعني فقط إصلاح القوانين وتتميمها، بل يهم في جوهره التطبيق السليم لتلك القوانين وعدم تحميلها ما لا تسعه.

المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى