ملف الصباح

بعض الإقامات أخطر من “الكاريانات”

كعيوة المفتش الجهوي للتعمير بجهة البيضاء دعا إلى تقييم شامل للسياسة العمومية في السكن

دعا عبد القادر كعيوة المفتش الجهوي للتعمير وإعداد التراب الوطني بجهة البيضاء- سطات، وأستاذ الجغرافية وإعداد التراب بجامعة الحسن الثاني إلى تقييم شامل للسياسات العمومية في مجال السكن، مشددا على أنه حان وقت إعادة النظر في برامج السكن الاقتصادي والاجتماعي على أساس قراءة هادئة للحصيلة، خاصة من حيث الكيف بالنظر إلى تدني الجودة الداخلية والخارجية للوحدات السكنية المنجزة.  

أجرى الحوار: ياسين قُطيب

 هل نجحت الدولة في برنامج السكن الاقتصادي؟
 بذلت الدولة مجهودا جبارا في مجال السكن منذ 2000، وأنفقت ميزانيات ضخمة، لكن بعد هذه المدة من العمل الدؤوب أعتقد أنه حان الوقت من أجل إعادة النظر وإجراء تقييم شامل للسياسات العمومية المتعلقة بهذا القطاع، ولابد من قراءة هادئة للحصيلة خاصة من حيث الكيف على اعتبار أن عمل السلطات العمومية كان جيدا من حيث الكم.

 كيف ذلك؟
 يجب أن تخضع نماذج السكن المنجزة للفحص ورصد نقائصها، والاستماع إلى سكانها لمعرفة حاجيات الناس، وقبل ذلك على الحكومة، إذا أرادت فعلا أن تصحح مسار سياستها العمومية في مجال السكن، أن تعيد النظر في الضوابط القانونية، على اعتبار أن الإصلاح يبدأ من القوانين، كما هو الحال بالنسبة إلى تلك المقتضيات الموجودة في دفاتر التحملات المعتمدة، التي تنص على أن مساحة السكن الاجتماعي تتراوح ما بين 50 مترا مربعا و 100، ذلك أن هامش التحرك بالنسبة لأصحاب المشاريع كبير جدا يصل إلى النصف، ومن الطبيعي أن تكون الشقق قريبة من الحد الأدنى، إذ غالبا ما نجد وحدات من 55 مترا أو 60 في أحسن الأحوال.
ولا يمكن أن يكون للسلطات العمومية حكم موضوعي بهذا الخصوص إلا على أساس دراسة علمية وتقييم شامل يروم الجواب على أسئلة من قبيل ماذا أنجزنا؟ وهل حققنا أهدافنا ؟ مع ضرورة وجود إرادة حقيقية في تغيير الأمور التي لم نوفق فيها، وإذا تأكد أن السياسة الحالية أصبحت سلبياتها أكثر من الإيجابيات وأن هذه السلبيات تتكاثر مع مرور السنوات لا مانع يمنع، في نظري من اتخاذ قرار التوقف والتغيير.

 هل يعني ذلك أن الدولة لم تقيم برامج السكن الاجتماعي والاقتصادي منذ بدايتها قبل 16 سنة ؟
 الأكيد أن الدولة وضعت ونفذت البرامج المذكورة بحسن نية، بالنظر إلى أن هناك شرائح من المغاربة ليست لديهم الإمكانيات المادية للحصول على سكن لائق، وتقرر تخصيص دعم مالي للأسر المعنية يصل إلى 40 ألف درهم يسترجعها المقاولون من خلال الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة، وعلى هذا المنوال يرتقب إنجاز 360 ألف وحدة في البيضاء وحدها قبل 2020، بمعنى أن الدولة ستنفق 14.5 مليار درهم في العاصمة الاقتصادية وحدها بالإضافة إلى الغلاف المالي المخصص لتوفير الوعاء العقاري، ما يعني أن هناك إرادة قوية في الاستجابة للمتطلبات الاجتماعية.

 ما الذي يمنع الدولة من إجراء تقييم لهذا الورش الكبير والمكلف؟
 هناك ثقافة سائدة يجب محاربتها وهي السير بالمشاريع إلى النهاية دون رصد مرحلي لمواقع الخلل، وذلك بإجبارية التقييم الدوري، كأن تقوم القطاعات الحكومية المعنية، كل خمس سنوات مثلا، بجرد حصيلة الإنجـــــــــــــــازات ومقارنتها بالأهداف المرصودة، سواء في ما يتعلق بالجانب المالي أو بالجوانب الأخرى التي لا تقل أهمية، خاصة ذات الصلة بالحكامة وتدبير الزمن، ذلك أن جل المشاريع تستمر إلى ما بعد التاريخ المحدد لنهايتها بسنوات.
  لا يمكن إنكار العمل الكبير للدولة من أجل توفير السكن للمغاربة، سواء تعلق الأمر بتوفير الاعتمادات المالية، أو بتجنيد الشركات العمومية والإدارة الترابية، لكن المسألة لا يجب أن تقف عند حدود توفير البناء فقط، على اعتبار أن خدمة السكن تشمل توابع أخرى، تتعلق، أولا، بالجودة الداخلية للوحدات السكنية، إذ لا يكفي أن نوفر أسقفا يدخل تحتها الناس دون مراعاة متطلبات الحياة الكريمة، وتشمل ثانيا الجودة الخارجية التي تتطلب توفير مختلف المرافق الاجتماعية،أخرجنا الناس من دور الصفيح وذهبنا بهم إلى تجمعات أخطر من “الكريانات” ويصعب وصفها بالسكن اللائق لأنها بنيت في أماكن تنعدم فيها خدمات كانت متوفرة أو على الأقل قريبة من “البرارك” التي أفرغوا منها.

 من المسؤول عن فشل سياسة السكن الاقتصادي والاجتماعي؟
 لا يمكن الحديث عن فشل بقدر ما يتعلق الأمر بانحراف ناتج عن تهاون بعض المتدخلين في العملية، نتج عنه نقص في الجودة، خاصة في ما يتعلق بتلاقي السياسات القطاعية، فإذا كنا نريد أن نوفر للناس سكنا محسوبا على مدينة معينة، فيجب أن يكون ذلك بإدماجهم فيها لا أن نكرس إقصاءهم وعزلتهم بإرسالهم إلى مناطق تفتقر إلى أبسط قنوات الربط بالمركز، بتوفير وسائل النقل وبتقريب الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية والأمنية وغيرها، في حين نلاحظ أن القطاعات الوزارية لم تتمكن من تغطية التجمعات السكانية الجديدة بالمدارس والمستوصفات ومراكز الشرطة وغيرها، إذ بقيت البنيات الموضوعة تحت إشارتها عرضة للتلف وأحيانا للنهب لغياب الأمن في بعض الأحياء التي يضطر سكانها الجدد إلى قطع عشرات الكيلومترات من أجل الوصول إلى العمل.

دور الصفيح ليست عيبا   
في ظل هذا الوضع يصبح من المنطقي أن نتساءل عن جدوى البحث عن مدن بدون صفيح إذا كنا ندفع في اتجاه تكوين مدن صفيح أخرى، سواء بالتشجيع على ذلك بمنح سكانها معاملة تفضيلية لا تتوفر لغيرهم، أو بتقديم بدائل لا تفي بالغرض من وجهة نظر مستفيدين، أكثر من ذلك يمكن أن أقول لك ما العيب في أن تكون لدينا دور صفيح، شريطة العمل على إدماج سكانها في دورة الحياة داخل المدينة كما هو الحال في البرازيل التي اختارت معالجة المشكل مع الإبقاء على السكان في أماكنهم؟ العيب هو أن تكون نسبتها مرتفعة.
هناك من يقول إننا سننتهي بهدم هذه التجمعات كما وقع في فرنسا مع تجربة أحياء الضواحي (آس إل إم) بعد الحرب العالمية، متجاهلين أن جودتها أحسن مما عندنا اليوم، وأن سبب هدمها اجتماعي بالأساس، بعدما أصبحت فرنسا مهددة بما يمكن أن نسميه ثورة الهوامش، لذلك أشدد على ضرورة إدماج السكان في محاولة لإصلاح هذا الورش.

في سطور     
> من مواليد 1955 بالقنيطرة
> متزوج
> المفتش الجهوي للتعمير وإعداد التراب بجهة البيضاء- سطات
> شغل منصب المفتش الجهوي للسكنى بالرباط ثم البيضاء منذ 2005
> أستاذ مادة الجغرافية وإعداد التراب بجامعة الحسن الثاني بالبيضاء
> حاصل على جائزة المغرب للكتاب سنة 1997 عن كتاب “الدار البيضاء المدينة والصناعة” الذي يحمل عنوان الأطروحة التي نال بها دكتوراه الدولة سنة 1992

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق