خاص

استقلال النيابة العامة… الشجرة التي تخفي الغابة

عدة فصول شكلت انتكاسة وتراجعا بشأن ما جاء به دستور 2011  في استقلال السلطة القضائية

غطت مسألة استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل والحريات، على مجريات النقاش الذي دار لأزيد من سنة بشأن المسودات الثلاث لمشروع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حتى أضحت تشكل الهاجس الوحيد والمؤرق لضمان استقلال السلطة القضائية،

الذي اختزل النقاش في النيابة العامة، لكن حقيقة الأمر كانت خلاف ذلك على اعتبار وجود نصوص  قانونية أخرى شكلت بالفعل انتكاسة عما جاء به دستور 2011 وتوصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة،
 سواء بالنسبة إلى مشروع النظام الأساسي للقضاة،  أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والتي لم تلق النقاش نفسه، ما أعطى انطباعا على أن الخلاف ينحصر فقط في استقلال النيابة العامة، من عدمه وأن باقي نصوص المشروعين كلها على ما يرام،
 وهو ما يطرح السؤال هل سيتم الاكتفاء فقط باستقلال النيابة العامة؟ خاصة مع قرب التصويت على المشروعين في مجلس النواب.

 

إنجاز: كريمة مصلي

أثير  جدل واسع بين البرلمانيين، بعد إحالة مشروع قانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية على لجنة العدل والتشريع بعد مصادقة المجلس الحكومي حول استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، الذي جاء به المشروع بعدما طالب برلمانيون بضرورة بقائها تابعة للوزارة من أجل ضمان مراقبة هذا الجهاز لها، كلما تعلق الأمر بوجود تجاوزات أو خروقات، على عكس الصيغة التي ستكون عليها النيابة العامة بعد استقلالها عن الوزارة، ما أدى  إلى غضب وسط القضاة بعد وضع الأغلبية لمقترحاتها، وصل حد التهديد بتنظيم وقفة احتجاجية أمام محكمة النقض من قبل  الائتلاف المغربي للجمعيات المهنية القضائية، للتعبير عن غضب القضاة مما تضمنه المشروعان من تراجع بشأن الاستقلال الفعلي للسلطة القضائية، وعلى ما أسموه  الردة والانتكاسة الدستوريتين للمشروعين، من ناحية عدم وجود أي مقومات لسلطة قضائية حقيقية وفعلية مستقلة وكاملة، لانعدام الاستقلال المؤسساتي والإداري والمالي للسلطة القضائية عن وزارة العدل، وتبعية النيابة العامة لها وضعف الضمانات الفردية للقضاة، والتي تم التراجع عن تنفيذها من قبل بعض الجمعيات بعد أن تدخل مصطفى الرميد وزير العدل والحريات، خلال لقائه برؤساء الأغلبية بمجلس النواب لحثهم على سحب تعديلاتهم، إلا أن نادي قضاة المغرب قرر تنفيذ الوقفة للتعبير عن غضبه من التراجعات الكبرى المضمنة في المشروعين والتي لا تقف فقط عند استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل والحريات.

الرميد يحسم الخلاف
حسم مصطفى الرميد وزير العدل والحريات في الخلاف الدائر بشأن استقلال النيابة العامة من عدمه  خلال لقائه برؤساء الأغلبية بمجلس النواب لحثهم على سحب تعديلاتهم،  في يوليوز الماضي.
وأكد الوزير أن مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، يهدف إلى تجسيد مقومات استقلال القضاء، ليساهم في تعزيز المسار الحقوقي بالمغرب، مؤكدا أن المشروع يعد مفتاحا لإصلاح عميق وشامل لمنظومة القضاء بالمغرب، مشيرا إلى أنه يأتي في إطار تنزيل مضامين الدستور، ومن ضمنها ضمان استقلالية المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتنظيم آليات انتخاب ممثلي القضاة، وضمان تمثيلية النساء القاضيات، وتقوية الضمانات المخولة للقضاة، لمناسبة تدبير المجلس لوضعيتهم المهنية، مضيفا أن توطيد استقلال السلطة القضائية شكل هدفا رئيسيا ضمن الأهداف الإستراتيجية الكبرى الستة لإصلاح منظومة العدالة، حيث يسعى إلى ضمان مقومات استقلال القضاء، وذلك كفالة لحسن سير العدالة، وتكريسا لحق الأشخاص في الاحتماء بالقضاء المستقل المنصف والفعال.
 وأكد الوزير في أكثر من تصريح أنه ملزم بنتفيذ توصيات ميثاق إصلاح العدالة والذي ارتأى فك الارتباط بين وزارة العدل والنيابة العامة، ومع حسم الخلاف بقيت العديد من الفصول مبهمة ولم تعرف النقاش نفسه رغم أن لها الاهمية نفسها.

انتقال القضاة …
انتكاسة دستورية  
رغم أن الفصل 108 من الدستور نص على أنه لا ينقل قضاة الأحكام إلا بقانون، إلا أن الملاحظ أنه في مشروع  النظام الأساسي للقضاة فشل في إقرار حصانة قانونية للقضاة من النقل الذي يبقى هاجسا يؤرق بال العديد منهم، كما فشل في إقرار مبدأ عدم قابلية القضاة  للنقل إلا بناء على طلبهم وبموافقتهم. إذ تم الإبقاء على المقتضيات المنتقدة نفسها بخصوص انتداب القضاة ونقلهم، فعوض إقرار أحكام جديدة تدعم حصانة القضاة من النقل عن طريق حصر إمكانية نقل القضاة، في حالة تقديم طلب بذلك، بعد الإعلان عن المناصب الشاغرة بالمحاكم المذكورة، تم إبقاء الوضع على ما كان عليه إذ نصت المادة 64 من المشروع على أنه: «يمكن أن ينقل القاضي.. في الحالات التالية، بناء على طلبه، أو على اثر ترقية في الدرجة، أو إحداث محكمة أو حذفها، أو شغور منصب قضائي أو سد الخصاص”.
كما خولت المادة 65 من المشروع المسؤولين القضائيين بمحكمة النقض وبمحاكم الاستئناف سلطة انتداب القضاة خلال مدة ثلاثة أشهر في كل سنة، وهو ما يشكل  حسب القضاة تهديدا مستمرا ومسا  بحصانتهم من النقل، ورغم ما قدم من وجهات نظر من القضاة والجمعيات المهنية التي  ارتأت اقتراح حصر الانتداب في حال حدوث فراغ في إحدى المحاكم بناء على طلب، وفي حالة عدم تقديم أي طلب منح هذه الإمكانية  للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وذلك  لمدة لا تتجاوز 3 أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة بموافقة القاضي المعني بهذه المسطرة ، مع التنصيص على عدم إمكانية الانتداب بقوة القانون سوى مرة واحدة  خلال المسار المهني للقاضي، إلا أنه لم يتم الأخذ به ليبقى انتقال القضاة وانتدابهم سلطة قد تمارس بشكل تعسفي يضر باستقلال القاضي.

المادة 89… سيف ضد الاجتهاد
عددت المادة 89  من مشروع النظام الأساسي للقضاة على سبيل المثال الأخطاء الجسيمة الموجبة لتوقيف القضاة، إذ أكدت أنه «يمكن توقيف القاضي حالا عن مزوالة مهامه إذا توبع جنائيا أو ارتكب جسيما، ويعد خطأ جسيما بصفة خاصة :الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف؛الخرق الخطير لقانون الموضوع؛ الإهمال أو التأخير غير المبرر والمتكرر في بدء أو انجاز مسطرة الحكم أو في القضايا أثناء ممارسة لمهامه القضائية». ويلاحظ المهتمون والقضاة أنه للمرة الأولى يتم إقرار مبدأ مسؤولية القاضي عن عمله القضائي، ما يمكن أن يؤثر على الاجتهاد القضائي، خاصة أن الحديث عن الخرق الخطير لقانون الموضوع جاء بشكل غير مفهوم بالنظر إلى أن المتضرر يمكنه أن يلجأ إلى طرق الطعن القانونية إضافة إلى طلب التعويض عن الخطأ القضائي.
 ويتساءل القضاة أمام الغموض الموجود في النص هل يكفي أن يسجل الخرق القانوني في أي مرحلة من التقاضي ليصبح دليلا على عدم الكفاءة الموجبة للمساءلة، ثم ما «المتعين فعله في الحالة التي تصحح فيه المحكمة الأعلى درجة الوضع الذي أحدثه حكم القاضي، فهل يوقف المتابعة لزوال الضرر اللاحق بالمتقاضي أم تستمر في مجرياتها بالبناء على جسامة الخطأ المقترف ؟ وماذا عن الحالة التي تؤيد فيها المحكمة الأعلى درجة الحكم الذي اعتبرته سلطة المتابعة خرقا خطيرا للقانون ، فكيف يضع حدا للمتابعة بما يحفظ ماء وجه القاضي ؟ وما مسؤولية سلطة المتابعة في ما قد مس سمعة القاضي واعتباره الأدبي؟

السلطة القضائية…
بين السرعة والتسرع
استقلال السلطة القضائية بالمفهوم الحقيقي يتطلب ضرورة إخراج تلك النصوص التنظيمية، والإسراع هنا لا يعني بالضرورة التسرع، ومنح قوانين تنظيمية تكرس أوضاعا سابقة أو تقضي على مكتسبات الدستور، بل يفيد أن القضاة باعتبارهم المعنيين الأوائل يعمدون إلى إعطاء  تصورهم في مشاريع قوانين ويتم مناقشتها على أوسع نقاط  ويشاركون في ذلك بكثافة، وأن تعمل الجهات التي تمثلهم على عقد اجتماعات متواصلة يتم من خلالها الخروج بتوصيات في الموضوع، فالرهان الحقيقي لمغرب اليوم  والغد هو مدى تفعيل ما جاء به الدستور وبلورته على أرض الواقع، وحتى لا يبقى الاعتداد بمثل مقولة «أعطني قاضيا جيدا ولو بتشريع سيئ أفضل بكثير من قاض سيئ بتشريع جيد».
بالنظر إلى أن هناك غيابا لمقومات سلطة قضائية حقيقية وفعلية مستقلة وكاملة لانعدام الاستقلال المؤسساتي والإداري والمالي للسلطة القضائية عن وزارة العدل، وتبعية النيابة العامة لها وضعف الضمانات الفردية للقضاة، وعلى رأسها إحداث هيأة قضائية إدارية عليا، وهو ما سجلته أيضا الجمعيات والمنظمات الحقوقية المغربية والأجنبية.  وهو ما أشار إليه الائتلاف المهني للجمعيات القضائية الذي أنشأ بين الجمعيات المهنية القضائية للدفاع عن استقلال السلطة القضائية ، والذي أكد أن المشروعين في صيغتهما الحالية يتضمنان غيابا لأي مقاربة تشاركية حقيقية عند وضعهما إضافة إلى عدم التجاوب مع مقترحات الائتلاف، إذ من شأنهما مخالفة روح وجوهر الدستور والمساس بحق المواطن في سلطة قضائية مستقلة وبدور القضاء في حماية الحقوق والحريات وكفالة محاكمة عادلة تكرس دولة الحق والمؤسسات، باعتبار استقلال السلطة القضائية كلا لا يتجزأ.

القضاة ممنوعون من  الجمعيات المدنية

حملت التعديلات التي أدخلتها فرق الأغلبية على مشروع النظام الأساسي للقضاة، تقييدا جديدا بشأن حرية الانتماء للجمعيات المدنية بالنسبة إلى القضاة، إذ تضمن التعديل المدخل على حرية الانتماء للجمعيات المدنية وحرية التعبير، مقتضى يحد من تلك الحرية بالنسبة إلى القضاة من خلال النص على منع وجود القضاة في المكاتب التنفيذية لتلك الجمعيات.
إذ أكد التعديل في الماة 37 «أنه تطبيقا  لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 12 والفقرة الثانية من الفصل 111 من الدستور يمكن للقضاة المعينين طبقا للمادة 68 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى  للسلطة القضائية، الانخراط في جمعيات مؤسسة بصفة قانونية وتسعى لتحقيق أهداف مشروعة، أو إنشاء جمعيات مهنية وفي كلتا الحالتين  يتعين مراعاة واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية واحترام واجب التجرد واستقلال القضاء، والحفاظ على صفات الوقار صونا لحرمة القضاء وأعرافه، غير أنه يمنع على القاضي تأسيس جمعية غير مهنية أو تسييرها بأي شكل من الأشكال»، وتضع المادة 109 من المشروع نفسه مدة لأجل تسوية القضاة لوضعيتهم إذ تفيد أنه «يجب على القضاة الذين يتولون مسؤولية بمكتب مسير لجمعية غير مهنية في تاريخ نشر القانون التنظيمي بالجريدة الرسمية، العمل على ملاءمة وضعيتهم مع مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 37  خلال أجل 6 أشهر من تاريخ النشر»، ويعتبر القضاة أن تلك التعديلات تشكل تشريعا برد الفعل لا غاية منه سوى إسكات أصوات القضاة، من خلال تقديم مبادرات بتشريع عن طريق المقاس لا يضمن النجاعة، تنضاف إليها مسألة ما اصطلح عليه المردودية وذلك لمحاصرة القضاة وتسليط ذلك السيف على رقابهم، بالنظر إلى أنه جاء عاما وفضفاضا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق